الأحد، 23 أبريل 2023

جديد ... وضاح حاسر


ــ رحلة في مجاز اللون ــ

وجهٌ ، وخارطةُ الجمالِ تُصَلِّي
وأنا أسيرُ على البياضِ بمَهْلِ
من أينَ أعبرُني؟، سألتُ مواجعي
قالت: بدربِ الحَزنِ يركضُ سهلي
اركضْ برجلِكَ ثَمَّ مغتسلٌ دَنَا
أجلبْ بخيلِ رؤاكَ في إصطَبْلي

قلبي ملاذ العاشقين ، وقهوتي
منذُ اسمرارِ اللونِ كانت تَغْلِي
وتفورُ في رئةِ الدِّلالِ لتزدهي
شغفاً تُعَتِّقُهُ  مرايا  الوَصْلِ
كان المدى شفةً تعبُّ سَمارَها
لتضيءَ صبحاً في شفاهِ الكلِّ
في نشوةِ الفنجانِ رحلةُ عاشقٍ
أضناهُ في الترحالِ ضِيْقُ الرحلِ

اللحنُ عَنْقَدَ أيْكَهُ ، وأنا الذي
في حائطِ المعنى تشمْرَخَ نَخْلي
أنا كعبةٌ حولي يطوفُ مشاقري
سبعاً ، ويرفلُ في جهاتي فُلِّي
وأنا مزيجٌ من دَمِ الأخوَين قد
ضيَّعتُ بوصلتي بوادي النملِ
شجري يُرَوْنِقُهُ العقيقُ وروضيَ
السجَّادُ يسجدُ في جلالِ الغزلِ

تستلُّ حنجرتي الصدى سيفاً بلا
غمدٍ  تمرَّدَ عن  عناقِ الصقلِ
تنسلُّ من رئةِ الصبابةِ آهةٌ
سالت على صدري فأجدبَ حقلي
يتصبَّبُ النايُ الفتيُّ على فمٍ
صبٍّ ، رماديِّ الملامحِ ، كهلِ

زُفّي القوافي يا رؤى سنبلْتُها
دَلِّي مجازاتِ السنابلِ دَلِّي
غذِّي جياعَ البوحِ خبزَ قصيدةٍ
ظلَّت بمحرابِ الشغافِ تُصَلِّي
واسقي عطاشاكِ الحيارى رشفةً 
قد أرْشَفَتْهَا الروحُ ذاتَ تجَلِّي

قد جئتُ مُنْثلّاً أمدُّ مخاوفي
لجهاتِك الخضراءِ كي تَنْثلِّي
ولمحتُ فاتنةً فرَفَّت مهجتي
وتنفَّضت كالطائرِ المبتلِّ
شفَّافةً لا تعجبوا من طينِها
إنَّ الزجاجَةَ أصلُها من رَمْلِ
سبئيَّة الأعراقِ ، بِلقيسيَّة
الأحداقِ، واسعة الندى المُخْضَلِّ
قالت: خطاكَ البِكْرُ مَرَّت مُرَّةً
قلتُ: اغْمرِيها في جنَاكِ، وحَلِّي
قالت: خيولُكَ لم تعُدْ صهَّالةً
قلتُ: اقْرِئِيها مفرداتِ الصهلِ
قالت: وقلبُكَ لا اخضرارَ يُرى بِهِ
قلتُ: اصْنعِيْهِ على العيونِ النجلِ

قُدِّي قميصَ الحبِّ من دُبُرٍ، ستشهدُ
مقلتاكِ على براءةِ كحلي
ويداكِ  أولاهنَّ تقرعُ خافقي
شجناً، وأخراهنَّ تقرعُ طبلي

لا فاء في سِفرِ الهوى بَعدي كما
لا راء في حربِ المشاعرِ قبلي
أطفالُ قلبي يمضغونَ الجوعَ
فلْتضعي رغيفَ الحبِّ ضِمنَ الأكلِ

...............................................
...............................................
...............................................
...............................................

ــ أحاديث لخارطة اللهب ــ

أنا يا بلادي جئتُ يحدوني السغبْ
حبّاً على أطرافِ أحلامي اشْرَأَبْ
والحبُّ.. أحملُ فوقَ رأسي خبْزَهُ
جوعاً ، وقد أكلَ المدى منهُ، وعَبّ

سأقولُ يا ألفَ الزمانِ وميمَهُ/
أمّي/ ويا ألفَ الذرى، باءَ الذهبْ
سأقولُ أنَّكِ نجمةٌ تلهو على
جسدِ الخرائطِ، في تضاريسِ الحقبْ

سأقولُ أنّكِ فكرةٌ ضاقت بها
رئةُ القصائدِ والأغاني والخطبْ
يا لفظةً تحتلُّ قاموسَ اللغاتِ،
تسيلُ عطراً في زجاجاتِ الأدبْ

من معجم البلدان طرت حمامةً
بيضاء تهدل في سماوات العجب
طافت بوضاح تعتق من عصارة
حبه خمر الكلام المستحب
أفضت برقيتها على صندوقه
لتعيذه من شر ذي غسق وقب

سأقولُ في عينيكِ كُنْ فيكونُ
نافذةً لتاريخِ الجمالِ المصطخبْ

أنا من أتى بقميصِ يوسفَ فاصفحي
لا تقرئي سِفْري بفاتحةِ العتبْ
أحبو على أطرافِ أخيلتي، أمدُّ
قصائدي لتضيءَ ليلَ من اكتأَبْ
والبابُ سِحريُّ العيونِ .. طرقْتُهُ،
ونظرتُ والشبّاكُ بادٍ  فاحتجَبْ

شعري رغيفُ المتعبينَ، وضحكتي
فنجانُ قهوتِهم ، حديث من اغتربْ
ومدينتي تكفي لتصبحَ نخلةً
إن هزَّها التاريخُ تّسَّاقطْ رُطبْ

لا ذنبَ لي إن ضاقَ خطْوي إنَّ لي
قدماً مكبَّلةً بأحزانِ العربْ
تتسرّبُ الأحزانُ عمداً في دمي
فتضجُّ في رئتي أحاديثُ اللهبْ

ريحٌ تُعَرِّي شهوةَ الليمونِ في
شجري، وتفري كلَّ أغصانِ الطربْ
ألقي عصا وجعي؛ فتَلْقَفُني ،
تجفِّفُ صبرَ أيّوبي مناديلُ التعبْ

وتفيضُ من عرفاتِها صُوَرٌ تواري
سَوأةَ الذكرى بغربالِ الغضبْ

.......................................................
.......................................................
.......................................................

ــ نحتٌ في حجر الذكرى ــ

على مرفأٍ في الغيمِ آدَمُهُ شَتَا
وفي الكوخِ طفلٌ كُوتَ عُرْيٍ تكوَّتا
وشيخٌ ضريرٌ مدَّ عكَّازَ قلبِهِ
إلى ألِفِ الإثنين كي يوقظَ الفتى
لكي يبعثَ الدفءَ القديمَ، شموسُهُ
صبايا على الأبوابِ يَحْضُنَّ من أتى
*ـ*
كما ولجَ المرآةَ وجهٌ مجعَّدٌ
ومن علبةِ المكياجِ عادَ مُسَفْلتا
لقد ولجَ الثلجُ المساءَ بندْفِهِ
وعادَ جليداً مطلعَ الفجرِ مصلتا
*ـ*
ولمّا اعتراني الصمتُ عَرَّيتُ فكرتي
لتستنطقَ المعنى الخفيَّ المصمَّتا
لتوقفَني في سدرة البوح دوحةً
أجَمِّعُ أشباهي ، وظلِّي المشتَّتا

على حجَرِ الذكرى توقَّفتُ لحظةً
وأمسكتُ إزميلَ الحياةِ لأنحتا
لأرسمَ للأحلامِ شكلاً وهيكلاً
وأجتثَّ للأوهامِ بيتاً ومَنْبَتا
شنقتُ على حبلِ الغسيلِ حماقتي
وسمَّرتُ في سيخِ العناءِ التعنُّتا
ولي رئَةٌ غادرْتُها  مُتَنَفِّساً
هواءً ترابيّاً ، وجوّاً مُكَبْرَتا
*ـ*
شكوتُ إلى الفنجانِ نيرانَ قهوتي 
فقالَ: يداكَ اختارَتَاها وأوكتا
عبرتُ زُقاقَ الوهمِ وقتاً أعارَني
صباحاً هُلاميّاً ، وحلماً مؤقَّتا

أرتِّلُ ( أنِّي مَسَّني الضرُّ ) كلما
بمحرابِ صدري شاخَ صبرٌ وأخبتا

...........................................
...........................................
...........................................

ــ شيفرة سام ــ

كنخلةٍ عقِبَ الطوفانِ أنْبَتَها
والأرضُ جرداءُ تستجدي فسيلَتَها
كريمةٍ كلَّما مدَّ اليبابُ يدَاً
من فاقةٍ؛ وضعَتْ في الثغْرِ تمْرَتَها
كانت مشفَّرَةً كلُّ الجهاتِ إلى
أنْ جاءَ (سامُ ابْنُ نوحٍ) فكَّ شَفْرَتَها
*
توضَّأَ اليُمْنُ والإيمانُ في يَمَنٍ
لأنها طُهْرُ من يرتادُ وِجْهَتَها
لأنَّها نجمةٌ تهدي الحُداةَ.. لها
أمَّتْ شتائيَّةُ الإيلافِ رحْلَتَها
لأنها نغمةٌ تخضرُّ في وترٍ
وبلدةٌ رتَّلَ التاريخُ سُورَتَها
على صفيحِ التجلِّي الطُّهْرِ سمَّرَها 
وفي تخومِ الأغاني البِكْرِ  ثَبَّتَهَا
ومدَّها لجياعِ الضوءِ أرْغِفَةً
بِيْضاً وفي شَفَةِ الأحلامِ بَسْكَتَها
*
فوقَ اخضرارِ الروابي للندى لغةٌ
يعُبُّ كأسُ المجازاتِ ابْتسامتَها
من تَلّةٍ دلَّت الغيماتِ ذاتَ شِتَا
كشالِ درويشةٍ أرْخَتْ عباءَتَها
في ضفَّتيها استراحَ البُنُّ من كدَحٍ
وصبَّ في قدَحِ السُّمَّارِ سُمْرَتَها
*
سَأحتَفِيْ بِبلاديْ فِيْ النَّعِيمِ وَفِيْ
الجَحِيمِ .. في كُلِّ حالٍ عشْتُ جنَّتَها
تَسَارَعيْ يَا نُبُوءَاتِ المعارِكِ ، أَوْ
تَباطَئِيْ .. أرضُنا تجتازُ مِحْنَتَهَا
لم تخْشَ صاعِقَةَ الفوضى لأنَّ أبَاً
هناكَ مِنْذُ امْتِزَاجِ الطينِ أرَّتَهَا 
فكلّما صَهَرَتْهَا فتنةٌ نهَضَتْ
تضمُّ عُرْوَتَها الوثْقى ووحْدَتَهَا

*
أحتاجُ يا بلدتي أن تعشبي أملاً
يمدُّ جسرَ الرؤى كي لا يفوِّتَها
أحتاجُ أن تلبسي فستانَ جَدَّتِنا
أن تنهضي، أن تعرِّي -الآنَ- حكْمَتَها
وأن تحطِّي على أسوارِ معْبَدِها
شمساً تخطُّ الجهاتُ البيضُ سيرَتَها
بِلقيسُ أمُّ نساءِ الأرضِ، ما امْرَأَةٌ
إلا احتستْ من دِلالِ المجدِ قهْوَتَها

...........................................
...........................................
...........................................

ــ وجع الخرائط والدم ــ

روحي على سوْرِ المدينةِ واقفَةْ
ترنو  وقد نشَرَ الحنينُ صحائفَهْ

ترنو  إلى طُرُقٍ  مبلَّلةِ  الخـطى
والفكرةُ الظمأى  تُهرْوِلُ ناشـفَةْ

وأسـى  بقلـبي  كلَّــما  واريـتُهُ
عـرَّتْهُ للرائي  العيونُ   الذارفَةْ

وطـنٌ يُهرَّبُ في حقيبةِ خـائنٍ
متلوِّنٍ ، أو في ثيـابِ فلاسـفَةْ

ودَمٌ  يسافرُ في الخرائطِ هائماً
أنساهُ صوتُ القاطراتِ عواطفَهْ

ورؤى يُغطِّيها الجليدُ؛ فتختفي
حيناً ، وتبْعثُها الليالي الصائـفَةْ

وأنـا أُضـَمِّدُ جُرحَ قلـبي  بالنـدى
فتضجُّ في صدري مشاعرُ جارفَةْ

أصغي إلى صوتِ المغنِّي عازفاً
شجناً وقد سـكَنَ الأنينُ معازفَهْ

وجَعُ الخرائطِ  لم يعدْ يكفي لأنْ
يستوعبَ الدَّمُ كلَّ ذكرى خاطفَةْ

  **ـ**

تلك الشقوقُ على الجدارِ خلالَها
تتـسـلَّلُ الأشــباحُ ، تدنـو دالـفَةْ

تتخصّرُ الموتَ احترافاً  والورى
يصغي لوقْعِ الخافـياتِ الناسفَةْ

وترى المديـنةَ في الركـامِ كأنَّها
كأسٌ مهشَّـمةٌ ، وذكرى راشـفَةْ

تستنشقُ البارودَ من رئةِ الوغى
لهبــاً ، وتزفـرُهُ  جـراحـاً نازفَـةْ

تجثـو وقـاراً ثُمَّ تصـحو؛ ترتوي
نضجاً، وتكسوها الظلالُ الوارفَةْ

يتسـاءَلُ التـاريخُ عن سـِرِّ الذي
ألـقـى عليـها شـالَـهُ ومعـاطـفَهْ
  **ـ**
ما زالَ في الصلصالِ يبحثُ مُتْعَبٌ
عن آدمٍ وسـطَ الريـاحِ العـاصـفَةْ

في راحتَيهِ حمامتانِ ، وغصـْنُ
زيتونٍ ، ونفـسٌ للمحـبّةِ غـارفَة

***ـ***
...........................................
...........................................
...........................................

ــ وكز السؤال ــ

قد جفَّ في شفتي المحيطُ الهادئُ
لا ماءَ في كأسي ليروى الظامئُ
يا جرَّةَ الماءِ استعدِّي هذِهِ
بئرٌ معطَّلةٌ ، وجرحٌ ناتئُ
ودَمٌ تجمَّدَ في عروقِ تساؤلي
مذ أيقظَ الكلماتِ دمعٌ طارئُ
فتنفَّضَتْ كالطيرِ من بللٍ، وأودى
بي الحنينُ المستبدُّ العابئُ
متسلحاً بمبادئي طفْتُ المدى
فتنكَّرَت لي حين عدتُ مبادئُ
متوشحاً حلمي العريضَ مشيتُ
والدنيا انسدادٌ وامتدادٌ صابئُ

أسريتُ.. لم ترسمْ مخيِّلَتي الطريقَ
إلى المضيقِ ، ولم يرفَّ الشاطئُ
أصغيتُ.. لم تدركْ حواسي الخمسُ
أبعادَ الدروبِ ولا القطارُ يُفاجئُ
لم تخْتَطِفْني فرصةُ التحليقِ من
صمتي السحيقِ ولا الزمانُ يُكافئُ

متوكئاً عكازتين : مشاعري
وأسى له ثغر الحقيقة قارئُ
بعصاي أرصفةً أهشُّ ولم يزلْ
يكز السؤال مشاعري ويناوئُ
من أين أخرجُ من تفاصيلِ العنا
وإلامَ يغريني المسارُ الخاطئُ
منّي إليَّ أفرُّ ظمآنَ الخطى
وكأنما بعضي لبعضي لاجئُ
وأخبِّئُ الأشواقَ خلفَ أضالعي
فتشيْ بها خلف الضلوعِ مخابئُ

...........................................
...........................................
...........................................





الأحد، 16 أبريل 2023

شعر شعبي (حميني) //// وضاح حاسر

شعر حميني (شعبي) ج


........ريم حجة ..........


يا ريم شفته على عرش المحبين حجَّةْ 
ملاك هيبه وتاج 

في قلعة القاهرة للغيد صجَّهْ  ورجَّه 
وللوسامه انبلاج 

حصان واقف على عرش النقا عاف سرْجَه 
عافه وأبدى انزعاج 

افلت من السرج واتخطى حدوده وبرْجَه 
وفي يديه السراج 

غزال يختال، يفعل وين ما سار ضجَّة 
من الحلا والغناج 

أبيض كمثل القمر وهَّاج في كل مهْجَة 
شفَّاف مثل الزجاج 

ضوَّى فؤادي وفي وسط الحشاصبّ وهْجَه 
كالبدر في ليل داج 

زبيب روضي، عسل دوعن، عنب تم نضْجَه 
سكّر وغيره أجاج 

الورد في وجنته ، والنهد يا حن ترِجَّه  
رمّان، والخصر عاج 

والثغر توتي شهي القطف، والعين دعْجه  
وشهد ريقه علاج 

يخطر ويرقص يهز الأرض ترتجّ رجّه 
والردف زاد ارتجاج 

يمشي دلع في دلع ، سبى فؤادي بغُنْجَه 
هيّج شعوري وهاج 

صوته وتر في ربابه ، أو نغم في كُمَنْجَه 
حالي يعلّي المزاج 

يا حين شفته قبالي يرصف الحسن بَهْجه 
أبلج  وزاد انبلاج 

واانا  قباله  أداري  لهْف  واشواق فجَّه 
كلّي شغف واحتياج 

حاولت أجلس بقربه .. قام عني توَجَّه 
وقال ما بش خراج 

أغوص في بحر حبّه  كنّني وسط لجَّه 
وهو يزيد اللجاج 

تعبت لاجله مراعي كل دخله وخرْجَه 
عسى يكون انفراج 

عسى يلن خاطره يفتح حشا لي ومهْجَه 
ويضمني في ابتهاج 
******
.................. وضاح ..................
.................. حاسر ...................


......غيمة الحسن ريمة.......

يا هاجسي شلّني نعبر دروب السلامةْ 
إلى منيفات ريمةْ 

ريمة ومن مثل ريمة في الحلا والوسامهْ 
والأغنيات الرنيمةْ 

عاطش أدور لرشفة من كؤوس ابتسامة 
والا ندى أي غيمة 

وغيمة الحسن في قمة ظلملم حمامة 
في عش قلبي مقيمة 

غزال في هيئته خفة رشاقة وقامة 
عالي مكانه وقيمة 

الصدر تفاح لبناني لذيذ التهامه 
مكسرات بالكريمة 

والثغر كيزان وردية، وريقه مدامةْ 
ومبسمه إسكريمة 

سبحان من صوّر الحالي قمر في تمامه 
نور الليالي البهيمة 

ما مثلها في سما بيروت والا المنامة 
ولا دمشق العظيمة 

ولا أساطير بابل قد حوتها علامه 
ولا أثينا القديمة 

قد توّجتْها  نفرتيتي  بتاج الزعامة 
وسلّمت عن هزيمة 

صارت مليكة جمال الأرض، هيبة وهامة 
أرق وارقى زعيمة 

من يشبهك ياكحيل الطرف يا ظبي رامه 
يا بو الخدود الوسيمة 

عاجز عن انجاب أمثالك جبل أو تهامة 
كل النواحي عقيمة 

يا رب كن للقلوب العاشقة المستهامة 
داوي القلوب السقيمة 

طفي حريق المعنَّى ، ظلله بالغمامة 
جيب العواقب سليمه 

عجّل وصال الذي هيمان طول هيامه 
وقربه من نديمه 
******
..................وضاح ...................
...................حاسر ....................


ـــ....ظبي في عرش بلقيس....ـــ 


يا ظبي في عرش بلقيس البهية تكوكب 
وفي جواره ربا 

روى النقا والثقهْ ، وثَّق حباله ، تشرَّب 
رؤى حضارة سبا 

يرقص على نغمة الدانه ويلهو ويلعب 
من بين كل الظبا 

على شجر روضته دمع الغمامه تصبّب 
أضحك خضير الربا 

كل الجمال احتوى من شاف حسنه تكهرب 
وذوّب  الكهربا 

من خافقي نحوها أرسلت هدهد مدرَّب 
وعاد لي بالنبا 

قال الهوى طير طاير في سما جو مأرب 
عصفور وسط الجبا 

فقلت وصل سلامي من متيم ومعجب 
لمن فؤادي سبى 

وحن وصل هدهدي رد التحية وجوّب 
وقال يا مرحبا 

أهلاً وسهلاً وحيَّ الله من جا وقرّب 
ومن حبا أو دبا 

يحق لك يا كحيل العين تضحك وتطرب 
وترفع الحاجبا 

ما دام عطرك مع الأنسام شرق وغرب 
واحتل ريح الصبا 
*******
....................وضاح .....................
....................حاسر ......................


.......غزال من أرض سام ........


يا ناس شفت الحلا كله بباب اليمن 
يختال حالي القوام 

يخطر كغصن القنا جنّن فؤادي وجن 
غزال من أرض سام 

غزال أحور عبر قدّام عيني فتَن 
قلبي وزاد الهيام 

أسفر كمثل القمر باهي المحيا حسن 
لما أزاح اللثام 

سبحان من زيّنه بالورد فوق الوجن 
والخال قايم مقام 

والثغر أحمر فتَش عن برقه المستكن 
لما نوى الإبتسام 

والصوت أحلى نغم مثل الوتر حين رن 
سلطن جميع الأنام 

والريق سكَّر محلى بالعسل معتجن 
دوا يشافي السقام 

من ذاق طعمه سكِر واشتد شوقه وحن 
وصار به مستهام 

حصان أسرج لجامه والتجم كل فن 
وسار وسط الزحام 

أغنج مدعَّج تبَرّّج وانْبلج كل من 
شافه تبنَّج وغام 

حين التفت لي ونشّن قوس عينه وشن 
على حشاي السهام 

أشّر بيدّه وسلّم وابتسم وافتهن 
عجزت رد السلام 

من يوم شفته ولا ذاقت عيوني الوسن 
ولا لذيذ المنام 

ساهر على طيف من حسنه بذهني اختزن  
من قبل عشرين عام 
****
...................وضاح .....................
................... حاسر .....................


........غزال ساكن عدن ........ 


غزال ساكن عدن يختال في الحسن وحْدَهْ 
حلاه ما ينوصف 

سبى فؤادي وتاه العقل في حسن قدّه 
لما تعطّف ولف 

عذب اللمى في فمه ينساب سيّال شهْدَهْ 
يهناه من له رشفْ 

والتوت في مبسمه والورد فاتش بخدّهْ 
يا سعد من له قطفْ 

حبه بقلبي عصفْ    واحتل كامل كياني 
لما  هويته  عزف      عني وما قد هواني 
ظامي وريقي نشف    ماذقت كأس التداني 
***

وحين جيته أعاني  ما توقّعت ردّهْ 
قال المحبة ترفْ 

جفا تخلّى تعجْرف عافني خان وعده 
ثم اختفى واختلف 

وما رعى في الهوى حقي ولا صان عهده 
عني مضى وانصرف 

ما نالني من سحابه غير برقه ورعده 
أما رشاشه فجف 

يا ناس  خلي  حلف      على النقا والصفاء 
وحن ظفر بي خلف    واخلف وعوده جفاء 
ظامي وريقي نشف     ما ذقت طعم الوفاء 
***

والله لولا هوى قلبي وظرف المودّة 
ما كنت واقف طرف 

ما كنت في خيبتي أتجرع البعد بعده 
ولا قليبي نزف 

ولا عشت أرعى ورود الحب وردة ووردة 
وهو لها قد قطف  

يا ناس خلي خلف      وافعاله الشارحه 
على خداعه عكف       من أول البارحه 
والوعد وعد الشرف     والله ما اسامحه 

*******
...............وضاح ..................
............... حاسر ...................
#وضاح_حاسر 




الأحد، 9 أبريل 2023

رواية قافلة الضياع ///// وضاح حاسر


رواية 


 قافلة الضياع 




وضاح حاسر  





[ همسة ]  


قارئي العزيز ... 

    إن مأساة عائلة يُسْري - التي ستقرؤها بين دِفَّتَيْ هذا الكتاب - ما هي إلا واحدةٌ من تلك المآسي الكثيرة ، الفظيعة ، التي تتكررُ كل يومٍ مع كل موجةٍ من موجاتِ النزوح ، وفي كل منطقةٍ شهدت وتشهدُ حرباً ، بل هناك مآسٍ أكثرُ بشاعةً وفظاعةً ، وأثقلُ وطأة ، وأعمقُ ألماً وأثراً . 
   كما أنها تُسلِّطُ الضوءَ على قضيةٍ أخرى بالغة الحساسية ، تكشفُ عن وجهٍ آخر - لا يقلُّ بشاعةً - من وجوه الإستغلالية المقيتة لمعاناة وظروف النازحين التي يمارسُها الإستغلاليون الموسومون بموتِ الضمير ، ونضوبِ الإنسانية ، وجفاف الرحمةِ ، وانعدامِ المسؤولية. 
 
   إنها وليدة الواقع ، مستوحاة من الواقع ، نابعة من الوجدان ، كتبتها بقلبي قبل قلمي ، وها أنذا أضعها بين يديك علَّها أن تلامسَ شغاف قلبك.
وضاح حاسر     




أرأيتَ قافلةَ الضّياع ؟ أما رأيتَ النازحين ؟
‎الحاملين على الكواهل من مجاعات السنين 
‎آثام كل الخاطئين 
 ‎النازفين بلا دماء 
 ‎السائرين إلى وراء 
‎كي يدفنوا هابيل و هو على الصليب ركام طين 
 ‎قابيل أين أخوك ؟ أين أخوك ؟ 
 ‎جمّعت السماء 
‎آمادَها 
لتصيح كُوِّرت النجومُ إلى نداء 
‎قابيلُ أين أخوك؟ 
 ‎يرقدُ في خيام اللاجئين .
بدر شاكر السياب                

  


[ بدءاً ] 

 أما قبل : 

  الحياة هنا - يا صاحبي - أصبحت لا تطاقُ ، جحيمٌ فائرٌ يلتهمُ السعادةَ ، والفرح. حوتٌ عظيمٌ فاغرٌ فاهُ على الدوام ، يتحيّنُ الفرصَ المواتية ، ليلتقمَ الإنسانَ المدحضَ نتيجة استهامِ الفجائعِ، والإحتراب . 
  المدحضون - وكلنا مدحضٌ يا صاحبي - كثرٌ ، يملؤون ، أو يكادون ، بطنَ هذا الحوتِ العظيم ( المخيم ). لكنه حوتٌ ثابتٌ لا يتحرك ، وحدنا فقط - نحن الموتى على قيد الحياة - نتحركُ خلالَهُ بملل ، نتحركُ بوجَلٍ وحزنٍ كبيرين ، ندورُ حولَ ذواتِنا في حلقةٍ مفرغةٍ من الأسى ، لا نبارحُ أماكنَنا ، كما لو أننا مقيَّدون ، وفي الواقعِ نحنُ مقيَّدون فعلاً ، مقيَّدون بالتشظّي ، ومقيّدون بالجوعِ والحرمان أيضاً ، محاصرون بالألمِ ، محاصرون بالخوفِ الذي يحيط بنا من كل الجهاتِ ، متْرَعُون بالوجعِ حَدَّ التُّخْمة. أقدامُنا تتحركُ ، لم تنكسر بعدُ ، لكنَّ الذي انكسرَ هي خواطرُنا ، وقلوبُنا. ولم تُبْترْ سواعدُنا أيضاً ، إنّما بُتِرَت أحلامُنا ، وآمالُنا ، بُتِرَت وتحطمت على صخرةِ التيه والشتاتِ والغربة. 
  نحن مثقلون - يا صاحبي - بالوهم ، تقتلنا المساحاتُ الشاسعةُ التي نزحفُ فيها وحدنا إلى النهاياتِ التي تركَها الوقتُ دون أن يضعَ آخرَها نقطةً ، إلى النهاياتِ التي نبقى فيها نراوحُ ، أو ندور حول ذواتنا على الدوام. 
  صحيح أننا لم نمتْ بعدُ ، إذْ ما زلنا على قيدِ الحياةِ نتنفسُ بضيقٍ أكسجينَ الفقدِ من ثُقْب إبرةٍ صدِئة ، لكننا في كل يومٍ يجيءُ علينا نذوقُ الموتَ مرَّاتٍ ، كل يومٍ يموتُ بعضنا ، يموتُ جزءٌ منا ، نموتُ بالتقسيطِ ، لا نموتُ دفعةً واحدةً كما نشتهي ، أو كما اعتادَ الموت وهو يوزِّعُ أشغالَهُ بالثواني على عالمِه . 
   إنه الموتُ ، ذلك الكائنُ اللامرئي المفترسُ ، الذي يقفُ لكل حيٍّ بالمرصادِ ، يأتي عليهم واحداً واحداً ، دون أن يأخذ إذناً من أحد ، يلتهمُ أرواحَهم اللامرئية هي الأخرى ويبقيهم جثثاً هامدةً تساقُ إلى المقابر جماعاتٍ وأفراداً .  

  نحن هنا - يا صاحبي - في سجنٍ اضطراري ، لا نزالُ في بطن الحوت/ المخيم ، لا ندري متى سينبذُنا هذا الأخير بالعراءِ أحراراً غير مذمومين ، متحررين من الأغلالِ والسلاسل التي التفَّتْ حولنا ذاتَ حربِ شعواءَ جاءتنا على قدَرٍ. 
  أحياناً نكونُ بحاجةٍ لشخصٍ أو أشخاصٍ نبوحُ لهم  بأطنانِ الهمِّ التي تتعفنُ في دواخلنا حدَّ الضياع ، حدَّ الفوضى والجنون ، لكننا في ذاتِ الوقتِ نقبرُ حزنَنا كي لا نبدو مثيرينَ للشفقةِ ، رغم حاجةِ أرواحِنا لعابرِ طبطبةٍ يربتُ على كتفِها .
  تجتاحُنا رغبةٌ عارمةٌ للعودةِ إلى منازلنا ، إلى حيث كانت أرواحُنا ترفرفُ سعيدةً. تخفقُ قلوبُنا شوقاً إلى المكانِ الذي احتضنَ طفولتَنا ، المكان الذي نشأنا وترعرعنا فيه ، المكان الذي عجنَّا ترابَهُ بعروقِنا وماءِ قلوبِنا وحبِّنا ، المكان الذي خالطَ حبُّهُ بشاشةَ أرواحِنا مُذْ كنا صغاراً نتقافزُ بهجةً بعدَ كلِّ غيثٍ ماطرٍ يغمرُ الأرضَ بالبلل ، نجعلُ من طينِهِ المبتلِّ رسوماً وتماثيلَ وبيوتاً لأحلامِنا  العالقة بين جدرانِ المشيئة. 
 ••• 
  العالَمُ اليومَ - يا صاحبي - عالَمٌ نتنٌ ، عالَمٌ مريضٌ ، عالمٌ جشِعٌ ، نزِقٌ ، يقتاتُ من دم بعضِهِ دونَ اكتراثٍ ، أو شعورٍ بالذنبِ. عالَمٌ موسومٌ بتصحّرِ الوازع ، ومثلوجيةِ الضميرِ ، وإنسانيةٍ تعرَّضت بشدةٍ لعواملِ التعرية. 
  العالَمُ اليومَ تحكمُهُ شريعةُ الغابِ وقانونُها ، القويُّ فيهِ يأكلُ الضعيفَ ، والغنيُّ يأكلُ الفقير ، والكبيرُ يأكلُ الصغير. العالَمُ اليومَ أصبحَ غابةً كبيرةً يا صاحبي ، غابةً كبيرةً متراميةَ الأطراف. 
  إنه عالَمٌ موبوءٌ في أخلاقِهِ ، موبوءٌ في تصرفاتِهِ ، موبوءٌ في عدالتِهِ ، يكيلُ بمكيالينِ في كل شأنٍ أو قضية. تراهُ ينحازُ للمظلومِ ، وفي ذاتِ اللحظةِ يقفُ هو والظالم حذوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ على رأسِ المظلوم. يدَّعي أنه سندٌ للضعيفِ ، وفي الوقتِ نفسِه تجدُهُ يساندُ القويَّ بكل فجاجةٍ ، إنه عالَمٌ منافق شديدُ النفاق. 
  إننا في هذا العالَمِ الكبير المتقدم صناعياً وتقنياً وتكنولوجياً ، لا زلنا نفتشُ عن الإنسان ، ونفتشُ في الإنسانِ عن إنسانيةِ الإنسانِ. نبحثُ عن الرحمة التي تمسحُ بشاعةَ قابيل في ضلوعِ الآدميّةِ. نبحثُ عن سلامٍ يغسلُ غبارَ الحربِ العالقَ فوق جبينِ اللحظة. نبحثُ عن نسيانٍ ينتشلُنا من مستنقعِ المأساةِ الذي انغمسنا فيهِ راغمين ، لا راغبين. نبحثُ عن جذوةِ فرحٍ تصهَرُ هذا الحزنَ المتصلِّبَ في عروقِ المشاعر. نبحثُ عن ترياقٍ ناجعٍ يطفئُ هذا الوجعَ الثقيلَ المنبعجَ من خاصرةِ الأمّة. نبحثُ عن أي شيءٍ يمكنُهُ كسر هذه الرتابةِ ، وهذا الروتين والمللِ الفظيعين. 
  لم يعد بمقدورنا - يا صاحبي - أن نتوجعَ ، أو أن نتكلمَ ، أو أن نصيحَ ، أو أن نعترض ونحن نتأرجحُ في دوامة الحياة المملةِ كأننا نعيشُ روتيناً واحداً ممتدّاً ، يوماً واحداً طويلاً منذ أعوامٍ نعجزُ عن التحكّمِ بِهِ ، أو التأثير فيه ، أو تغيير نمطيتِه الثقيلة القاتلة. 
•••• 















أما بعد : 

  العقدُ الثاني من القرنِ الواحدِ والعشرين عقدُ الروعِ والضياع ، عقدُ الخوفِ والقهر. أيامٌ ثقيلةُ الوطأةِ بما تحملُهُ من فجائع ، وما تحملُهُ من معاناةٍ ، وما تحملُهُ من أوجاعٍ من العيار الثقيل. حالٌ مريرٌ حلَّ على هذه القرى الريفية العديدة ، بعدما كانت تتكئ على الجبال في سكينةٍ لعقودٍ من الزمن ، أصبحت اليوم مهرجاناً مختلطاً من الفوضى والضجيج. يتسابقُ الناسُ مهرولين إلى الجهاتِ جميعها ، بعدما كانوا في قُراهم لا يبارحون منازلَهم. النساءُ والأطفالُ والشيوخ يتأبطون الرحيلَ ، وصُرَرَ الثياب ، والعُرْيَ أيضاً ، يركضون إلى سفوح الجبال والسهول البعيدة ، ضاقت بهم - لكثرتهم - الدروب على اتساعها. ترى صفوفهم اللانهائية مثل النمل حين تدبُّ في العراء ، يصعدون الهضاب ، ويهبطون الأودية ، ويتسلقون السفوح الوعِرة ، يريدون العبور لأبعد نقطةٍ ممكنةٍ في المجهول. يبحثون عن أمانٍ يرمِّمُ ما هشَّمَ الخوفُ من سكينةٍ في أضلاعِهم ، وسلامٍ يُرَتِّقُ ما فَتَّقَتْهُ الحروبُ من أواصرَ وعلاقاتٍ ، وما باعدَتْ من قراباتٍ ، وشتّتت من اجتماعٍ وألفة.  
  لا أدري لماذا اخترتُ النمل دون سواه ؟، ربما لأنني لا زلتُ أستحضر قصته وأشعر بالشبهِ والتحطم من الداخل كلما داس علينا تجار الحروب ، التحطم الذي يصيبنا كل يوم بالتعاسة والإنكسار دون أن يشعر أحد بنا. 
•••• 

     






 القسم الأول : 


(( رحلة النزوح )) 












   " تترك وطنك فقط .. حين لا يترك لك مجال للبقاء "     
 - ورسان شاير           
 
•••

(( دخلنا دوامة الأهوال. ها نحن شعوبٌ معلقةٌ إلى أبوابِ القاطرات. ما عاد همّنا إنقاذ الوطن ، كلٌّ منا يريد إنقاذ نفسِه ، الكلُّ يركضُ للحاقِ بفرصتِه الأخيرة ، فقطار الهروب من الجحيم لا ينتظر )) 
- أحلام مستغانمي        







ــ 1 ــ 

  على السفح الشرقي لأحد الجبال الريفية الشاهقة ، تربض القرية (ج) ، ذات المنازلِ الكثيرة المنتشرةِ على امتدادِ رقعتِها في غيرِ انتظام. في وسطِ القريةِ يتموضعُ بيتٌ قديمٌ يتميزُ بطابعه المعماري الشعبي الأصيل ، مكوّنٌ من طابقٍ واحدٍ يحوي عدداً من الغرف ( أربع غرف ، تفصل بينهنَّ على امتداد البيت صالةٌ ليست بالعريضة ، بحيث جعلت كل غرفتين ومرفقاتهما على حِدَة ). 

  الحرب في القرى المجاورة كانت حامية الوطيس ، بل كانت في أشدِّ حالات الإحتدام ، أصوات الإنفجارات تدوي بقوة ، تهتز لها البيوتُ الحديثةُ ، أما القديمةُ فتمطرُ ساكنيها بزخّاتٍ من الحصى والغبار. تلك الحرب المجنونة المسعورة تسير بخطى حثيثة لا يقرُّ لها قرار ، ولا تتوقفُ عند حدٍّ ، لا تدعُ بيتَ مدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا دخلتْهُ. تجعلُ كل قريةٍ أتت عليها كالجحيم ، لا تبقي على شيءٍ فيها ولا تذر. تلك الحرب الملعونة قد لطّخت كل شيء بقبحها غير المحدود. 

 في محيطِ البيت أصوات كثيرة متداخلة : صراخ ، وعويل ، وهلع شديد. 
  شغف الطفلة التي كانت قد دخلت مع مطلع العام ( 2019 ) عامها الثالث عشر. وهي فتاةٌ ذاتُ وجهٍ دائريٍّ ، وعينين عسليتين. أما شعرُها فأسودُ كالليل ، ناعمٌ كالحرير ، كثيفٌ كضبابِ الصباح الضارب في الرسوخ، طويلٌ نسبيّاً - بالنظر إلى سنِّها -، إذ يصل إلى منتصف ظهرها ، يتدلى خلفها بانسياب كذيل الحصان. أما قامتُها فتبدو نحيفةً إلى حدٍّ ما ، إلا أنها لم تكن هزيلة. 
  أطلَّت بعد سماع الضجة ، من باب البيت الموارب ، تنظر إلى الخارج ، تجول عيناها في كل اتجاه باحثة عن مصدر الضجيج ، وأسباب الفوضى والضوضاء العارمة التي وصلت حِدّةُ هيجانها إلى مسمعها وهي في عقر الدار. 
  ثمة صوت جهوري يهتف محذراً : 
– « يا أهالي قرية (ج) ، الحرب تزحف إليكم .. اخلوا القرية »
- صوت  : « ماذا يقول ؟» 
- صوت آخر : « يقول : الحرب تزحف إلى قريتنا !! » 
  ثم يعاود الهتاف ثانية بنبرة أكثر صرامة :
– « يا أهالي قرية (ج)، لا مقام لكم فانزحوا ، اخرجوا النساء والأطفال والشيوخ .. اخرجوا جميعاً ..»
- صوت : « إذن .. فلنهرب .. فلننزح » 
- صوت آخر : « ولنخرج النساء والأطفال والشيوخ » 
– ثم يهتف في المرة الثالثة : « يا أهالي قرية (ج)، الهروبَ الهروبَ .. السماء تمطر لهباً ، والأرض تقذف ناراً ».
- أصوات : « هيا بسرعة .. هيا .. هيا .. » 
  جرى كل هذا على مرأى ومسمع شغف وهي تقلب ناظريها في سكان القرية وهم يهرولون داخلين بيوتهم أو خارجين منها وقد أحدث الهتاف فيهم جلبة كبيرة. كانت تصغي في عدم استيعاب واضح ، فهي قد سمعت عن الحرب ، لكنها لم تكن عاينتها ، أو عايشتها عن كثب. أما النزوح ، فهي لأول مرةٍ تلتقطُ أذُناها هذه الكلمة أصلاً ، لأول مرة تمر عليها تلك المفردة القاتلة ، فمن الطبيعي جداً أن لا تكون تعرف كُنْهَها ، أو تعلمُ فحواها ، أو ما يقصد منها. لا تدري أنها تعني أن تغادر هائمةً على وجهها ، تاركةً كل شيء خلف ظهرها : القلب ، الروح ، البيت ، المال ، السكينة ، الراحة ، الطمأنينة ، الذكريات ، العواطف ، وكل شيء يخصها ، كل شيء دون استثناء. حاملةً معها : الوجع ، الفقد ، الجرح ، الخوف، القلق ، القهر ، الحرمان ، التشظي ، الغربة ، الحزن ، والدموع. 
   استدارت شغف عائدة إلى الداخل مسرعة ، تتملكها الدهشة والإضطراب مما رأت وسمعت ، وراحت لائذةً بملاذها الآمن ( أمها زكية )، وهي تنادي : 
–  أماه .. أماه .. 
  كانت الأم زكية منهمكة مع ماكينة الخياطة خاصتها ، حيث غطى الصوت الصادر منها على الأصوات الأخرى؛ فلم تبلغ مسمعها الضوضاء القادمة من الخارج ، ولم تسمع أيضاً نداء شغف .. فكررت شغف النداء ثانيةً وهي تقترب من غرفتها : 
 – أماه .. أماه .. 
رفعت الأم زكية رأسها ، وصوبت عينيها ناحية الباب ، وردت : 
 – نعم .. نعم .. ما بك يا ابنتي ؟
 
قالت شغف وهي ترتعد : 
 – أماه .. سمعت منادياً يقول : إن الحرب تزحف إلينا ، ويطلب من أهل القرية النزوح فوراً ، وإخلاء القرية .. 
 ثم أردفت : 
  – ورأيت الجميع يهرعون إلى بيوتهم ، ثم يخرجون متجهين ناحية الشمال. حتى جارتنا أم شيرين رأيتها تخرج هي وشيرين والجدة العجوز.  
قالت الأم زكية مندهشة : 
 – ماذا تقولين ؟! ، أأنت متأكدة ؟! 
قالت شغف : 
 – نعم .. متأكدة. وإذا لم تصدقي ، تعالي؛ لتري بنفسك .
  تطل الأم زكية الخمسينية من نافذة الغرفة ، تحملق في أهالي القرية وهم يجوبون الساحات في حركة غير اعتيادية ، يلِجُونَ بيوتهم ، ثم يخرجون إلى الطرقات صغاراً وكباراً مع مواشيهم وما تيسر من أمتعة ، فتقول في سرها وقد تلبَّد وجهها بغيوم الرهبة : 
–  هذا صحيح !! 
  تتسارع دقات قلبها ، تدبُّ قشعريرةٌ رهيبة تنتشر في كامل بدنِها كجيشٍ من البراغيث ، تشعر بالقلق والخوف والتوتر ، ولماذا ؟، لأنها تعرف ماذا تعني الحرب ؟، وماذا يعني اقترابُها المكاني ؟. إنها تعني فاجعة كبرى ، تعني نتيجة حتمية لا مناص منها ، تعني أن يظهر ذلك الشبح المخيف واضحاً للعيان ، الظاهرة التي تفرزها الحروبُ دائماً ، ظاهرة النزوح ، تلك المفردة الشبح التي تهدد بكسر الأواصر ، وتحطيم الروابط الإجتماعية ، واجتثاث العواطف المكانية أي إنهاء علاقة الإنسان بالمكان. 

  فالنزوح كما يعرفه الباحثون : ( هو حركة الفرد أو المجموعة من مكان إلى آخر داخل حدود الدولة ، ويتم النزوح رغماً عن إرادة النازح بسبب مؤثر خارجي مهدد للحياة : كالمجاعة ، أو الحرب ، أو الجفاف والتصحر ، أو أي كوارث أخرى تدفع النازح إلى مغادرة موقعه والتوجه إلى موقع آخر؛ طمعاً في الخلاص من تلك الظروف ‏). 
  وكذلك يعرف النازحون وفقاً لتعريف المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة : ‏( بأنهم الأشخاص ، أو مجموعة من الأشخاص الذين أجبروا ، أو اضطروا على الفرار ، أو ترك ديارهم ، أو أماكن إقامتهم المعتادة فجأةً؛ بسبب صراع مسلح ، أو نزاع داخلي ، أو انتهاكات لحقوق الإنسان ، أو كوارث طبيعية أو من صنع الإنسان، والذين لم يعبروا حدود الدولة المعترف بها دولياً ) . 
  والنزوح هو مرادف الإزاحة في علم الفيزياء والتي تعني : (انتقال الجسم من نقطة إلى أخرى بفعل الحركة ). وأضيف : وهو مرادف الشبح أيضاً. فكما أن الأشباح رؤيتها تثير الخوف والرعب ، فكذلك النزوح يثير حضوره الفزع والذعر ، لأنه ينذر بانفصال الشخص عن كل ما يربطه بالمكان : أرضاً وإنساناً ، طيناً وهواءً ومأوى ، مشاعر وذاكرة. 
  استشعرت الأم زكية هذا الأمر ، وأحست بحجم الخطر المحدق، وفداحة ما ينتظر سكان القرية من عناء ، ومشقة ، فازدردت ريقها، وعادت مسرعة إلى الداخل ، وفوراً طلبت من شغف التوجه إلى شقة أخيها يسري؛ لإعلام زوجته دنيا كي تتجهز للخروج ، بينما انهمكت هي في لملمة ما أمكن من يسيرِ الأمتعة. 
  هرولُت شغف ناحية شقة دنيا. وقفت لبرهةٍ قبالة الباب ، قبل أن تقوم بطرقه بعنف عدة طرقات متتالية ، أقل ما يمكنُ وصفها بِهِ ، أنها طرقات مثيرة للفزع : 
 – دق دق دق دق .. 
قالت دنيا وهي تهرع نحو الباب : 
 – نعم .. نعم .. من ؟  
ردت شغف : 
 – أنا شغف ، افتحي بسرعة .. 
 فتحت دنيا الباب فزعةً ، وجسمها كله يرتجف قائلة : 
 – شغف .. ما وراءك ؟ قولي ، ما بك ؟ 
 فقالت شغف : 
 – لقد بعثتْني إليك أمي تطلب منك : أن تلبسي ، وتأخذي طفلك، وتأتي في الحال .. سننزح !!..  
    ثم مشت مسرعة دون إبداء أي تفسير ، أو ترك  مجالٍ لدنيا لتتمكن من استيعاب ما قالت ، مما أدخلها في دوامة من الحيرة والقلق والمفاجأة وعدم الفهم. بقيت دنيا مبهوتةً عاجزة عن النطق للحظات قبل أن تفتح شفتيها مستدركةً : 
 –  ماذا ؟!  
  لكن كانت شغف قد غادرت المكان ، فشمرت عن ساقها ، وتبعتها مسرعة إلى الأم زكية؛ لتتبين ماهية الخبر ، قالت : 
 – عمّتاه .. ماذا تقول شغف ؟
قالت الأم زكية : 
 – إلبسي ، وخذي طفلك وهيا لنخرج في الحال ، الحرب في أطراف القرية .. 
قالت دنيا : 
 – لكن  يسري  لم يعد .. 
قالت الأم زكية : 
 – سنتصل به ليلاقينا عند مدخل القرية الشمالي .. أسرعي يا ابنتي .. لا وقتَ لدينا ..  
  انطلقت دنيا إلى غرفتها ، لبست عباءتها ، وعادت حاملة طفلها الذي لم يبلغ الأربعين نهاراً .
  كانت الأم زكية وشغف بانتظارها في كامل الجهوزية والإستعداد ، ليخرجْنَ معاً من البيت ، في موكبٍ منكسر ، مقهور ، وحزينٍ . 
   تغادر ثلاثتهنَّ البيت ، المكان الذي آواهُنَّ ، البيت الذي نشأنَ فيه ، وترعرعْنَ فيه ، وتفيأنَ ظلاله الوارفة ، واستنشقْنَ أكسجينه الدافئ بغبطة. البيت الذي لم يسبق لهن أن فارقْنَهُ ، أو حدَّثْنَ ذواتهنَّ بمغادرتِهِ يوماً. ها هن الآن مجبراتٍ يغادرْنَهُ دون أن يفكرْنَ ، أو يتأهبْنَ ، أو يخططْنَ لذلك. يغادرْنَهُ إلى العراء ، إلى المجهول ، تاركاتٍ وراءهنَّ كل الذكريات الجميلة التي ربطتهنَّ به على امتداد الزمن . 
   ترى ثلاثتهن يمشينَ بخطى متثاقلة ، كأن عاطفةً ما ، تفعل بهن كما يفعل المغناطيس بالحديد ، تجذبهنَّ ، تمسك بهنَّ ، تجرهن للخلف ، تثبط اندفاعتهن المجهولة ، كلما مشينَ بضع خطوات ، تلفَّتْنَ إليه كأنما يلقينَ عليه نظرات الوداع الأخيرة ، وللدمع على خدودهنَّ ألفُ حكايةٍ وحكاية . 
•••• 














ــ 2 ــ 

(( في الطريق إلى خارج القرية )) 

   الطريق الرئيس الممتد من وسط القرية إلى طرفها الشمالي طريقٌ كئيبٌ. الطريق الذي حملَ خطواتهن المتسارعة مارَّاتٍ من أمام المنازل المنتشرةِ على الجانبين ، وأغلبُ تلك المنازل أحادية أو ثنائية الغرف ، والقليل منها رباعية. 
  القرية في حدِّ ذاتها كئيبة ، وقد أصبحت تُرى خاويةً على عروشها بعدما كانت آهلةً بالسكان ، خاليةً من كل شيء يشعرك بالوجود الإنساني المألوف عدا من بعض الأمتعة والأشياء التي لم يسمح الوقتُ بحملها أو اصطحابها. 
   لقد أصبحت غريبةً بالفعل ، مشاهد غير مألوفة من قبل ، كأنها قريةٌ أخرى في مكانٍ ناءٍ بأقصى العالم ، لم تعد تلك التي كانت تعُجُّ بالحياة ، وتنبضُ بالألفة. أصبحت حزينةً ، مخيفةً ، تنذرُ بوجعٍ كبيرٍ قادم. لا شيء يبعثُ على التفاؤل ، ولا شيء يدعو للأمل في البقاء . 
   في الطريقِ ، وأثناء ذلك المسير المحفوفِ بالخوفِ والحزنِ والقهر والإنكسار إلى مصيرٍ مجهول لم تتضحْ معالمُهُ بعْد. كانت الأمُّ زكية تسيرُ في المقدمة بخطى عجولة ، لم تستطع الفتياتُ الأصغر سِنّاً مجاراتِها ، بالرغمِ من سنِّها الذي جاوزَ الخمسينَ ربيعاً، وجسمِها المكتنزِ الممتلئِ إلى حدٍّ ما ، وجسدِها المنهكِ أصلاً من تتابعِ النكباتِ والملمّاتِ ، وتراكمِ المآسي والمواجعِ والأحزان على امتدادِ السنين القاحلة. كانت تسيرُ مسافةً مبتعدةً عنهنَّ ثم تتوقفُ حتى يدركنْها ، وهكذا . 
  تخرج الأمُّ زكية هاتفها النقال لتجري اتصالاً بيسري أكبر أبنائها الأحياء ، بل هو الإبن الوحيد الذي لا يزال على قيد الحياة ، رجل البيت ، والمعيل الوحيد للعائلة .. 
– ألوو .. 
كان يسري على الطرف الآخر ، فأجاب : 
– نعم .. يا أماه .. 
قالت : 
– أين أنت يا ولدي ؟ 
فقال : 
– أنا خارج من السوق ..
  في هذه الأثناء سقطت قذيفة هاون وسط القرية ، على بُعد أمتار من الطريق التي تسير عليها عائلة يسري .. وصل صوت الإنفجار إلى مسمع يسري من خلال سماعة الهاتف ، فقال : 
– أماه .. ما هذا ؟ أماه .... 
قالت : 
– هذا انفجار من القرية ، الحرب وصلت ، نحن في طريقنا للخروج .. 
فقال باستغراب : 
– للخروج ؟!.. إلى أين ؟! 
قالت : 
– لا أدري !.. 
 سحبت نفساً عميقاً ، ثم أردفت : 
– إلى أي مكان آمن .. إلى حيث يذهب أهل القرية .. 
قال : 
– ودنيا .. و ....... 
فقاطعته قائلة : 
– دنيا وطفلها معنا .. لا تقلق .. انتظرنا عند مدخل القرية الشمالي ولا تحاول الدخول للقرية .. أسمعتَ يا ولدي ؟. 
أجاب بإذعان : 
– سمعتُ .. سمعتُ .. 
فقالت وهي تهم بالضغط على زر إنهاء المهاتفة : 
– الله يحفظك يا ولدي .. 
  كان دوي الإنفجارات والأعيرة النارية يزداد مع مرور الوقت ، ويقترب أكثر ، فأكثر. شغف تولول كلما اشتدت وتيرة أصواتِ الإنفجارات. الطفل يبكي ، دنيا تحاول جاهدة إسكاته ..
 قالت دنيا وهي لا زالت تهدهد الطفل :  
– الإنفجارات تقترب يا عمّتي .. 
قالت الأم زكية وهي تتلفت : 
– هيا بناتي أسرعنَ أكثر ، لنخرج من القرية قبل أن يصلوا .. هيا .. هيا .. 
•••• 

















ــ 3 ــ 

(( مدخل القرية الشمالي )) 
 
   كان يسري قد ذهب إلى السوق صباحاً كعادته معظم الأيام ، وهي عادة دَرَجَ عليها أهل القرية والقرى المجاورة أيضاً ، حيث يذهبون ليبتاعوا ما يحتاجونه من حاجيات ومستلزمات المعيشة لأسرهم. كان يسري في طريق العودة ، خارجاً من السوق ، حينما جاءه اتصال والدته ، لذلك أسرع الخطى؛ ليصل عند مدخل القرية الشمالي أولاً ، وعملاً بتوصيات أمه؛ توقف هناك. وإذا به يسمع دوي الإنفجارات وقد وصلت إلى ذروتها ، ويرى دخانها الكثيف يتصاعد في السماء دليلاً على حجم الكارثة التي تقع الآن ، ليصبح صدر القرية ضيقاً حرَجاً ، فيضيق صدره اختناقاً بحزنه وألمه هو الآخر. لكن هذا الحزن والألم لم يجعله ينسى عائلته ، همه الأكبر، وشغله الشاغل في كل وقت ، وأشد ما يكون في هذا الوقت الإستثنائي. يحدث نفسه متسائلاً : أينهم ؟، ما هو مصيرهم الآن؟، هل استطاعوا الخروج ، واجتياز الخطر ؟، أم لا؟. 
  إنه اختبار. ويا له من اختبار صعب !!. 
   أخذ يشوِّطُ المكان جيئةً وذهاباً ، يتطلع بتوتر وقلق. عيناه متسمرتان في الطريق الخارج من القرية. بعد برهةٍ من الإنتظار التي مرّت عليه كساعاتٍ ، بل كأيام ، رأى عائلته قادمة ، تسير بخطى متهالكة ، قد أنهكها الهم ، والتعب ، والقهر ، والفزع؛ فتنفس الصعداء ، ثم هرولَ نحوهم؛ ليساعدَهم في حمل بعض المتاع قائلاً : 
 – هيا ... هيا ..
 ثم أردف : 
 – أأنتم وحدكم ؟! 
 قالت دنيا : 
 – يبدو أننا آخر من يخرج ، بل آخر المنضمين للقافلة .
توقفت شغف ثم قالت : 
 – أنا تعبتُ ..  
 قالت دنيا : 
 – وأنا أيضاً .. 
   قال يسري وقد خفق أيسرُهُ إشفاقاً عليهن ، إلا أن خوفه من أن يصبْنَ بأذى كان أكبر من إشفاقِه :  
 – هيا بنا .. لا نستطيعُ التوقفَ هنا ، لم يعد هذا المكان آمناً ، يجبُ أن تستحملْنَ حتى نصلَ إلى سفح الجبل بعيداً عن مرمى الأعيرةِ النارية .
    مشى الجميع عبر طريقٍ صخريةٍ سفح الجبل متجهين إلى الجهة الأخرى حيث لا تصل إليهم أو تدركهم آلات الحرب الفتاكة القاتلة التي لا ترحم صغيراً لم يعرف الحرب وطرقها وتبعاتها بعد، ولا كبيراً أنهكته ظروف الأزمنة القاحلة فلم يعدْ يهتدي لعكازِه التي يتوكأ عليها ناهيك عن معمعة الحرب وأساليبها القذرة في أغلب الأحيان . 
    إنها الحرب ما حلت ببلد إلا دمرته ، ولا مرت بأرضٍ خضراء إلا صيَّرتها جرداء ، ولا دخلت قرية إلا جعلتها حطاماً ، ولا مدينة إلا حولتها أشباحاً . 
    الحربُ إخطبوطٌ همجيٌّ يمدُّ أذرعَهُ الكثيرةَ في كل الإتجاهاتِ ، تلتهمُ كلَّ شيءٍ ، تصطادُ فرائسَها وجُلُّهم من الأبرياءِ ، من معدومي الحيلةِ ، الذين لا ناقةَ لهم ولا جَمَل . 
    إذا مررتَ يوماً بركام ، أو بقايا حطام ، أو وجدتَ بلاداً قد هُدِّمَتْ ، وأرضاً خاويةً على عروشها؛ فاعلم أن حرباً شعواء قد مرت من هناك . 
   وإذا رأيتَ جمال الطبيعة مشوَّهاً ، وجسد الحضارة كقدح مهشم الحواف؛ فاعلم أن حرباً عمياء مرت من هناك . 
   وإذا وجدتَ أمةً منكوبة ، مشردة ، تتوسّدُ الرمضاءَ ، وتلتحفُ السماءَ ، وتعيشُ على هامش الحياة ، في الشتات؛ فاعلم أن حرباً جائرة مرت من هناك . 
  وحدها الحربُ التي بإمكانِها أن تجعلَنا نحتسي الليلَ حسرةً وغربة .. 
  وحدها من تستطيعُ أن تجعلَنا نسير بلا هوية ، ودون وجهةٍ ، نتسكعُ في مجاهلِ الغربةِ ، ونصطلي برمضاءِ التشظيِ. تشيبُ أحلامُنا في أروقةِ التيه ، وتُكسرُ أرجلُنا في طوافٍ طويلٍ حول دائرةٍ مفرغةٍ من المناوراتِ اليائسةِ والبائسة أيضاً. نبحثُ عن ملجأٍ لنهربَ إليهِ من بيوتِنا الدافئة وأرضِنا التي عجنَّا طينَها بعرقِنا ودموعِنا ، ونستميتُ في الدفاعِ عنها. 
   لسنا كباراً بما يكفي لأن نجدَ ثقباً يمكنُنا من خلالِهِ أن نتسلّلَ متسرّبينَ إلى متنفسٍ من الضوءِ ، ولسنا صغاراً إلى الحدِّ الذي يجعلُنا نتعاملُ معها كلعبةٍ يمكنُها أن تنسينا ، أو تلهينا عن التزاماتنا أو واجبَاتِنا المدرسية. 
  وحدها الحربُ باستطاعتها أن تخيفَنا من الحياةِ بقدر ما تخيفُنا من الموتِ ..! 
•••• 














ــ 4 ــ 

  " الموتُ لا يُوجعُ الموتى ، الموتُ يُوجعُ الأحياءْ "      
- محمود درويش       

..... خارج القرية ......

  كانت لا تزال أصوات المدافع والقذائف والأعيرة النارية المختلفة تدوي ملء الفضاء ، يتناهى دويها إلى مسامعهم ، يهز الأرض من تحت أقدامهم، وهم يشقون طريقهم الوعر بين الصخور المنتشرة على امتداد الجبل. الكل يودُّ العبورَ إلى الجهة الأخرى ، الجهة الأكثر أماناً ، حيث تخفُتُ أصوات الحرب ، وتخبو ثورتُها التي أقضت سكينتهم وهدوءهم وأمنهم ، وانتزعتهم من منازلهم بغتة دون سابق إنذار. يسيرون في ذهول فظيع ، كأنهم إلى الآن لم يستوعبوا الفاجعة. لم يستوعبوا الحدث البغتة. 
   أهكذا بكل بساطة يغادرون ؟!، تاركين وراءهم بيوتاً ألفوها وتشرَّبوا حبَّها ، وأرضاً عجنت في دمائهم ؟. 
    كأنَّما كان عيشهم - في السابق - حلماً جميلاً ، وقد صحوا - الآن - على فاجعة مدوية تعلو على الوصف ، وتفوق كل احتمال. 
((  مكان بعيد  وسط الجبل )) 
  
 في الجهة الأخرى من الجبل ، في مكان يبدو أنه بعيد إلى حدٍّ ما عن متناول الأعيرة النارية. جلست شغف قائلة : 
– آه .. أنا تعبتُ ، لم أعد قادرة.
  تأوهت دنيا أيضاً من التعب ، وجلست هي الأخرى جوارها. ثم تبعتهما الأم زكية متأوهة ، متنهدة. 
فقال يسري : 
– إذن .. لنأخذ قسطاً من الراحة هنا ، ومن ثَمَّ نتابع سيرنا. 
  أخذ كلٌّ منهم يسندُ ظهرَهُ إلى صخرةٍ من صخور المكان. بعد برهة من التقاط الأنفاسِ ، تحاول دنيا أن تخرج طفلها من بين البطانيات والأقمشة التي لفَّتْها حوله؛ خوفاً من البرد حيث كان الجو ما زال شاتياً. تفتشُ ، تبحثُ ، تصرخُ : 
– « طفلي ... » 
  ينتبه الجميع على وقع صرختها مفزوعين ، مذعورين ، فاغرين أفواههم بصوت واحد : 
– « ماذا ؟؟ » 
 تنثر الأقمشة والبطانيات بهستيرية : 
– « أين طفلي ؟ » 
 ينتفض يسري ، ينضم إليها ، ينثر الأقمشة واحداً واحداً : 
– « لا شيءَ .. » 
انهارت دنيا : 
– « ولدي .. طفلي .. حبيبي ..» 
 الأم زكية وشغف تتسمران مكانهما في ذهول فظيع ، متخشبتينِ كتمثالينِ ، جامدتينِ لا حراك لهما ، كأنما وقعَتا تحت تأثير مخدر ، أو استسلمَتا لقوة من قوى التنويم المغناطيسية. يقول يسري في محاولة منه لإنقاذ الموقف ، وبعث بعض الأمل لدى دنيا موجهاً إليها الخطاب : 
– لعله سقط منكِ في مكانٍ ما أثناء السير ..
  سكت قليلاً كمن يحاول أن يستجمع أفكارَهُ ، ثم استأنف : 
– أو ... « تنهّد » : أو لعله انزلق من بين الأقمشة دون أن تشعري بذلك. سأعود لأبحث عنه. 
  نهض يسري واقفاً بعد جملته الأخيرة تلك ، وانطلق مباشرة في عملية البحث ، عائداً من نفس الطريق الذي سلكوه سفح الجبل عند مجيئهم ، ثم تبعتْه دنيا . 

  لم يذهبا بعيداً في عملية البحث. فعلى بُعدِ عشرات الأمتار من المكان الذي كانوا قد جلسوا فيه بغرض الإستراحة. كان الطفل مستلقياً بهدوء لا سابق له في مكان على الطريق الجبلي الذي كانوا قد مروا به ذهاباً. يلتقطه يسري بفرح :  
– هذا هو .. 
ثم التفتَ ناحية دنيا التي كانت خلفه، تلهث ، قالت : 
– أوجدتَهُ ؟.. أينَ هو ؟.. طفلي حبيبي .. هاتِه .. 
  خطفته بسرعة ، دون انتظار ، أو تمهّل ، من بين يدي يسري ، وضمّتهُ إلى صدرها بلهفة. كأنما التقت بروحها ، نسيت التعب ، والخوف ، والجزع، والفزع ، والذعر ، وكل شيء ، وذهبت في غيبوبة من المرح ، والنشوة ، لم يوقظها إلا صوت يسري الذي كأنما أعادها إلى صوابها قائلاً : 
– لكنه لا يتحرك !!.. هل هو نائم ؟؟.
  انتبهت دنيا على وقع هذه العبارة التي وقعت منها موقعاً عميقاً، فاندفعت بسرعة خاطفة. كأن كهرباءَ جسّت روحها ، أو استشرت في جسدها : تتحسس الطفل ، تضع يدها على صدرِهِ ، تتحسس نبضات قلبِه ، تتحسس أنفاسَه ، تمرر يدها على كل أجزاء جسمه ، من أخمص قدميه إلى أن تصل إلى مفرق جمجمتِه ، وهناك تغرق يدها بسائلٍ متخثّر أبيض لزج : 
– يا إلهي .. ما هذا ؟ .. أغثْني يا يسري ..
 صار يسري ينظر بتمعن إلى جمجمة الطفل ، يتفحصها ، ثم قال : 
– يا إلهي .. لقد انكسرَ رأسُهُ وهذا السائل الأبيض ، أظنه دماغُه .. 
صرخت دنيا : 
– واا حسرتااااه .. لا .. لا ..
 ومرة أخرى وفي حالة من عدم التصديق ، يحاول يسري أن يجد خيطاً من أمل ، يتحسس الطفل بدقة ، لكن النتيجة لم تتغير ، فيحشرج قائلاً : 
– لقد مات !.
  وما إن سمعت دنيا خبر الموت حتى أغمي عليها ، ودخلت في غيبوبة أخرى من اللاوعي. فيتلقفها يسري ، يمسك بها مفزوعاً ، يحركها ، يحاول إيقاظها ، يحتضنها ، يصرخ : 
– دنيا .. دنيا .. انهضي يا حبيبتي .. هيا افتحي عينيكِ أرجوكِ .. لا .. لا تتركيني .. لا أريد أن أخسركما معاً .
في هذه الاثناء الأم زكية وشغف تصلان. تقول الأم زكية :
– يسري .. يسري .. ماذا يجري ؟.. هل وجدتموه ؟ 
قال : 
– لقد مات .. و .. دنيا .. دنيا ( بحشرجة ) ... 
قالت الأم زكية مقاطعة : 
– و دنيا .. ما بها دنيا ؟ 
قال : 
– لم تعد تتحرك ، ولا تكلمني .. 
جلست الأم زكية تتحسس نبض دنيا ، ثم قالت : 
– إنها ما زالت على قيد الحياة ، لكنها فاقدةٌ للوعي ... هاتِ يا شغف. 
  أخذت قنينة الماء من يد شغف ، ثم ملأت كفها وراحت تمسح بها وجه دنيا وتفرك براحتها جبينها وتكرر ذلك ، ومع كل مسحةٍ تحاول إيقاظَها ، مناديةً : 
– دنيا .. دنيا .. 
وحين استعادت دنيا وعيَها ، بعد تكرار المحاولات ، ردّت بصوتٍ غائبٍ ضعيف : 
– هااااا طفلي 
وما إن تحركت شفتاها حتى اندفع يسري : 
– دنيا، .. دنيا، .. قومي حبيبتي .. أرجوك لا تتركيني .. 
فقالت دنيا وهي لا زالت في نصف غيبوبة ، تهذي بلا وعي : 
– طفلي ... هذا طفلي ..
   طفلي لم يمتْ .. أليس كذلك يا يسري ؟ 
   طفلي لم يمتْ .. أليس كذلك يا عمتي ؟ 
   طفلي لم يمتْ .. أليس كذلك يا شغف ؟ 
   طفلي لم يمتْ .. لم يمتْ .. مستحيل .. ثم ضمَّتْهُ بحنوٍّ إلى صدرها ..
فردت الأم زكية وهي تحاول جاهدة أن تبدو أكثر تماسكاً ، بكل ما تمتلك من رباطة جأش :
– لا بأسَ يا ابنتي .. تعالي .. هاتِ الولد أنا سأحملُهُ ..
 ثم توجهت إلى يسري : 
– وأنت يا يسري ساعدها؛ لتنهض ، وساندها؛ لتمشي ، هيا بنا .
  عادوا جميعاً إلى حيث أمتعتهم ، ومن ثم واصلوا المسير في طريق الضياع ، تائهين ، مطأطئين رؤوسهم ، مثقلين بالهموم والأسى ، متعبين ، هائمين على وجوههم ، لا يلوون على شيء ، حتى وصلوا إلى قرية أخرى بعيدة عن الحرب ، والجميع بادٍ عليهم الإجهاد والحزن الشديد .
 •••• 


ــ 5 ــ 

.... قرية (س) ....

  قرية (س)، قريةٌ تقع في الجهة الأخرى أسفل الجبل ، وهي قرية صغيرة بسيطة ، إذ ليس فيها كثير مما يُرى سوى مسجدها الناصع البياض الذي يتوسطها ، والمنازل ثنائية الغرف التي يقطن فيها السكان. يخرج سكانها لاستقبال النازحين ، يفتحون أبواب بيوتهم وصدورهم لهم ، وبكل نبل وشهامة يقومون بتقديم واجب الضيافة والمواساة ، يخرجون هم وعائلاتهم ويدخلونهم مكانهم ، يشعرونهم أنما خرجوا من بيوتهم إلى بيوتهم ، ومن ديارهم إلى ديارهم الثانية. ولسان حالهم قول الشاعر : 
 « يا ضيفنا  لو جئتَنا  لوجدتَنا  ••••  نحن الضيوف، وأنت ربُّ المنزلِ » 
 أبو راضي وهو أحد سكان القرية ، وزوجته أم راضي وابنه راضي ذو العاشرة من العمر ، يستقبلون عائلة يسري هاشين باشين : 
– أهلاً وسهلاً بأخوتنا .. تفضلوا .. 
  يدخلونهم إلى فناء البيت ، أم راضي تأخذ النسوة، وتدخلهن لغرفتها ، وراضي يقدم الماء والشراب والطعام للضيف. 
 التفت أبو راضي ناحية يسري وقال :  
 – ماذا بك ؟ تبدو حزيناً جداً يا أخي، أرجوك ، لا تهتم ولا تحزن .. البيتُ بيتُك .. ونحن أهلك وعشيرتك .. 
قال يسري : 
– أكرمك الله يا أخي .. اطمئن .. 
 ثم أضاف مستدركاً : 
– أقصد ليس هذا ما يحزنني. 
  وأفلتت دمعةٌ من عينِه دون أن تأخذَ إذناً منه في هبوطها الإضطراري على وجنتِهِ المتغضّنة الذابلة من هولِ الفاجعة . 
قال أبو راضي : 
– إذن .. ما الذي يحزنك ؟ أخبرني أرجوك ..
 حكى له يسري الحادثة كاملة ، فطأطأ أبو راضي رأسه ، ثم قال:  
– لا حول ولا قوة إلا بالله .. عظم الله أجرك وعوّضك خيراً .. 
قال يسري : 
– الحمد لله رب العالمين  .. 
 ثم أردف : 
–  لكن ... 
وسكت ، فقال أبو راضي : 
–  لكن ماذا ؟ ..
قال يسري : 
– الطفل معنا .. ونريد أن ندفنه و .... 
فقاطعه أبو راضي : 
– فهمت .. لا تقلق .. سأتدبر الأمر .. سأطلب منهم يجهزونَ الطفل في الداخل غسلاً وتكفيناً .. وسآخذ بعض الأخوة ، ونذهب لتجهيز القبر .. 
قال يسري : 
– جزاكم الله خيراً .. 
ثم أردف : 
– وأنا سآتي معكم لأساعدكم ..   
قال أبو راضي : 
– لا يا أخي .. أنت متعبٌ ويجبُ أن ترتاحَ الآن ، وستشارك في الصلاة والدفن لاحقاً .. 
  بعد التجهيز ..  
  عاد أبو راضي إلى البيت ، فاصطحب يسري ، وأخذا الطفل معاً وذهبا به إلى المصلى. وانضم إليهما الباقون .. أدّوا الصلاة جميعاً ، ثم أكملوا مراسيم الدفن . 
•••• 





ــ 6 ــ 
  (( بعد الدفن )) 

   بعد العودة من المقبرة ، أتى الجميع لمواساةِ يسري ، وتقديمِ واجب العزاء ، ويسري يبكي بصمت. وأبو راضي يطمئنه ويربت على كتفه قائلاً :  
– لقد اصطفاه الله في هذا العمر ليكون لك ذخراً وشافعاً يوم القيامة .. فاصبر واحتسب. 
فقال يسري بصوت متهدج وعيناه ملأى بالدموع : 
– الحمد لله .. 
قال أبو راضي : 
– تجلدْ يا أخي .. أنت رجل .. لا يجب أن تُرى هكذا حزيناً .. 
ثم أضاف : 
– أنت سند العائلة ومصدر قوتها ، فلا تضعفْ. يجب أن تتحلى برباطة جأشٍ وجَلَدٍ ، أن تكون مصدر طمأنةٍ ونبراس صبرٍ لأهلك وذويك ..
 عندئذٍ مسح يسري دموعه ، وأنشد : 

     سأعترفُ الآنَ أنّي انحنيتُ 
     لمرأى الفقيدِ الصغيرِ الموارى بأحبابِهِ ، 
     لمرأى الفقيدِ .. لأنّي أخافُ من السيرِ 
     خلف الجنازةِ ، أو من طريقٍ إلى المقبرةْ .. 
  *** 
      سأعترفُ الآن أني أخافُ من الصيفِ ؛ والبرد، 
      من عطشِ البحرِ ، من وردةٍ في سريرِ الغيابِ، 
       ومن شجرِ الأغنياتِ الموَشاةِ بالأملِ المستترْ .. 
  *** 
        وأعترفُ الآنَ أنّي 
        أخافُ من الخوفِ ، 
        من مشيتي  عارياً في الظلامِ .. 
        ومن وقفتي يابساً في ضلوعِ المكانِ 
        ووجهي كبيتِ الفقير ..
  *** 
         وأنّي أخافُ من الموتِ حين يجيءُ كأنثى ، 
         الزغاريدُ في دمِها تستثيرُ النساءَ 
         فيأتينَ ينثرْنَ آلامهنَّ على بابِ قلبي ، 
         ويرحلْنَ من آخرِ القافيةْ .. 
 ••••• 
  هكذا تكون ثمار الحرب وتبعاتها - يا صاحبي - حين تدب حافية من الضمير ، عارية من الرحمة والإنسانية ، عمياء لا تفرق بين أحد لا صغير ولا كبير ، ولا رجل ولا امرأة ، صماء لا إحساس لها ، بكماء إلا من دوي الموت الصارخ في كل ناحية وفي كل آن.
  حين تجيء بريحتها النتنة ، بوجهها الكالح البشع القبيح ، تزحف كتنين مفترس ، تكشر عن أنيابها ، تنقض على فرائسها بلا هوادة ، تلتهم القرية تلو القرية ، والمدينة تلو المدينة ، دون أن تشبع أو تكتفي. 
   تحبل ولا تلد إلا الموت ، والخوف ، والضياع ، والتشرد ، والألم ، والجراح الغائرة في ضلوع الزمن والإنسانية.

****















 القسم الثاني : 


(( في مخيم النازحين )) 












 (( أتساءَلُ هل سيرمِّمُ الزمانُ ما خلّفَتْهُ أو تخلِّفُهُ كلُّ هذه الحروبِ والدماء ؟؟ هل سنعيدُ طفولةً ضاعت إلى أطفالِنا ؟ وحتى نحن أنفسنا هل سنستطيعُ أنْ نخلصَ من كل ما خلّفَتْهُ بنفوسِنا الحروبُ من خوفٍ وعزلةٍ ودمار؟؟ )) 
- واسيني الأعرج       
••• 

(( معظم مآسي العالم وبؤس الشعوب مصدرها الحروب ولا يعلم أحد سبب اندلاعها ، ولا على ماذا يتقاتلون؟ ))
 - مارغريت ميتشل     







••••• 
   اليوم الأوّل ليسري في الشتاتِ كانَ أشبهَ بالكابوس ، كلُّ لحظةٍ تمرُّ عليه كأنها دهرٌ بما تحملُهُ من صدماتٍ ومفاجآت. لقد انتُزعَ فجأةً من قلبِ بيتِهِ الهادئ الوديع ، وألقيَ بِهِ في أتونِ خيمةٍ قصيةٍ في العراء. تركَ الحياةَ الهانئةَ المكتظة بالطمأنينةِ ، وراحةِ البال ، والعملِ ، والأمل ، إلى حياةٍ لا سلامَ فيها ولا راحة ، ولا إحساسَ بالأمانِ والطمأنينةِ ولو لبضعِ لحظات يسيرة. 

   الليلةَ الأولى قضاها مستغرقاً في همومِهِ ، لم تكتحلْ عيناهُ بالنومِ ، يسامرُ النجومَ المسافرةَ خلالَ السماءِ ، منذُ أنْ تقَيَّأَها الشرقُ ، إلى أن ابتلَعَها الغربُ نجمةً تلوَ أخرى ، ولم يغربْ لَهُ همٌّ ، ولم تشرقْ في ذاتِهِ سكينة. 
   لطالما كانت الذكرياتُ نقاط تفتيش صارمة وحازمة ، لا تسمح بعبور الفرح ، وتعتقل كل نبض لمجرد الشك أن عابر بسمة تسلل ذات غفلة من شرطي الكآبة المتمترس على تلال الشعور. 
   تلك الذكرياتُ الأليمةُ لكل تلك الأحداثِ والمآسي التي عاشها قبلاً والتي كانت مكبوتةً بذاكرتِهِ من سنوات ، انهالت عليه تباعاً في هذه الليلة ، كما لو أنَّهُ في حَلْبَةِ سباقٍ كثيرِ التعرجاتِ والمنعطفاتِ ( منعطفات بعدد تلك المآسي ) ، لكنه بمجرّدِ اجتيازِهِ أوّلَ المنعطفات أحسَّ باختلالٍ في التوازن ، وصارَ يتأرجحُ ، وبدأَ شيئاً فشيئاً يفقدُ السيطرة ، فلم يعدْ باستطاعتِهِ التحكُّمَ بمقْوَدِ مشاعرِهِ ، ولا بإمكانِهِ فرملةَ انفعالاتِه ، فانزلقَ مباشرةً عند دخولِهِ ثاني المنعطفات إلى بحيرةِ الوجعِ والدموعِ باكياً ، محطّماً. لقد اكتشفَ للتوِّ أنَّهُ لم يكنْ سائقاً بارعاً في مضمارِ الذكرياتِ الأليمة. 
  الليلةُ تلك ليلةٌ طويلةٌ ممتدّةٌ إلى مالانهاية ، ظلامٌ ضاربً في السوادِ تحت النجوم الساهرة ، حالكٌ وراسخٌ. والهمُّ كائنٌ ليليُّ لأنَّهُ هَمٌّ أسْوَدُ كالحُ السحنةِ ، هَمٌّ كثيفٌ وثقيلٌ. إنَّهُ ابنُ الليلِ ، يعشقُ الظلامَ كطائرِ الوطواطِ يقتحمُ شرفاتِ الصدرِ متوَلِّجاً ، أو يتسرَّبُ من خلالِ ثقوبٍ أو شقوقٍ أحْدَثَها الألمُ في جدارِ الروحِ ذات أسى دون استئذان ، ليقضَّ المضجعَ ، ويسرقَ النومَ من العيونِ ، ويغمسَ القلقَ في كؤوسِ السكينة. 
  إنها ليلةٌ في طولِها وقسوتِها تشبِهُ ليلَ النابغة الذبياني ، الذي وصفَهُ في مطلع إحدى قصائده الشهيرةِ قائلاً : 

 ( كليني لهَمٍّ - يا أُمَيمةُ - ناصِبِ 
               وليلٍ  أقاسيهِ  بطيءِ  الكواكبِ 
 تَطاولَ حتى قلْتُ ليس بمنقضٍ 
              وليس الذي يرعى النجومَ بآيبِ 
 وصدرٍ أراحَ   الليلُ  عازِبَ هَمِّهِ 
            تضاعفَ فيهِ الحزنُ من كلِّ جانبِ) 

 حقاً كانت ليلةً قاسيةً موحشةً بكل تفاصيلها ، فلا نومَ يأتي ، ولا قلبَ يهدأ ، ولا عقلَ يكفُّ عن التفكير .
•••• 


ــ 7 ــ  

(( داخل خيمة في المخيم )) 

    استيقظت دنيا باكراً قبل طلوع الصباح. وقد كان يسري صاحياً فهو لم يستطعْ النوم ، وكان يشعرُ بوهنٍ وتعبٍ في كامل جسدِهِ وروحِه بسبب الهمِّ والتفكير الملازم ومجافاة النوم. شاحبةٌ ملامحُهُ ، مرهقٌ جسدُهُ ، يوشوشُ نفسَهُ كأنه خيالٌ مشَوَّشٌ ، ضجيجٌ يصطخبُ في جوفِهِ ، هدَّ حيلَهُ ، وأضنى حيلتَه، وسلبَهُ ابتسامتَهُ عمداً ، وتركَهُ في العراءِ يحاولُ لملمةَ ما تبقّى منه علَّهُ يرتوي ، فيستعيد عافيتَهُ الذهنية . 
   كان قد بارحَ بساطَهُ وجلسَ في جانبٍ من جوانبِ خيمته التي نصبت بالطرف الجنوبي للمخيمِ. إنه في كاملِ وعيِهِ - كما يبدو - رغم آثار التعبِ والإرهاقِ والقلقِ الظاهرة على ملامحه . 
  رنَّ تليفون يسري وهو ساهم في التفكير ، وقد وضعَ يده اليسرى تحت خده الأيسر ، مطرقاً داخل الخيمة. قامت دنيا: أخذت التليفون وناولتْه إياه. أمسك يسري التليفون بيده اليمنى ، بينما اليد اليسرى لا زالت تسند خده. وهو يهجس: من الذي يتصل بي الآن ؟، من يا تُرى ؟. ثم يلقي نظرة على شاشة التليفون؛ للتعرف على هوية المتصل. يااااه !!.. إنه "نصري" ابن الجيران ، صديق الطفولة والأيام الخوالي. نعم، هو نصري لا سواه ، هو الوحيد الذي يسأل عني ، برغم انتقاله وإقامته بالمدينة منذ سنوات ، لكنه لا يزال يحاول الإطمئنانَ علي بين الحين والآخر ، نعم هو فقط. وهل كنتُ سأنتظر غيره مثلاً ؟. لا أدري كيف نسيتُ ؟!. وكيف غاب هذا عن بالي ؟. وبخفة ضغط زر الإستقبال مستبشراً مرحباً :
– يا ألف أهلاً وسهلاً 
كان نصري على الطرف الآخر ، فقال محيياً : 
– السلام عليكم .. 
رد يسري : 
– وعليكم السلام والرحمة ..
ثم أردف : 
– سبحان الله .. أتعلمُ ؟  كنت أفكر  بك للتو !! 
ضحك نصري ضحكة خفيفة ، ثم قال : 
– القلوب عند بعضها يا صديقي، المهم ، أين أنت؟ 
قال يسري : 
– أنا في المخيم كالعادة .. 
قال نصري : 
– ما أخبارك ؟ ..
رد يسري : 
– الحمد لله على كل حال ! 
قال نصري : 
– وكيف المخيم ؟ 
قال يسري : 
– سجنٌ مفتوحٌ 
قال نصري مستغرباً : 
– سجنٌ مفتوحٌ ؟ .. كيف ؟! 
فقال يسري : 
– لأنك هنا تعيش في جوٍّ من البطالة ، عاطلاً إلا من الملل ، لا تجد عملاً يشغلك ، تحاول نسيان همومك بلقاء الأصدقاء والجيران ، فتجدهم لا يستنشقون إلا المعاناةُ ، ولا يزفرون إلا الألم .. فتعود مثقلاً بهمومٍ أخرى أشد فوق همومك .. 
ثم أضاف : 
  الحياة هنا - يا صديقي - صعبةٌ جداً ، مريرة جداً. هنا لا صوت يعلو فوق صوت المعاناة. لا شيء يعلو على الخوف. الخوف من كل شيء : من الحاضر الذي يخنقُنا جاثياً على صدورنا ، من المستقبل ذلك المجهول الذي ينتظرُنا ، من الحرب التي تحيط بنا من كل الجهات ، من الموت الذي يغازلنا في كل وقت ، بل من الحياة نفسها .. كل شيءٍ هنا بؤسٌ باذخ .. باختصار يا صديقي .. نحن هنا نعيش على هامش الحياة .. 
قال نصري : 
– والمساعدات الإغاثية والإعانات ... 
قال يسري : 
– لا تصل ... وإن وصلت لا تسدُّ الرمق .. 
فقال نصري : 
– حسبنا الله ونعم الوكيل .. صبراً جميلاً يا أخي ، فبعد العسر  يسرٌ لا محالة ..  وعلى العموم .. هل تحتاج شيئاً ؟ قل ولا تخجل رجاءً .. 
قال يسري : 
– نعم .. أحتاجك أن تساعدني في الحصول على فرصة عمل إن أمكن .. 
قال نصري : 
–  سأحاول إن شاء الله .. وسأبلغك .. 
قال يسري : 
–  وأنا سأكون في انتظارك .. 
فقال نصري : 
– والآنَ .. أستأذنك ... إلى لقاء ..
رد يسري : 
– إلى لقاء  .. 
  ثم وضع التليفون ونادى على دنيا التي كانت قد خرجت أثناء استغراقه في المكالمة ، فردت عليه أمه زكية : 
–  نعم .. يا ولدي .. ماذا تريد ؟ 
قال : 
–  أمي .. أين دنيا ؟ 
قالت : 
– دنيا وشغف ذهبَتا لجلب الماء ..
قال : 
– من أين ؟ 
قالت : 
– من بئر الوادي .. لأن البئر القريبة شحَّ ماؤها .. 
  كان واضحاً أن كل كلمةٍ من كلماتها تزخرُ بانفعال قوي وتأثر عميق. ولم يملك هو أيضاً حين استمع إليها أن يمسكَ عن إظهار بعض العواطف التي هزت نفسه. فإذا رأسُهُ يطأطئ ، وإذا شفتاه تنقبضان قليلاً ، وإذا صوتُهُ يخبو حدَّ الهمس ، وإذا لسانُهُ تُفلتُ منه هذه العبارة على غير إرادةٍ منه متمتماً متحسراً :   
– متى ستنتهي هذه المعاناة يا رب ؟ 
قالت : 
– ماذا قلتَ ؟ 
قال : 
– كان اللهُ في عونهنَّ .. 
••••••

 

ــ 8 ــ 

(( بعد أيام .. وعائلة يسري مجتمعة في خيمتهم )) 

 الأم زكية (أم يسري) ترنو إلى يسري ، تحدّقُ فيه ملياً ، وهو منهمك في تفكيره ، غارق في شروده الفظيع ، فسألته :  
– مالي أراك سارحاً ، شارد الذهن ؟!.. لم أرَكَ هكذا متغيراً من قبل ، بماذا تفكر يا ولدي ؟ 
 ويسري ممتلئ بشروده حتى النخاع ، يحملق في الفراغ الممتد أمامه ، كأنه في عالم آخر ، فنادتْه أخرى بصوت مرتفع  ملوحةً بيدها أمام وجهه : 
– يسري .. يسري ..
عندئذ فز يسري منتبهاً من شروده : 
– هااااه .. 
قالت : 
– ما بك ؟ .. ما الذي يشغل بالك ؟ 
قال : 
– هااااه ..  لا شيء .. لا شيء .. 
قالت : 
– لا تحاول .. لستُ غبية .. إنني إلاحظك منذ أيام وأنت بهكذا حال .. هيا قل لي بمَ تفكر ؟ 
قال : 
– بصراحة .. لقد مللتُ من الجلوس هنا حبيساً .. الوضع كل يوم يزدادُ سوءاً .. يجب أن أجد عملاً ما، يساعدنا في اجتياز هذه المحنة . 
أثار هذا الجواب فضول دنيا فسألت : 
– عمل ؟! وأين ستجد عملاً والإقتتالُ في كل اتجاه ؟ 
قال بنبرة الواثق : 
– سأجد .. 
قالت : 
– أين ؟ .. 
قال : 
– الجبهة .. 
قالت بدهشة كبيرة : 
– الجبهة ؟! .. ماذا ؟!  ماذا تقول ؟!! 
 فقال والجميع من حوله فاغرون أفواههم ، قد كست ملامحهم الدهشة والإنزعاج : 
– ما بالكم ؟ الأمر بسيط .. سأنضم للجبهة وأحصل على راتب شهري يساعدنا في أمور المعيشة .. 
 غطت دنيا وجهها بيديها ، بينما صرخت أمه في وجهه بتجهم : 
– لا .. مستحيل أن أسمح لك بذلك .. إنني أفضل أن نموتَ جوعاً على أن تذهب للجبهة .. أتفهم ؟ 
قال بتعجب : 
– ولماذا يا أمي ؟ 
قالت بحزن : 
– قبل تسع سنوات فقدنا أباك ( مهيوب ) في الحرب ، وقبلها أخاك الأكبر ( عبدون ) الذي ذهب ولم يعد ومن حينها ونحن لا نعرف عنه شيئاً .. ولا ندري أحيٌّ هو ؟، أم ميت ؟.. والآن - كما ترى - لم يبقَ لدينا إلا أنت .. وإننا لسنا مستعدين أن نخسرك .. 
ثم أردفت : 
  أنت يا يسري ما تبقّى لنا في هذه الدنيا ، أنت الذي نستند عليه ، ونحتمي به. أنت العصا التي نتوكأ عليها ، ونهش بها على آلامنا وأحزاننا ، ونمدها كي نتناول أحلامنا ، ونتقوّى بها في عبور مجاهل الحياة. 
قال وقد أخفض رأسه إذعاناً : 
– لكن .. لا خيار أمامي .. 
قالت : 
– لا نريد شيئاً .. انسَ ذلك .. ولا تفكر في شيء .. هي أيام وستنتهي الحرب وسنعود لبيتنا وحياتنا .. 
قال في سره :
– سنعود ؟!! .. 
  إنني موقنٌ حقَّ اليقين - يا أمي - أن لا شيء يعودُ كما كان ، لا شيء يبقى على حاله. إنني أشعر بأن أملاً قد تحطّمَ في صدري ، وانطفأ للأبد. بيوت المسرة التي كانت تقينا من الحزن هدمت ، ومأوانا الذي كنا نشرئبُّ نحوه اندثر ، تأسرنا المعاناة ، وتتحرر منا عَبَراتُنا ، ونبقى في منتصفِ الضياعِ مقطوعين ، كأننا لم نكنْ يوماً سعداء في تربتنا وديارنا . 
  ساد الصمت ، والحزن معاً ، وخيَّما على الجميع . 
  كيف لا ؟، وقد اندلق سيل الذكريات الذي جرفهم إلى مكان سحيق من الألم. 
  وكيف لا أيضاً؟، وقد نُكِأَ الجرح الذي لم يندمل بعْدُ. 
  تطاول الصمت ، وشيئاً فشيئاً تحوّل إلى صمتٍ كثيف مثل ضباب الصباح ، صمت كثيف وراسخ. فسكون والدة يسري المثقل بالجراح والعناء ، وسكونه هو أيضاً ، كانا - بلا ريب - يثقلان هذا الصمت ، ويحولانه إلى رصاصٍ يخترقُ الصدور ، وجراحٍ عميقةٍ تُعَلَّقُ على مشجبِ الذاكرة. 
•••• 






ــ 9 ــ 
 قصة فقْد ( 1 ) 

  "مرهقٌ هو الوداعُ ، مرهقٌ حينَ يأتي على شكلِ ورقةِ نَعْي "  
- أدهم شرقاوي   
 مهيوب (أبو يسري) ..
  مسؤول عمليات الدعم والإسناد ، ثم قائد كتيبةٍ تعرف بكتيبة التدخل السريع في المنطقة العسكرية الخامسة برتبة عقيد. 
  يعتبر واحداً من أهم القادة ، وذراعاً من أكبر أذرع ﺍلجيش الذين كان يعتمد عليهم آنذاك ، والذين كانت تُوكَل إليهم أصعب المهام. 
  إنه رجلٌ أربعيني حادُّ الطباعِ وجريءٌ ، لكن جرأتهُ تلك لم تكنْ عن جنونٍ أو لامبالاة ، بل كانت عن حَذقٍ وحكمة.  
  التحق مهيوب بالجيش منذ سنوات ، عمل مساعداً ، ثم ترقى في السلك العسكري ، ونال عدداً من الرتب ، وتولى عدداً من المهام.
  لقد كان واحداً من مقاتلي القبائل البواسل الذين شاركوا في الحروب التي اندلعت بين الدولة ممثلة بالجيش وأبناء القبائل من جهة ، والحوثيين من جهة أخرى.
  كان مقاتلاً من طراز نادر ، لفت انتباه قادة الجيش ، فضموه إليهم ، ومنحوه رتبة عسكرية ، وموقعاً قيادياً ، وظل واحداً من أشجع الجنود ، وأكثرهم بطولة ، وأشدهم قتاليةً. 

   في وقت قياسي وقصير جداً أصبح مهيوب أيقونة للبسالة والشجاعة والفداء. تم تكليفه بكثير من المهام العسكرية ، لم يرجع من أيٍّ منها إلا بانتصار كامل ، بفضل خبرته وشجاعته النادرة. حظي باحترام قادته وأفراده على السواء ، وأصبح يشار إليه بالبنان كأسطورةٍ رائعةٍ من أساطير الفداء. 

   ظل مهيوب (أبو يسري) لأعوام ، رمزاً من رموز البطولة ، وحين اندلعت الحرب السادسة ( أغسطس 2009 – فبراير 2010) ، أو ما تعرف " بعملية الأرض المحروقة ". تم تكليفه بالهجوم على موقع كان قد حاول قبله الكثير من القادة ، وقدموا الضحايا ، وخسروا الخسائر الكثيرة ، ولم يستطيعوا السيطرة أو الإستيلاء عليه. 
    تحرك مهيوب بمجموعة من أفراد كتيبته ، وقاد هجوماً على ذلك الموقع واستطاع أن يسيطر عليه ، لكنه لم يكد يستتب بهم الأمر ، وتهدأ المواجهة الشرسة ، حتى فوجئ وأفراده بالتفاف مباغت ، فقاتل قتال الشجعان الأبطال دون أن يُسَلِّم ، أو يجبن ، أو يتراجع حتى أصيب إصابةً بالغةً ، ارتقى على إثرها شهيداً مجيداً. 
  خاض في تلك الليلة معركته الأخيرة كأي بطل استثنائي ، أحاط به الخصوم من كل الجوانب ، طوقوه من كل الجهات. طلبوا منه الإستسلام والتسليم ، لكنه وهو الذي كان قد أذاقهم الويلات لسنوات ، عز عليه أن يقع أسيراً بيدهم ، فقاتل حتى لقي الله بذات الشموخِ الذي عاشه في حياتِهِ. 
  
أما في القرية ...
   فقد أسفر الليل عن النبأ الفاجعة ، نبأ استشهادِهِ ، فاكتست القرية ثوب الحداد ، واتشحت بالسواد ، وتنفس صبحها آهة طويلة مجلجلةً ملء الفضاء ، فقد هوى الطود الأشم ، الذي امتلأت بشذاه تلالها وربواتها ، وسهولها وأوديتها ، واستظل بظله الكثير من أبنائها. وصل النبأ الفاجعة إلى أهله ، فنزل عليهم كالصاعقة. أصمَّ آذانهم ، وغيَّر صباحهم رأساً على عقب ، فكان في أبصارهم وبصائرهم مساءً حالك الوجه مظلماً. 
••••  










ــ 10  ــ  
قصة فقْد ( 2 ) 
(( ‏الإنتظار مؤلمٌ والنسيانُ مؤلمٌ أيضاً، لكن معرفةُ أيهما تفعلُ هو أسوأُ 
 أنواعِ المعاناة )) 
- باولو كويلو      

 عبدون ( أخو يسري ) ..

 عبدون هو الأخ الأكبر ليسري. كان قد أخذ من أبيه الشجاعة ، والرجولة ، والإقدام ، والإباء ، والنزعة الثورية القتالية. إلا أنه لم يكن قد أخذ الحنكة والحكمة بعد. 
  كان من أول المنخرطين في المعمعة ، من أول السباقين الراكضين في ميدان القتال. 

  كان حينئذٍ في باكورة شبابه ، إبان اندلاع الصراع ، لبى نداء "حي على القتال" وعمره (18) عاماً . 

في ذات ليلة ...
  حينما كان يرابط ورفاقه في موقع بالمقدمة ، شن عليهم الخصوم هجوماً من ثلاثة محاور : هجوماً من الأمام يزحف إليهم وجهاً لوجه ، وهجوماً من الميمنة ، وآخر من الميسرة يهدفان إلى قطع خطوط الإمداد وإطباق الحصار ، ومن ثم الزحف من المحاور الثلاثة جنباً إلى جنب للسيطرة على الموقع.
  قاتل عبدون ورفاقه ببسالة نادرة واستطاعوا صد الزحوف مرات ، ولم يستطع الخصوم الوصول إليهم إلا من بعد نفاد ذخائرهم ومؤنهم ، وتعذر وصول المدد. استشهد منهم البعض ، والبعض الآخر استطاعوا الخروج من الموقع - بعد نفاد ذخائرهم - متسللين تحت جنح الظلام. لكن عبدون لم يكن بينهم. 
في الليلة التالية ..
  شنت المجاميع الأخرى هجمة مرتدة هدفت لاستعادة الموقع وانتشال الجثث ، وتمكنوا من استعادته ، ووجدوا جثث كل من استشهد من الجنود المرابطين ، ما عدا عبدون لم يجدوا له أثراً ، لا في الناجين ولا في الشهداء . 

 سنوات مرت وأبو يسري يتحسس من ولده ، دون يأس ، يبحث عنه في كل اتجاه ، بكل الوسائل ، وشتى الطرق ، خاض الحروب جميعها ، وهو يبحث ، وقضى أوقات السلم أيضاً وهو يبحث ، ولم يمل حتى لقي الله قبل أن يلاقي ولدَه عبدون . 
•••• 

 

ــ 11 ــ 

  " ‏الأحزان الصغيرة ثرثارة ، أما عظيمها فأبكم "      
- سينيكا         

  بعض الذكريات تحتاج وقتاً لتُنسى ، وبعضها تتجدد مع مرور الوقت ، لا تغادر ، ولا تمَّحي ، تسير معك ، تلازمك ، لا تنفك عن ملازمتك طوال مسيرة حياتك. تبقى جرحاً أبدياً غائراً في الحنايا، كلما حدثت حادثة جديدة ، نكأت ذلك الجرح القديم ، وأيقظت سابقاتها؛ لتكون أشد إيلاماً ، وأثقل وطأة. حادثة واحدة بسيطة فقط بإمكانها أن تبعثرَ الركامَ المكدّس بالداخل لسنواتٍ ، أن تحييَ ذكرياتٍ شُيِّعَت منذ عقود ، أن توقدَ في الروحِ حريقاً هائلاً كحريق الغابات ، يصعبُ إطفاؤهُ بسهولة. 

   قال يسري وهو يتململ قابعاً في مكانه : « لقد كنتُ أحببتُ الحرب دائماً ، لقد كنت طفلاً أثناء الحرب الأولى ، وما كنت أفكر فيه وقتذاك ليس له اعتبار ، ولكنني على أية حال أحببتها في ذلك الوقت ، لكن ذلك كان عن بعد ». ومضت فترة قصيرة قبل أن يقول بنبرة مريرة ، بطيئة ، مثقلة : « ولكنني كرهتها من بعد ، كرهتها كما لم أكره شيئاً مثلها. كرهتها بسبب أخي ووالدي ثم ولدي وما نحن فيه الآن ». 
 •••• 
  عمر يسري الآن (25) عاماً ، فقد أخاه عبدون وعمره (10) أعوام ، واستشهد والده مهيوب وهو في السادس عشرة(16) ، ليتحمل على عاتقه - تحت وطأة هذه المآسي - مسؤولية العائلة في هذا السن المبكر. كانت هذه المآسي المتتابعة قد كوت يسري، واستنفدت كل ما لديه من قدرة الإحتمال ، وطاقة الصبر المخزونة. ولما بلغ من العمر (23) عاماً أراد أن يدخل السرور للعائلة بعد تلك السنوات العجاف التي عاشتْها في غياهب الحزن؛ فاقترن بدنيا التي كانت تصغره بثلاثة أعوام ، ولهذا الإقتران حكاية سأحكيها لاحقاً. المهم ، تزوّجا ، وحملت منه ، ثم وضعت ذلك الطفل الذي أعاد البسمة للعائلة ، وفتح نافذة للأمل والمستقبل معاً. لكن ذلك الأمل ما لبث أن خبَا ثانيةً بعد أقل من أربعين نهاراً بفقد ذلك الطفل في تلك الحادثة سالفة الذكر؛ ليفقد معه السرور والأمل والصبر أيضاً. ثم تجد من يجيء بكل صفاقة ليقول : اصبر ..

  يقولون لي : اصْبرْ 
  ولا صبرَ للمتخمينَ هموماً 
  - كمثلي -
  ولا النازفين المعاناة غمّ 
  •• 
  يقولون لي : اصْبرْ 
  وقد ضاق بي الصبر ذرعاً، وضقتُ بِهِ، 
  وأصبح عنديَ محضَ ألمْ 
  •• 
  يقولون لي : اصْبرْ 
  وجرحي كبيرٌ كهذا المدى 
  شديدٌ وقاسٍ كقلب العدا 
  وحزني عميقٌ 
  وفرْحي عدمْ .
••• 
اصبر .. 
    مفردة بتُّ أسمعها كثيراً ، يرددها الجميع على مسمعي باستمرار. الكل يقول لي : اصبر ، سهلة جداً هي حين تقال ، لا تكلف قائلها سوى ثانية واحدة ، بينما تكلف من يكتوي بنيران الظروف القاسية ، والمآسي الجمة ، والأوجاع المتراكمة ، والآحزان المحدقة من كل حدب وصوب ، جهداً ووقتاً كبيرين . 
 اصبر .. 
   مفردةٌ خفيفةٌ جداً في نطقها ، ثقيلةٌ جداً في ميزان الإمتثال والتطبيق. 
  يقولون : اصبر ، وقد ملني الصبر ، وضاق بي ذرعاً .. 
  يقولون : اصبر ، وكيف أصبر ؟، والصبر أصبحَ شكلاً آخر من أشكال الألم . 
  إن محاولة نسيان الألم أو إسكاته بالصبر ، كمن يضع فلفلاً حاراً في ثلاجة التجميد؛ فلا هو جمده ، ولا برَّده ، ولا حتى خفف من حرارته. 
 
  لن يعيَ أحدٌ مطلقاً حجم المعاناة التي أرغمتْك على تحملها الظروف وتلك النظرات الأليمة التي تسحقُك من الداخل. لن يعي أحدٌ كم من الأشياء ماتت في داخلك وأنت تحاول أن تبدو بكُل هذا الثبات والصمود. لن يحس أحدٌ بك غيرك ، ولن يشعر أحدٌ بمدى معاناتك سواك. نعم ، لا أحدَ بمقدورِهِ أن يكونَك ، ولا أحدَ بإمكانه أن يتقمصَ دورك شعورياً على الأقل ، أنت وحدك من تشعرُ بك ، وتعيشُ في جسدِك ممتلئاً بك روحاً وألماً وحزناً وخوفاً وتعباً ومعاناة. أنت وحدك تعيشُك ، وأنت وحدك مَعنيٌّ بك لا سواك.
•••• 










ــ 12 ــ 

.. اقتران يسري بدنيا ..

   دنيا هي بنت عُبَيد ، أمُّها زينب أخت مهيوب وعمة يسري. وحيث كانت العائلتان تتبادلان الزيارات كانت تجيء مع والديها لزيارة عائلة يسري باستمرار ، كان مهيوب يقول لوالديها مازحاً : « أريد دنيا لولدي يسري ». كانت دنيا تسمعهم لكنها كانت صغيرة؛ فلم تفهم ما يقصدون. وعندما بلغت الخامسة من عمرها، حيث كان يسري في الثامنة آنذاك ، كانت دائماً تنهمكُ في اللعب معه في كل زيارة ، حتى ألِفَتْهُ وألِفَها ، وتعلَّقا ببعضهما بشدةِ. لكن هذا التعلق لم يكن عشقاً بمعناه الكبير ، بل ألفةَ طفولة ، لا ترتاح ولا يكتمل استمتاعها باللعب إلا به ، وهو كذلك. حتى أنه - لاحقاً - كان يتعلل ويختلق الأعذار الكثيرة لكي يذهب إلى بيتها . 
  مضت الأعوام ، وكبرا معاً وهما لا يكادان يفترقان جل الوقت ، ومع مرور الوقت تحول هذا التعلق إلى حبٍّ كبير. 
  عندما بلغت دنيا ال ( 12 ) من العمر افترقا عن بعضهما ، ليس جفاءً أو مللاً أو كراهية ، ولكن هكذا كانت تقتضي عادات وتقاليد المجتمع الريفي المحافظ. أي أن الفتاة في هذا السنِّ يجب عليها أن تغطي وجهها ، وتتجنب مخالطة الذكور. لكن هذا لم يمنعهما من استراق النظرات لبعضهما ، وتتَبُّع كلٍّ منهما أخبار الآخر. فكانت تحس به ، وتتألم لآلامه ، وتحزن لحزنه دون أن يراها أو يشعر بها أحد . 
  
   شَبَّتْ دنيا ، فكانت ذاتَ جمالٍ صارخ ، تملكُ وجهاً ملائكياً كالحليب الذي لا تشوبُهُ شائبة ، سوى حبّة خالٍ رمادية تزيّنُ خدَّها الأيسر. عيناها بحران زرقاوان يموجان أضواءً تنير الظلمة. جسدُها الممشوقُ يفيضُ أنوثةً ودلالاً. 
  في العشرين ( 20 ) من عمرها خطبها يسري رسمياً حينما كان عمره هو الآخر ( 23 ) عاماً ، كما ذكرنا سابقاً ، وحُدِّدَ موعد الزفافِ ، وزُفَّا إلى بعضهما في حفلة زفافٍ كبيرة ، شهدَها الجميع، وتجاوزَ الفرحُ قلبيهما إلى كل القرية والقرى المجاورة أيضاً. 
   احتفل الجميع ، وانطلقت مكبرات الصوت صداحةً بالأغاني ، وانبجست الأهازيج ، وتعالت الزغاريد ، وحضر الشعر ، واندفع محتفياً : 

سناهُ ،  وأنوارُهُ   موكبُ 
ففرَّ   بجلدِكَ   يا  غيهبُ 
فيسري   وأفراحُهُ  حولَهُ 
سماءٌ   توَسَّطََها    كوكبُ 
ويسري  وللوردِ من حولهِ 
عقودٌ من الأنسِ تستجوبُ 
عريسٌ لهُ الحبُّ والأغنياتُ 
تفيضُ  ينابيعَ   لا تنضبُ 
هواهُ   شجيٌّ  ،  و غرِّيدُهُ 
يغنّي ،  يغنّي ،  ولا يتعبُ 
تسيلُ الأماني على راحتيهِ 
وسربُ المنى حولهُ يطربُ 
ويبسمُ! قلتُ لمَ الإبتسامُ ؟!  
أجابَ  :  لأنَّ  اللقا  أقربُ 
دهشتُ  لهذا  الجوابِ  وكم 
سيدهشُنا العاشقُ  الطيِّبُ 
سلامٌ عليكَ .. لقد فاضَ بي 
حنينٌ   إليك   ولا مهربُ 
وحبٌّ  كبيرٌ  .. كهذا  المدى 
رقيقٌ كقطرِ الندى يسكبُ 
أزفُّ  التهاني  إليك  نشيداً 
وشعراً يروقُ ، ويستعذبُ 
تباريكُنا    روضةٌ    أينعتْ 
يعانقُها   الوابلُ   الصيّبُ 
فطابَ الهناءُ ، ودامَ السرور 
وزالَ العناءُ، صَفا المشربُ 

كما كان للشعر الشعبي حضوره البارز أيضاً : 

الفرَح خيَّمْ ، وجمر  الحزن  ذابْ 
وانطرح  راس  الهموم   المستميتْ 
وانطلق  نور  المسرة   كالشهابْ 
وانغرس  في خافق الياس المقيتْ 
العنا  مشنوق   باسْياخ  الغيابْ 
والضنا   محروق    بمْياه   الأسيتْ 
الغموم الموحشة  قفرةْ .. يبابْ 
والمرح   في  داركم  أخضر   نبيتْ 
المشاعر أمطرت  عذب  الشرابْ 
والبشاير   زغردت   في   كل  بيتْ 
والأغاني  لحنها   بك  مستطابْ 
والأماني  لك   تنادي :  هيت  هيتْ 
السرور  العذب  ينسيك  العذابْ 
والوصال   يلملم   الشمل   الشتيتْ 
يا عريس(ن)  لو أطق  بكل بابْ 
ولو  أدوّر   عن  مثيله  ..  ما  لقيت 
لو   تعبّى  ألف   دفتر  أو  كتابْ 
وانكتب  في  وصفكم  مليون  بيتْ 
ما وفاك الشعر  يا  زين  الشبابْ 
ولا حوى بعض الخصال اللي حويتْ 
قريتك حولك وأهلك والصحابْ 
وانْت  مثل  النجم  فيهم  قد بديتْ 
بالثرى رجلك  وراسك بالسحابْ 
في   سماء   العز    بالعز    اعتليتْ 

 •••• 
.
.


ــ 15  ــ 
 يسري ..

   فرحْنا ، وأفرحْنا ، واحتفلْنا ، واحتُفِلَ بنا. لكن تُرى : هل فعلاً وجدنا الفرحَ الكاملَ ؟!، أم أننا نكذبُ على أنفسِنا ؟!، وهل سيستمرُّ هذا الفرحُ إلى أبعد مدى ، أم نغالطُ أنفسَنا ؟!. 
 هل سنعيشُ السعادة الدائمة ؟!.
 هل نسينا، أو سننسى الحزنَ ؟!. 
   كل المحاولات باءت بالفشل. لأننا لم نعدْ نمتلكُ أيَّ مشاعرَ أخرى. لقد هيمنَ عليها كلها الحزنُ ، الحزنُ يسيرُ بيننا كوحشٍ مفترس. جرَّبْنا الفرح ، وما زلنا نجرِّبُ ، لكنَّنا لم نفهمْهُ وحيداً. صحيحٌ أنَّ الفرحَ يضيءُ دهاليزَ الروح المظلمة ، ويسقي مجاهيلَها العطشى. لكنَّ الحزنَ يأتي قريناً للمآسي ، يأتي قريناً للشدائد ، يأتي قريناً للحروب ، يأتي قريناً لحوادث الفقْدِ ، يأتي قريناً لأشياء كثيرة ، فهو دائماً لا يسير وحيداً. 
 ••• 
   في صغري تعلَّمتُ أنَّ الكذبَ حرامٌ ، وأنَّ الحرَّ لا يكْذبُ مهما كان، ولا يُكَذِّبُ غيرَهُ ولو كان كاذباً. تعلّمتُ أنَّ الصدقَ منجاةٌ ، والكذبَ مهلكةٌ. لكنني اليوم مضطرّاً تعلّمتُ أن أكْذبَ وبكامل إرادتي. أكذبُ وأنا أعرفُ أنني لن أصدِّقَ نفسي ، ولو صدَّقَني الآخرون ، أو تظاهروا بتصديقي على الأقل.
 إنَّ حوادثَ الفقدِ تُعلّمُنا أموراً كثيرة !... 
تُعلّمُنا كيفَ نوزِّعُ الإبتِساماتِ الكاذبة ؟.. 
 كيف نقبضُ على صدورِنا ألماً وحسرة ؟.. 
 كيفَ ندوسُ على مشاعرِنا ؟.. 
 كيفَ نستوعِبُ أنَّ الدُنيا ليسَت آمنة ، وأنها لنا دوماً بالمرصاد ؟!. 
   حدثٌ واحدٌ يكفي لإحداث تغيُّرٍ هائل في عمومِ الملامح ، لإحداث حربٍ كبيرةٍ في المشاعر ، ولأمدٍ طويل. حدثٌ واحدٌ يكفي لإحداث ثقبٍ واسعٍ في طبقةِ أوزونِ القلبِ يؤثرُ سلباً في مناخاتِهِ الداخلية. فكيف سيكونُ الحالُ حيالَ حزمةٍ من الأحداث المتسارعة ؟!، لا شكَّ أنها ستحرقُ طبقةَ الأوزون بكاملها ، وتحوِّلُ المناخَ الداخلي 180 درجة. 
 •••• 
  نتظاهر بالقوة ، بينما كل شيء بداخلنا محطم ، مظهرنا الخارجي يوحي بأننا لا نحس ، بينما ينغمس الألم في أفئدتنا. كل خلايانا تتألم ، نتصنع الإبتسامات لنخفي ذلك الطفل الباكي القابع خلف هذا الوجه الشاحب. كأن لا ألم فينا ، بينما نحن أشد من يتألم ، نتهرب من الحديث ، ودائماً تبقى إجابتنا : " نحن بخير " لسؤال مضمونه كيف حالك ؟؟.. 
  إن من أغرب الأمور التي نمارسها نحن كبشر المكابرة والتظاهر أن كل شيء على ما يرام ، بينما نكون قد فقدنا حتى القدرة على المضي قدماً وصرنا نزحف لا شعورياً نحو الأعماقِِ. ليست الأمور على ما يرام ، ولسنا بخير ، ولا شيء هنا كما نتمنى ، والحياة هنا أصبحت مخيبة للآمال. 
•••• 
.
.


ــ 14 ــ 
ذكريات ..

   لا تزال عائلة يسري تتذكر ذلك اليوم المشؤوم ، الذي زف إليهم الخبر الفاجعة ، خبر استشهاد والدهم. ذلك اليوم الذي هب نسيم صباحه الحار ، يكوي بحرارته القلوب قبل الجلود ، ويلامس الأرواح قبل الأجساد. لأول مرة يهبُّ على العائلة بتلك القسوة. ذلك لأنه حمل نبأً عصف بهم ، وقصم ظهورهم ، واستمطر مدامعهم فسالت ثجاجاً. 
   لم يكسر ذلك الصمت الرهيب المطبق عليهم إلا صوت جرس تليفون يسري يرن تنبيهاً بوصول رسالة .. يسري يفتح .. الرسالة من صديقه نصري .. نصها : 
"لقد وجدنا لك عملاً في إحدى المنظمات الإغاثية ، جهز نفسك لمزاولة العمل" .
قال يسري بفرح :
– الحمدلله .. وأخيراً حصلتُ على عمل .. 
 فاستشاطت أمُّهُ غضباً عندئذٍ ، وصرخت في وجهه ، وقد عُقِدَ حاجباها ، وتسحَّنت ملامحُ وجهِها : 
– قلتُ يكفي .. لا أريد أن أسمع لفظ " عمل " .. انسَ ذلك ..
 فقال مستغرباً ، متفاجئاً من ردة فعلها الإنفعالية : 
– ما بك يا أماه ؟ ما الذي يغضبك ؟ 
قالت : 
– يكفي .. ماذا يريد منا هؤلاء ؟ .. قل لي مع من تتواصل ؟  
ثم قامت وخطفت التليفون من يده ، وأردفت :  
– لن تذهب إلى أي مكان .. أتفهم ؟ 
قال : 
– ماذا تقولين يا أماه ؟ .. الأمر ليس كما تظنين إطلاقاً .. حصلتُ على عمل في المنظمة ، وليس في الجبهة .. كوني مطمئنة. 
قالت : 
– أتريد أن توهمني بالعمل في المنظمة وتذهب إلى سواها؟، أتستغفلني؟، كيف تجرؤ ؟. 
قام واحتضن أمه ، ثم طبع قبلة على رأسها ، وقال : 
– لا والله .. اهدأي يا أمّاه .. سأشرح لك :  قبل أيام اتصل بي صديقي «نصري» وهو يعمل بالمنظمة ووعدني بأن يبحث لي عن عمل فيها ، وإذا تيسر الأمر سيبلغني ... والآن وصلتني رسالة منه إعلاماً بذلك .. هذا كل شيء .. 
قالت : 
– لا أصدقك .. 
قال : 
–  اسألي دنيا .. فلعلها سمعت تلك المكالمة ذلك اليوم .. 
توجهت نحو دنيا ، وقالت : 
– أهذا صحيح يا دنيا ؟! 
 هزت دنيا رأسها للأعلى في إشارة منها بالإيجاب .. ثم أردفت مستدركة :  
– سمعتُ طرفاً منها .. 
قالت الأم زكية : 
– ولو .. انتهى ..
يسري باستعطاف وقد أحس أنه سُقِطَ من يده : 
– يااا أمي ..
  فتأثرت دنيا بعد أن رأت تأثره الشديد من ردة فعل والدته؛ لأنها تعرف أن العمل غاية رغبته ، وأن فيه راحتَه ، كما تعرف أيضاً أنه لا يمكن أن يقدم رغباته على رغبات والدته مهما كان. لذلك تدخلت قائلة : 
– الآن سنتبين صدق كلامه .. هاتِ التليفون يا عمتي، سأرى آخر رسالة .. 
  أمسكت التليفون ، ذهبت إلى ملف رسائل sms ، فتحت الصندوق الوارد ، ضغطت آخر رسالة ، وراحت تقرأ بصوت مسموع : 
 – " لقد وجدنا لك عملاً في إحدى المنظمات الإغاثية .. جهز نفسك لمزاولة العمل " .. المرسل «نصري» 
فقال يسري وقد أحس أنه قد أثبت براءته : 
– والآن وقد عرفتم كل شيء .. أرجوكم أن تسمحوا لي بالذهاب لاستلام العمل .. لا أريد أن أفوّت الفرصة ، فهي فرصة لا تتكرر ، وقلما تأتي في مثل هذه الأيام ، ثم إنني لا أريد أن أذهب دون رضاكم ..
قالت الأم زكية : 
– سنسمح لك ..  
 وسكتت قليلاً؛ فتفتحت أسارير وجهه ، ثم أردفت مستدركة : 
– لكن بشرط  .. 
  فتقلصَ وجههُ وتغضّنت أساريره ، وكست ملامحه الدهشة والخوف. الدهشة من هذا التحول الفجائي الخاطف بعدما ظن أن الأمر قد انتهى. والخوف مما يختبئ في طيات الشرط المنتظر. تقلّصَ وجهه ، وانعقد لسانه ، فلم يستطع أن يسأل ، أو يستفهم عن ماهية الشرط ، بل توقف تاركاً لها فسحة من الأمر؛ علها تعدل فلا تكمل. ثم أخذَ يحدّقُ في وجهها بنظراتٍ جامدةٍ منتظراً حركة ثغرها المؤذنة باندلاق ذلك المنتظر ، وحين حركت شفتيها فاتحةً فاها؛ سَرَت قشعريرة رهيبة في كامل جسده ، ملؤها الخوف والرهبة ، وبدا مضطرباً يحرك يديه حركاتٍ عصبية، وعلى وجهه علامات الأسى وخيبة الأمل. ثم قالت بصوت عميق: 
– بشرط أن تعطينا موثقاً من الله أن لا تذهب إلى الجبهات .. 
 عندئذ سكن خوفه ، وتنفس الصعداء ، وعادت ملامحه تتبلّج مرة أخرى ، قائلاً : 
– موافق .. وأعاهدكم على ذلك .. 
  ولعلهم يتساءلون يا يسري : لماذا تصر كل هذا الإصرار على العمل ؟، إنهم لم يدركوا ما تصبو إليه ، لم يعرفوا أهمية العمل بالنسبة لك خصوصاً في هذا الوقت العصيب. معذورون هم يا يسري ، فهم لم يدخلوا إلى قلبك ، كي يعرفوا مشاعرك ، ولم يعبروا مخيلتك ، كي يبلغوا حدود تفكيرك. لم يعرفوا أنك جئت من أسرة كريمة تأنف أن تمد يدها لأحد ، أو تكون عالة على أحد أياً كان. إن الكريم يكره نظرات الإشفاق حين ترسل من عيون الآخرين لتلف حبائلها حول قامته؛ فتفقدها شموخها وكبرياءها.
  إننا نحاول أن نتجاوز الألم باللجوء إلى العمل ، عندما يكون هناك من لا يستطيع أن يتفهم ضعفنا ويحتوي لحظات الإنكسار دون أن يشعرنا بأننا قد انكسرنا .
  نعمل لنهرب من الشعور بالضعف الذي يقتات من ماء حيائنا وينبش ملامح وجوهنا ، لنهرب من الجو الذي يخنق أنفاسنا حد الضيق ، حتى كأننا نتنفس من ثقب إبرة. نهرب من هذا الواقع الكئيب الذي يغمرنا حد الوجع ، من الذكريات التي أدمنت الإتكاء على أدمغتنا ، من هذا الألم الذي يعتصر الأفئدة ، فقد قيل : " العمل يساعد على نسيان الألم ".
•••• 



.

.




(( في المنظمة )) 






.
.





ــ 15  ــ 
 
" في المنظمة "

   استلم يسري عمله أميناً لأحد المخازن التابعة لمنظمة الإغاثة وخلال مزاولته للعمل هناك اكتشف أن المساعدات الغذائية التي تصرف لأسر النازحين أكبر بكثير من تلك التي كانت تصل إلى سكان المخيم ، إضافة إلى مساعدات مالية نقدية أيضاً .
   ظن يسري للوهلة الأولى أن ما صادفه ليس إلا تحسنٌ مستجد في عمل المنظمة .. لكنه أراد أن يتأكد؛ فأجرى عدة اتصالات بسكان المخيم ، ليتفاجأ بأن الوضع لا يزال كما هو عليه سابقاً ، وأنه لم يتغير شيء .. أثار هذا الأمر فضوله واهتمامه في آن واحد ، فأزمع أن يطرح القضية بين يدي مسؤولي المنظمة ، وأن يضعهم أمام الأمر الواقع ، وليكن ما يكون. 
التقى بأحد مسؤولي المنظمة وجرى بينهما هذا الحوار : 
قال يسري : 
– هل تسمح لي بسؤال يا سيدي ؟ 
قال المسؤول : 
– تفضل ..
قال يسري : 
– مساعدات النازحين هل تصرفونها دائماً بنفس الكمية هذه ؟! 
أجاب المسؤول : 
– نعم ..
 ثم أردف : 
– ولمَ تسأل هذا السؤال ؟ 
قال يسري : 
– بصراحة .. أنا أحد النازحين .. طيلة الفترة التي قضيتها في  المخيم لم يصلنا من هذه المساعدات إلا النزر القليل ، وحتى اللحظة التي أحدثُك فيها كما أخبرني سكان المخيم .. أريد فقط - يا سيدي - أن أعرف إلى أين تذهب ؟
قال المسؤول : 
– إسمع يا أخي .. نحن لدينا مندوبون لكل مخيم .. نصرف لهم المساعدات ونكلفهم بتسليمها لأصحابها وفقاً لكشوفٍ وسجلات بأسماء النازحين في كل مخيم .. فإذا كان صحيحاً ما تقول ، والأسماء موجودة في السجل ، فإن هناك من يستغلهم ويأخذ حقوقهم !!..
قال يسري : 
– والحل ؟ 
قال المسؤول : 
– تأكد أولاً  من السجل .. ثم حاول أن تعرف إلى أين  تذهب بعد صرفها للمندوبين ؟ ثم أخبرنا. 
قال يسري : 
– إن شاء الله ..

  ( بعد شهر )..

  انتظر يسري بفارغ الصبر ميعاد الصرف الجديد .. وحينما حان ، كلّف يسري أحد النازحين بمراقبة شحنة المساعدات  من وقت خروجها من المخزن إلى وصولها الى المخيم ، ليكتشف أن ثلثي الشحنة تباع في السوق السوداء لصالح كل من « ساري » مندوب المنظمة الخاص بالمخيم و « ظريف » مندوب نازحي المخيم .. والثلث المتبقي هو الذي يتم توزيعه أو بعضه على النازحين.  
  نقل يسري الصورة كاملة بكل تفاصيلها وحيثياتها إلى المسؤول. والمسؤول بدوره طلبَ منه رفع شكوى إلى المنظمة موقعة من جميع سكان المخيم .. والمنظمة بعد ذلك سوف  تتخذ الإجراء اللازم. 
قام يسري بتكليف «عارف» وهو أحد سكان المخيم بالمهمة ..
•••• 
.

.


ــ 16  ــ 

عارف 
(( في المخيم )) 

   بعد التكليف شرع عارف بجمع توقيعات النازحين مارّاً على خيامهم ، خيمةً .. خيمةً. وعندئذٍ قام جواسيس وأعوان ظريف بإخباره بما يجري من أمر التوقيعات ، فقام باستدعاء عارف على الفور. 
   جاء عارفٌ ملبياً لاستدعاء ظريف ، وحين مَثُلَ بين يديه دفع له مبلغاً من المال ، وهو متكئ على أريكته بكرشه الضخم الناتئ ، يمضغ القات ، يجتره كبعير ، خدّاه ناتئان ، وفي يده سيجارة يمتصها ثم يزوي فمه لينفث دخانها الكثيف يتصاعد خيوطاً من غرور .. 
  فاستغرب عارف ، ثم قال متسائلاً: 
 – ما المناسبة ؟! 
  تنحنح ظريف ، وقال : 
 – استعن به على قضاء حوائجك ، وسيتكرر هذا كل شهر .. وهذا وعدٌ مني !! .. 
 قال عارف وقد صار أكثر استغراباً من ذي قبل : 
 – نظير ماذا ؟!  
  نفث ظريف آخر نفثة من دخان سيجارته ، ثم اعتدل في جلسته ووضعها في وعاء أعقاب السجائر ( طفاية السجائر ) ، ثم التفت يمنة ويسرة نصف التفاتة؛ ليتأكد أن لا أحد بالجوار ، كمن يريد أن يبوح لأحدهم بسر خطير ، ولا يريد أن يصل إلى سواه؛ كي لا يفشى ، ثم قال بصوت خافت : 
 – أن تتخلى عما تقوم به .. 
 قال عارف وقد كست ملامحه الدهشة : 
 – وسكان المخيم .. ماذا عنهم ؟
 قال ظريف وقد عاد للإتكاء على جانبه الأيسر : 
 – عش حياتك ودعْك منهم !!
 فقال عارف وقد بدت على شفتيه ابتسامة صفراء : 
 – يعني .. أعيش حياتي على حسابهم ؟! 
 قال ظريف : 
 – يعني ...!! 
   عندئذٍ لم يتمالك عارف نفسه ، فصاح في وجهه بعصبية وانفعال : 
 – يا هذا إن كان ضميرك قد مات .. فضميري ما زال ينبضُ بالحياة ..
  وهنا شعر عارف أنه قد رفع صوته أكثر مما يجب؛ فتوقف ، ثم أردف وقد خفض من حدة صوته : 
 – كيف لي أن أملأ بطني بما لذ وطاب ، وأصدقائي وجيراني بطونهم خاوية ؟، وكيف يمكنني أن أرى أطفالي يأكلون ما يشتهون ، ويلبسون أفخم الثياب ، وأطفال المخيم حفاة ، عراة ، جياع ، عطشى ؟. 
  لن أبيعهم أبداً ، ولن أتخلى عنهم .. 
  ثم حدجه بنظرة اشمئزاز ، ورمى  إليه ماله ، وغادر. بينما ظريف هو الآخر حدجه بنظرة تهديد ، وقال متوعداً إياه وهو يغادر : 
– إذن .. ستندم .. أحذرك .. 
  كان عارف شخصاً نبيلاً ، شخصاً بحجم المسؤولية ، يستشعر حاجة الناس ومعاناتهم ، يتألم عندما يراهم يتألمون. يحزن عندما يحزنون ، ويفرح عندما يفرحون. يسعد لسعادتهم ، ويتوجع لوجعهم. لم يكنْ ليتخلّى عنهم ، أو يبيعَهم بأي ثمن ، أو تحت أي يافطة. ولذلك لم يستجب لإغراءات المتنفذين ، ولم يذعنْ لترغيبهم ، أو يخفْ من ترهيبهم. وبينما هو في خيمته تصله رسالة من رقم مجهول وفيها : 
 « من أنت يا حثالة ؟ حتى تتعالى على أسيادك » 
وثانية من رقم آخر : 
 « لا تلعب بالنار .. ستحرقك » ..
وثالثة من رقم ثالث : 
 « انتبه لفعلك .. ستدفع الثمن غالياً إذا تماديتَ .. »  
  كانت التهديدات تأتيه من كل ناحية ، وفي كل وقتٍ ، وبشتى الوسائل : مكالمات هاتفية ، رسائل نصية sms ، رسائل خطية ، قصاصات ورقية ترمى على حين غفلة أمام خيمته ، مداهمات تخويفية ليلية ، مضايقات مستمرة تهدف لعرقلة تحركاته وإعاقة نشاطه ، محاولات مستميتة لنزع الثقة بينه وبين سكان المخيم ، إضافة إلى كمية الأذى الذي يطالُهُ وأقاربه صباح مساء من ألسنتهم السليطة المتمثل بالشتائم والسباب في أبشع وأقذع صورِه. 
  لكنه مضى بعزم وإصرار لاستكمال جمع التوقيعات دون انصياعٍ للتهديدات ، حتى انتهى منها ، ثم قام بعد ذلك برفع الشكوى المعمدة بتوقيعات كل ساكني المخيم من النازحين إلى المنظمة ( منظمة الإغاثة )
••• 


.


.


ــ 17 ــ 

   ( بعد أيام  ) 
  استدعت المنظمة مندوبها " ساري " ، وأخضعته للمساءلة. 
  في البداية أنكر ساري كل التهم الموجهة إليه ، إلا أنه في الأخير، أمام الحقائق التي تكشفت تباعاً ، ما لبث أن أقرَّ معترفاً. لكنها لم تعاقبه كما يبدو ، واكتفت بتوقيفه فقط. ثم قررت إرسال لجنة خاصة إلى المخيم لتقصي الحقائق . 
  وصلت اللجنة المخيم ، وتقصته خيمةً خيمة .. تستجوب ، وتسأل عن أحوال النازحين ، وعن كمية ما يصلهم من مساعدات ، فكانت الإجابات جميعها متطابقة مع فحوى الشكوى ، عدا من بعض المنتفعين والمستفيدين الذي تفوح منهم رائحة الفساد وهم قلة كانت أقوالهم عكس ذلك . 
  عادت اللجنة بتقريرها الذي يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك ما جاء في الشكوى ، وعلى إثر ذلك قررت المنظمة ثانية إرسال لجنة أخرى تقوم بتسليم المساعدات لكافة النازحين في المخيم يداً بيد .. 

  أما عن سكان المخيم ، فقد اجتمعوا كلهم بعد استلامهم المساعدات كاملة دونما نقصان ، وقرّروا - مجتمعين - من تلقاء أنفسهم تنحية « ظريف » الذي مص دمهم ، وأكل مستحقاتهم من المساعدات ، واستحوذ عليها ردحاً من الوقت ، ثم اختيار  « عارف » الذي وقف معهم وناضل طويلاً لأخذ حقوقهم ، ليكون مسؤولاً عنهم ، وممثلاً لهم ، تقديراً لجهودِهِ ، وما تحمَّلَهُ من أذى وتبعاتٍ جسيمة في ذلك السبيل. 
••••
.



.



ــ 18  ــ 
(( في المخيم ليلاً )) 
 
    مسلحون ملثمون لا يرى إلا بريق أعينهم يقدح شرر الحقد والبغضاء والكراهية ، يقتحمون المخيم ،  يجوسون خلاله ببنادقهم المشرعة ، و (جعبهم ) الناتئة بالذخائر ، الملتفة حول خواصرهم. يصولون ، ويجولون في استعراضٍ همجي ، وبجاحةٍ ممجوجة ، كأنما أتوا لتحرير البلاد العربية من المغول ، أو تخليص أوروبا من النازية. 
   عندما تراهم وهم يسيرون بتلك البجاحة ، تشعر كما لو أنهم قدموا ليخوضوا معركة كبرى في مواجهة أعتى الجيوش .. ناسين أنهم هاهنا في أحد مخيمات النازحين ، وليسوا في عين جالوت. وهؤلاء ليسوا جيش المغول ، ولا هم جنود هتلر. إنهم نساء ، وأطفال ، ولفيف من كبار السن ( العجزة ). إنهم نازحون ، غرباء ، تقطعت بهم السبل. شردتهم الحروب؛ فلجأوا إلى هذا المكان؛ طلباً للسلامة والأمان. لكنهم لم يسلموا منهم أيضاً ، فلقد قاموا بمص دمهم وهم صامتون ، مغلوبون على أمرهم ، وحين نطقوا؛ قامت قيامة هؤلاء ، فانتفضوا ، وأتوا عليهم بالحديد والنار. أتوا بقلوبٍ مريضة ، وإنسانيةٍ خاملة ، وضمائر ميتة. لم يرحموا صغيراً لصغرِه ، ولا كبيراً لوهنِهِ وعجزِهِ ، ولا امرأةً لقلةِ حيلتِها. 
  صالوا بعنجهية ، وجالوا بجبروت الظالم ، وأفزعوا ، وروعوا بسطوة القوي على الضعيف ، وجعلوا صراخ النساء ، وبكاء الأطفال يُسمعُ في كل ناحيةٍ من نواحي المخيم ضجيجاً يملأ الأرض والسماء. ثم قاموا - بعد ذلك - بإضرام النار في خيمة « عارف » الذي لم يكن متواجداً فيها لحسن الحظ. 
  أضرموا النار ولاذوا بالفرار مخلفين وراءهم موجة من الهلع والذعر في أوساط السكان ، وخيبة أمل كبيرة في قوم نزعت منهم الإنسانية ، والضمير ، ومن قلوبهم الرحمة والشفقة. 
  إنَّ الألمَ الذي يصيبُ الإنسانَ نتيجةَ الخيبةِ ، هو مقياسٌ للأملِ الذي كان يخبّئُهُ في داخلِه !!. 
  وأعظمُ ألمٍ يأتي من خيبةِ أملٍ هو من أشخاصٍ منحتَهم كل الثقة ، وسلّمْتَهم أمرَكَ ، وأوليتَهم كل امتثال ، وأمنتَهم على حياتِك وقُوْتِك ، ثم تكتشفُ في الأخير أنهم كانوا مصدرَ الخوفِ والخطرِ الذي يحدقُ بك ، والمعاناةِ التي عشْتَها .
•••• 














 القسم الثالث 


 (( العودة )) 














(( أنتظرُ عودةَ الحمامِ عندما يأتي إلى الصحن. سأخلي لهُ المكان. يومَها سأشعرُ بأنَّ حمامةً بخيرٍ في سمائِها التي اختارتْها ))
- واسيني الأعرج           


.

.


ــ 19  ــ 

  وماذا لو وقفَتْ بوجهِك المصاعبُ ؟، وانهالت عليك المصائبُ من كل مكان ؟. ماذا لو غرقتَ في الألم والأسى ؟.
  هل ستفقدُ الأملَ كلياً ؟، وتنغمسُ في اليأس ؟. 
  إنَّ التعلقَ بقشةِ أمل ، خيرٌ من الإبحارِ بشراعِ يأس. 
  لا أحدَ يستطيعُ العيشَ بدون أمل ، إنَّهُ شيءٌ فطري ، ولِدَ معنا ، وربما من قبل أن نولد. قد يشيخُ ، قد يضعفُ ، قد ينخفضُ ، أجَلْ، لكنه لا يموت . 
 فالأملُ هو أنْ ترى السماءَ صافيةً ثم لا يُصيبُك أدنى شكٍّ أنها سوفَ تُمطر. 
  إنَّ الأملَ امتدادٌ للحياة ، ولا يتوجّبُ على الإنسان أن يفقدَهُ مستسلماً لليأسِ الطارئ ، بل يتوجّبُ عليه ﺃﻥ يظلَّ ملازماً له حاضراً معه نفسياً وذهنياً على الدوام. 
  كما أنَّ اليأسَ قاتلٌ خفيٌّ ، يمتلكُ إمكانيةَ التسلُّلِ إلى الأعماقِ ببطءٍ شديد ، يصهرُك على نارٍ هادئةٍ ،  يأخذُك شيئاً فشيئاً ، ثم يهوي بك دفعةً واحدةً إلى مكانٍ سحيقٍ من الإكتئابِ فالموت.

  غالباً من يستسلمون لليأس حدَّ اجتثاثِ بذرةِ الأمل من ذواتِهم ، هم من يفقدون إيمانَهم بها ، ويجدون أنفسَهم فائضين على الحياة ، فيشرعون في تخليصِ ذواتِهم منها ولو على سبيل الإنتحار . 

 لكن يسري ليس من هذا النوع ! 
 فبرغم المصاعب والمتاعب والنوازل والأحزان لم يفقد الأمل كلياً. تألّمَ ، نعم. حزنَ ، نعم. فقدَ السيطرة على انفعالاتِهِ ، نعم. اختنقَ بدموعه ، نعم. لكنه لم يفقدْ أملَهُ بالحياةِ مطلقاً بفضل إيمانِهِ القوي . 
  إنَّ الإيمانَ هو القوةُ الحيويةُ للإنسان ، الطاقةُ الصميميةُ التي تخترقُ الحياةَ بكل أشكالِها وتثبتُ وجودَها بألف طريقةٍ وطريقة. 
  لا أحدَ بمقدورِهِ أن يكبحَ أيَّ قوةٍ حقيقيةٍ عن الوجود ، إنها تمارسُ دفْقَها في أي مكانٍ تتواجدُ فيه ، تخلقُ قدرتَها على كل الإحتمالات وتتسرّبُ نحو العالم في أي ظرفٍ كان ، وفي أي شكل. 
****  


.

.

ــ 20  ــ 

   الآن يمكننا القول أن الحرب توقفت في القريةِ ، والحقيقة أنها لم تتوقفْ. إنما انتقلت إلى مكان آخر. التهمت القريةَ كما التهمت غيرَها ومضت لالتهامِ أخريات ، وتكرار نفس المآسي والنكبات والمعاناة ، ونشر الرعب والفوضى والدمار نفسه في مكان آخر من هذا الوطن. فالحرب إذا بدأت يستحيلُ أن تنتهي بسهولة ، لا تنتهي حتى تنهي على كل شيءٍ جميلٍ ، وحتى تساوي بين كل القرى والأمكنة ، فهي عادلةٌ في هذا الجانب ، عادلةٌ بمساواة الجميع في المساوئ والمآسي والفوضى. 

    كما يرى البعض الآن أن العودة أصبحت ممكنة مستنداً في ذلك على كون الحرب تجاوزت القرية ومضت إلى غيرها ، والبعض الآخر يرى أنها غير ممكنة ، وذلك على اعتبار أن القرية لا زالت تحتضنُ الخوفَ والبشاعةَ والأسى ، وأنها لا زالت تعاني من ندوبِ دمارٍ عميقة عصية على الشفاء.
   لا شيء بعد الحرب يبقى على حاله ، ولا شيء يعود كما كان قبلها. 
   أجل ، وهل بقي شيء على حاله هنا ؟!، والقرية أصبحت مشوّهةَ الملامح ، خاوية العروش ، وأهلها ما بين قتيلٍ ، أو جريح، أو أسيرٍ ، أو مشردٍ ، أو طريد ، أو مفقود.

   الكلُّ يريدُ العودة بلا شك ، لكنَّ القرية لا تزالُ تفوحُ منها رائحةُ الدمِ والبارودِ ، ورائحةُ الموت أيضاً ، الموت الذي لا يزالُ يتسكعُ في كل تفاصيلِها بإمعان. 
  عائلتان كانتا قد عادتا فور استتباب الوضعِ ، إحدى العائلتين كان الحظ حليفها ، إذ تمكنت من الوصول إلى القرية بسلام دون أن تتعثر بأسلاك الموت الشائكة المنتشرة في كل مكان داخل القرية ، لكنها عندما وصلت لم تجد منزلها الذي عادت تهفو شوقاً إليه ، لقد تحوَّل إلى كومة ركام .. لقد أصبح أثراً بعد عين. عندئذٍ تلاشت فرحتهم بالعودة والوصول وتحطمت على صخرة المأساة الكارثة ، فباتوا في العراء لا مأوى لهم. 
   وأما الأخرى فقد كان نصيبُها من الموتِ ينتظرُها هناك ، وبدلاً من أن تستظلَّ تحت إحدى الأشجارِ التي زرعَها السلمُ قبلاً ، تعثرت بأحد الألغام التي زرعتْها الحربُ مؤخراً فحوَّلَها أشلاءَ متناثرةً قبل أن يحتضنَها منزلها الصغير الذي أجبرتْها الحرب على مغادرتِه ذات يوم. 
   إنها عائلة دنيا ، العائلة المقربة من عائلة يسري والقريبة نسباً وصهراً. فيا لمأساة العائلة ويا لفجيعة دنيا المسكينة التي لم تُشْفَ بعد من فقدان رضيعها حتى تفقد أهلها دفعةً واحدة. 
  إنها فاجعة ثقيلة ، بل كارثة لا تغفرها الأيام ، ولا تستطيع محوها السنون. مأساة أخرى تضاف إلى تأريخ العائلة المأساوي. ولكم أن تتخيلوا مشهد تلك العائلة التي كانت تقف كشجرة أصلها ثابت وفروعها المتدلية تنتشر في كل الجهات. من كان يتخيل يوماً أن شجرة كهذه ستتساقط فروعها فرعاً تلو آخر ، بهذه السرعة ، وبكل تلك السهولة ؟؛ لتصبح مثقلة بالمواجع ، تقف بمفردها عاريةً في مهب العاصفة.
  إنها لعبة الأقدار التي لا مستحيل أمامها . 
•••
   العائدون لم يكونوا يتوقعون أنهم سيعودون بتلك الفرحة لينكسروا مصدومين ، حين يستقرون ثانية بأرضهم وقد غدت فارغة من كل شيء. لم يكونوا يتوقعون أبداً أن فرحتهم ستصطدم بأهواء غلب عليها السوء والشر ، وأن خطواتهم العائدة سوف تتعثر بتراكمات الفوضى ، وركام الدمار ، وحفر الموت المنتشرة في كل مكان. 

  إنه أمر صعب جداً ، إحساسٌ فظيعٌ للغاية .. حين تسير على أرضية القرية فتشعر كأنك تسير في قرية أخرى غير قريتك ، تفتح عينيك لترى آثار الدمار حولك ، فتشعرُ كما لو أنك كنت في معركة كبيرة لا هوادة فيها، وأنك الناجي الوحيد ، يحسدك الجميع لنجاتك من الموت ، بينما أنت تكابد وتعاني مشقة البقاء على قيد الحياة. 
****

.

.

ــ 21  ــ 

  لم يستطع يسري أن يكتم أشواقه العارمة ، أن يوقف سيل مشاعره الهادر ، فهو كغيره يتحرق شوقاً ، يتطلع أملاً للعودة ، إذ لا شيء أحب للقلب ، وأهدأ للبال ، وأروح للنفس ، وأريح للروح من الوطن الذي عاش فيه ، وترعرع فيه ، وشهد لحظاته الأولى. لكنه وحتى لا يقع في ما وقع فيه غيره ، أو يصل إلى ما وصل إليه سواه من العائدين؛ فضل أن يتريث قليلاً على أمل أن تتحسن أحوال القرية وأهلها ، وحتى يتم كبح جماح الموت المترصد في طرقها وأفنيتها وباحاتها ، وكل شبر فيها. 
  بقي يسري متأهّباً يترقبُ كالمصلوب على قارعة الإنتظار ، يترصد الأخبار القادمة من القرية ، يتفحصها بدقةٍ واهتمامٍ لعلَّه أن يجد من بينها خبراً جميلاً مطمئناً ؟؛ لإنه - كما يبدو - غير مستعدٍّ للمجازفة الآن ، فلقد ذاق وعائلته قبلاً من صنوف المحن والمواجع ما يكفي ، بدءاً بفقد أبيه  وأخيه الأكبر ، ثم خروجه وعائلته من بيتهم مجبرين ، ثم فقد ابنه الرضيع ، مروراً بمعاناة الغربة ومرارتها ، وآخرها فقدان أصهاره عائلة دنيا بكاملها. ولذا لم يعد بمقدور من بقي من العائلة تحمل فاجعة أو خسارة أخرى.  
  وقف يسري مصوباً بصره ناحية الجنوب ، فهناك خلف تلك الجبال تقع قريته. لم يستطع كتم مشاعرِهِ تجاهها ، فأطلق العنان للسانه ليخرج كل ما في جعبته ، ويعبر عما يعتمل في خاطره من فائض الشوق والحنين قائلاً : 
  « اشتقتُ إليك كثيراً يا قريتي الحبيبة ، اشتقتُ لترابِك العطرِ ، لمائِك العذبِ ، لهوائِك النقيِّ ، لأنسامِك العليلةِ ، لنفحاتِك الزكيّةِ ، لأشجارِك ، لأحجارِك ، لكلِّ شيءٍ فيك. اشتقتُ إليك ، وأريدُ أن أعودَ إليك بلا شكٍّ ، لكنني تتقاذفُني الأفكارُ على منضدةِ عقلي مرتبكةً مشوَّشةً .. أفكّرُ كيف سنلتقي ؟، هل ما زلتِ تحترفين الإبتسام الذي عرفناهُ عنك قبلاً ؟؛ هل ستستقبلينَني بابتسامتِك المعهودةِ عندما أجيءُ ، أم ستكتفينَ بالمزيدِ من الوجومِ الداكنِ والصمتِ المتعبِ ؟، هل ستتحدّثينَ إليَّ كما كنتِ سابقاً ؟، أم ستكتفينَ بقراءةِ الدمعِ في عيوني دون أنْ تنبسي ببنْتِ شَفَة ؟. 
وماذا سأقولُ لك أنا أيضاً ؟.. 
   هل سأخبرُك كيف عِشْنا كلَّ هذا البُعدِ عالقينَ في الحزنِ والشرودِ ، في مخيّمِ القهرِ والفقرِ والضياع ؟، كيف عَلَّقْنا شرائطَ الفَقْدِ على جدرانِ  الروح ، وتركْنا للدموعِ شرائطَها الحمراءَ تلوِّنُ الملامحَ بحُريّة ؟. 

وعمَّ أحدِّثُك ؟.. 
   هل أحدِّثُك عن ألمٍ حلَّ بي ، عن فرحٍ غابَ عني ، عن خيباتٍ توالت عليَّ؟، أم عن اكتئابٍ أوقعَني في فخاخِهِ ؟!، أم عن حزنِ فراقِك ، ووجعِ بُعْدي عنك ؟!، أم عن اشتياقٍ عميقٍ يتوغل في حشاي ، لا يزالُ يتغذى على قلبي ؟. عن ماذا ؟!، عن ندمي ؟، عن همّي ؟، عن بكاء روحي ؟، عن خساراتي الكثيرة ؟!. عن ماذا أحدِّثُك ؟؟!..  
   لا يوجدُ لديَّ متسعٌ للحديث. أقفُ أمامَ الحزنِ حائراً ، كيف أضمِّدُ جرحاً كثير النزف كهذا ؟. كيف أواري سوأةَ الحزنِ العالقِ بالكلمات ؟، وكيف أداري وجعاً سَبَرَ متغلغلاً أغوارَ الروح ؟. 
   بُعْدي عنكِ أفقدَني شهوة العيش ، أفقدَني حلاوة الإستمتاع بكل شيءٍ حولي ، أفقدَني شعوري وإحساسي إلا بك. عزفتُ عن كل شيء ، وعفتُ كل شيء ، حتى الشمس من شروقِها إلى الغروبِ لم أعدْ أستمتعُ برونقِها ، ولا أشعرُ بدفئِها بعيداً عنك. كل الأكسجين سوى أكسجينِكِ ملوّث ، كل وجهٍ غير وجهِك مشوَّهٌ ، كل ماءٍ غير مائِك آسنٌ ، كل سماءٍ دون سمائك مظلمة ، كل فضاءٍ دون فضائك ضيِّق ، كل عيشٍ خارجَكِ كدَرٌ ، كل حياةٍ بعيداً عنكِ برزخٌ.»  
وحين آتيك !!.. 
 كيف سأقف أمامك ؟. 
 هل سأستطيع نسيانك ، أو تناسيك ؟. 
 هل يمكنني التخلي عن ماضيك ، وماضٍ كان لي فيك ؟!، وأنا الممتلئ بالذكريات حتى النخاع.
  أسير والذكريات حولي سياج دائري يحيط بي من كل الجهات؛ فأمشي نحو الماضي بعينين مغمضتين ، وذاكرة واحدة. 
   هنا .. عند هذه النقطة ، أجد الذاكرة تعود بي إلى مشهد شاهدته ذات يوم في محلات إنتاج زيت السمسم بالطريقة التقليدية. مشهد لجمل يدور بعينين مغمضتين طوال الوقت ، يطلق عليه العامة عادة ( جمل المعصرة ) ، حيث يوضع على عينيه رباط من القماش أو نحوه يمنعه من الرؤية؛ ليتوهَّم أنه يسير للأمام في خط مستقيم طوال الوقت ، بينما هو يدور حول نفسه باستمرار ، كلما انتهى من دورة بدأ أخرى دون أن يعرف حتى؛ أنه يدور في نفس الدائرة . 
  أجدني أصبحت أشبه ذلك الجمل إلى حدٍّ كبير. أدور حول نفسي دوائر مفرغة. لا أكاد أنتهي من آخر اسطوانة في شريط الذكريات حتى أبدأ إعادة تدوير الشريط من جديد. 
  وما محاولات النسيان ، والتشبث بالأوهام ، وإقناع النفس أن لا شيء تغير ، وأن الغد سيكون أجمل ، ما هي كلها إلا غطاء عينين ، يخفي عنا فجيعة الواقع والنتيجة المأساوية الحتمية التي نعجزُ عن الهروب منها .
 •••• 
  وهبي أنني أدخلت الذكريات ( الفريزر ) ، في محاولة أخيرة للخلاص منها ولو مؤقتاً ، هل ستستطيع الصمود في وجه التحرش المستفز ؟، هل ستحافظ على جمودها حين أسير على تلك الطرق التي اغتالت البراءة ، ووأدتها في مهدها ذات يوم ؟. وهل سأستطيع الوقوف أمام الدمار دون أن تتراءى أمامي صور البيوت واقفة شامخة البنيان ، وصورة الإنسان الذي كان يملؤها بهجةً وكفاحاً ؟. 
  وكيف للذكريات أن تجمد أو تخمد ؟، ومكان كل عثرة يتراءى صمود قائم ، ومكان كل حفرة أثر لطود شامخ أو صخرة باذخة. 

  وهبي أنتِ أيضاً أنك صرختِ في وجه الموت وهو يتجول في الأزقة كالباعة المتجولين : 
 – أن كفى عبثاً أيها الموت، 
  هل سيصغي إليك ؟!.
  هل سيتوقف عن شراء الأرواح ، وبيعها في السوق السوداء ؟. 
  هل سيتوقف نزيف النازحين إلى السماء ؟؛ كي ننسى ، أو نتناسى . 
  كيف للبشاعة وإن احتلت مكامن الجمال أن تمسح أثَرَهُ أو إرْثَهُ المتجذر في ذاكرة الزمان ؟، وكيف للخراب وإن طمس معالم العمران والإنسان ، أن يجتثهما معاً من ذاكرة المكان ؟. 
 وحدها الذكريات لا تمَّحي ولا تموت ، وحدها مكتوب لها الخلود. 
 •••• 
 لكنني آتٍ إليك لا محالة .. 
 قادمٌ إليك فافتحي بابك ..
  قادمٌ إليك .. إلى ليلك الجبلي البارد فمدي ذراعيك واحضنيني .. ضميني إلى صدرك الدافئ .. 
  عائد إليك من بلاد الغربة والضياع ، من مخيم الخوف والخيبة. فلا تدعيني واقفاً على عتبات الجرح. إن الغربة كانت موجعة .. فلا تجعلي العودة موجعة كذلك. »
**** 


.

.


ــ 22  ــ 

   لم يكن لدى يسري ما يشغله ، سوى أنه اعتاد اللجوء إلى الأقلام والأوراق؛ للهروب من الفراغ الخانق. لقد نشأت بينه وبينها علاقة حميمة ، يفضي إليها بأسراره الثقيلة ، وبآلامه وآماله ، وبهمومه وأحزانه ، وما يختلج في خاطره من مشاعر. إنها أصبحت الوسيلة المثلى لكسر الرتابة والملل ، وتخفيف وطأة الإنتظار وطوله. 
   إنها متنفسه الوحيد الذي اعتاده لقضاء وقته الرتيب في مخيم العناء والغربة والإنتظار ، وملاذه الدائم حتى من قبل أن ينتقل للعمل بالمنظمة ، بل منذ وطأت قدماه تراب المخيم ، وربما منذ غادر قريته. 
  إنه يخط ما يجول في باله من خلجات ، يصوِّر بعدسة الحروف أحزانه اليومية ، ويحول المعاناة إبداعات يسكبها على الأوراق بشاعرية ثرية الجمال ، فلا شيء أجمل ولا أصدق تعبيراً مثل أن تعبِّرَ عن شيء تعيشُهُ واقعاً ويعيشُك ، عن شيء لامسَ إحساسك، وأثَّر فيك سلباً أو إيجاباً. 
  ولا عجب في أن تجد النصوص على وريقاته تطفح عذوبة وجمالاً وإبداعاً ، فإنما « من رحم المعاناة يتولدُ الإبداع ».

 وها هو اليوم في أشد اللحظات وأصعبها ، ها هو يعيش الثالوث الخانق : الإنتظار ، والترقب ، والإشتياق. إنه بأمس الحاجة لما يشغله وينفس عنه في هذا الوضع العصيب. آنَ الأوانُ لممارسة طقوسه في قتل الوقت. آنَ أوان اللجوء للملاذ الآخر المعتاد ، آنَ أوان العودة للقلم والورقة. 
  ذهب يفتش بين قصاصات الورق عن وريقة بيضاء يفرغ فيها مشاعره الملونة ، فألهته فوضى الأوراق المملوءة بألوان المشاعر وخلجات الروح على امتداد الغربة. أخذ يقلبها؛ فانهمك بها ، وتلَّهى عن الكتابة ، وبدأ يقرأ ما خط فيها متسائلاً : أحقاً أنا من كتب هذا ؟!، أحقاً قد عشت هذا كله ؟!، وصار يقرأها ورقة تلو أخرى حتى استوقفته إحداها ، بدا يتأملها بذهول ، ثم صار يقرأها ، ويعيد قراءتها تمتمةً ، ثم صار يقرأها بصوت مسموع : 

هنا كلُّ المدى خِيَمٌ .. 
أفتِّشُ في زواياها عن الإنسانِ ، 
أبحثُ في زمانِ الغابِ عن أملٍ .. فلم ألحظْ سوى ألمِ 
هنا لا شيءَ يا قلمي 
سوى حلمٍ تزلّقَ فوقَ منحدرِ الضياعِ ،  
على بساطِ الريحِ يرتجفُ  
مع التيارِ ينجرفُ 
•••
هنا لا شيءَ يا قلمي 
سوى أسماكِ قرشٍ تستبدُّ بمائِنا ، ولها بهِ هي وحدَها الشرَفُ  
سوى تلك الطيورِ بجوِّنا ،
هو ملكُها ، ولمن عداها القاعُ ، والجيَفُ 
فتأمرُ فيه ، أو تنهى ، وتلهينا ، وتسلبُنا ، وتختطفُ 
وتفعلُ كيفما تهوى؛ فتشقينا ، وتنكرُنا ، وتقترفُ 
ولا تبقَى لدى حدٍّ ، ولا تقِفُ 
•••
هنا لا شيءَ يا قلمي 
سوى الأوجاعِ ، والإحباطِ ، والعدَمِ 
فدعْني للأسى ، والحزنِ ، والألمِ 
ودعْ صمتي يلفَّ فمي 
ولا تعذلْ ، ولا تلمِ 
فما الآمالُ إلا ( للسوى ) خُلِقَتْ ، فدعْهم يرتقوا الأسبابَ ، 
دعْهم في تملُّقِهم ، ودعني مفرداً علماً ، أعضُّ أصابعَ الندمِ .
**** 

.

.


ــ 23 ــ 

  في ذات يوم من أيام الإنتظار والترقب ، جلس يسري يتلقّف الأخبار كالعادة ، لكنها كانت قد شحت ، فلم تعد تأتي رياحها بما تشتهي أو لا تشتهي السفن. لأن الناس كانوا قد بدأوا بالعزوف عن تناقلها .. لقد ملوا من تكرار الأخبار نفسها كل يوم .

   كان معظم أهالي القرية قد عادوا إليها حينذاك ، وكانوا قد بدأوا مع مرور الأيام يألفون التغير الطارئ في ملامحها ، ويتكيفون مع وضع ما بعد الحرب. أو بالأحرى عادوا لممارسة حياتهم اليومية بشكل طبيعي دون اكتراث بالماضي ، بعدما أصبحوا متيقنين أن الإعتكاف في قوقعة الماضي لن يعيد شيئاً مما قد مضى . 
 أحس يسري لحظتها ، أن الوقت قد أصبحَ مناسباً. 

   كان لا بد أن تنتهي مرواغة الإنتظار ، وأن تكف عقارب الغربة عن الدوران. وكان لا بد ليسري وعائلته أن يحزموا حقائبهم معلنين عن انتهاء مواسم التشظي والفراق ، وابتداء موسم العودة المنتظر. 
وأخيراً سيعودون ..
  كانوا ينتظرون هذه اللحظة التي أوشكت كما لم ينتظروها من قبل. 
 نعم سيعودون ..
   مع نهايات الخريف .. مع بدايات الشتاء . 
 سيعودون .. 
   مع الحزن الغامض الذي يبطن حقائبهم ، والخوف الذي يغلِّفُها ، والشوق الحامض ، والحنين الجارف اللذينِ يحملانها .

   لن يكونَ الرجوعُ سهلاً بالتأكيد ، ولن تكونَ العودةُ إلى قريةِ الأشباح أقلَّ ألماً من مغادرتِها قبلَ أن تتحولَ إلى هذا المسمّى الطارئ المحدَث بفعل الحرب .. لكنَّ الحنينَ أكبرُ من كل الآلام ، وفوق كل الإعتبارات .. 
   فللحنينِ أحياناً سلطانٌ جامحٌ ، لا ينهزمُ أمام مجريات الواقع ، ولا توقفه مطبّاتُ الدروب ، ولا يعبأ بتهديدات المستقبل. إنَّهُ يمارسُ تدفُّقَهُ بانسيابٍ كالنهر في المصبِّ ، لا يبالي بأي شيءٍ يعترضُه ، أو يقفُ أمامَه. 
**** 

.

.


ــ 24 ــ 

   كانت الأمطار الغزيرة قد جرفت خط سير المركبات المؤدي إلى القرية ، ولم يتم إصلاحه بعد؛ فاضطر يسري وعائلته العودة سيراً على الأقدام. حينئذٍ ذهب يسري للبحث عن طريق آخر للمشاة؛ محاولاً الهروب من عبور نفس الطريق الذي جاء بهم ، لأن ذلك الطريق يكتنز لهم في طياته ذكريات تختزن أطناناً من الألم لا قِبَلَ لأرواحهم المثقلة الواهنة بها ، وخاصة دنيا التي أصبحت كريشةٍ في مهب الأسى .. لكنه لم يجد طرقاً أخرى ، إذ لا طريق للمشاة إلى القرية إلا ذلك الطريق المشؤوم الذي سلبهم أغلى شيء ، فلذة كبدهم ، وفرحة العائلة الوحيدة التي أتت بعد سنين الأسى والفقد. ذلك الطفل الرضيع الذي لا تزال صورته عالقة في أذهانهم. 

   تضاعف العبء على العائلة ، وكان النصيب الأوفر على عاتق كل من يسري وشغف حيث كان عليهما تحمل مسؤولية طمأنة دنيا ، وتحفيز روح الصبر والتحمل لديها ، عن طريق إلهائها بسرد بعض القصص والحكايات طوال الطريق ، إضافة إلى حمل الأمتعة عن كاهل الأم زكية الكبيرة السن ، ودنيا الكثيرة الحزن.  

   انطلقت رحلة العودة إذن. ومع أول خطوة دبت غيوم الرهبة ، وغشيهم الوقار ، وكان الجو غائماً بالفعل ، وكان مهيئاً - كحالهم تماماً - لأن يسكب دموعه بأي لحظة. 
 ها هم من جديد يشقون طريقهم الشاق عائدين. 
 ها هم يعبرون ثانية نفس الطريق الوعر سفح الجبل ، مارين بنفس المكان الذي جلسوا فيه آنذاك ، ثم المكان الآخر الذي كان - ذات يوم - شاهداً على وقاحة الحرب وجورها لدرجة وأد البراءة في مهدها دون رحمة. عند ذاك بكت العيون ، وأسبلت دموعها رغم كل محاولات حبسها ، وبكت السماء أيضاً؛ ليلتقي ماء العيون بماء السماء ، في موقف تغلبت فيه المشاعر على كل استعدادات الصمود والثبات. 

   في رحلة العودة لم تفارق خيال يسري الصورة التي كونتها تراكمات الأحداثِ ، والأخبار التي كانت ترده تباعاً عن القرية ، وأحوالها ، وحجم الكوارث التي حلت بها وبأهلها .. وبالطبع صار يتصور المشهد الذي يمكن أن يجدها عليه ، وكان يتحتم عليه أن يهيئ نفسه ، ويوطِّنها جيداً لمواجهة ذلك المشهد ، الذي سيكون كارثياً بلا شك. هذا بالإضافة إلى المآسي التي يحملها معه ، أو عاد بها من رحلة الضياع. 

   لا شك أن كل شيء في القرية يحمل له ذكرى من نوعٍ ما ، والذي كان يخيفه حقيقةً : أن تنبش تلك الذكريات مقابر الألم والأسى التي نصبها للنسيان ، أو اعتقد في لحظةٍ ما أنه قبرها .. 
   وكم هو مخيفٌ مواجهة الواقع لا سيما وأنت تعرف سلفاً أنه يحمل فيوضاً من الألم التي ربما ستغرقك ، وخاصة عندما تكون لا تجيد مهارة العوم .. 
   فعلى سبيل المثال ، تلك الأمكنة التي كانت تجتمع فيها عائلته وعائلة دنيا عند تبادل الزيارات تغرز في صدره ذكرى رحيل عائلة دنيا المفاجئ بأكملها ، وذلك السرير الصغير الفارغ يوقد في جوفِهِ ذكرى فقد طفله البكر ، وتلك الباحات التي كان يلعب فيها مع أقرانه تشعل في أعماقه حنيناً جارفاً لهم وقد ذهبوا ضحايا حرب جائرة .. بعضهم شهداء ، وبعضهم أسرى ، وآخرون مشردون في فيافي وقفار الضياع .. إلخ . 


 ها هي القرية أخيراً !! 
   بوجهها الشاحب المعفر بالبارود ، بملامحها الباهتة المشوهة ، بجدرانها المهشمة ، بترابها المعجون بدماء الشهداء ، بوجوه أهلها المغلفة بالوجوم. 

  ها هي القرية (ج) التي غادروها خمسة ، وعادوا أربعة. غادروها بطفل يبكي ، وعادوا بقلوب باكية. 

   لم يكن أحد في استقبالهم عند مدخل القرية ، ومن ترى سيستقبلهم ؟!، والعائلة الوحيدة المقربة التي كانت قد سبقتهم بالعودة ، قد رحلت بلا عودة. 
   كانت دنيا تتمنى أن تصل فتجد أباها عبيد ، وأمها زينب ، وأخاها حسان ، وأختها ماريا أمامها بصدور مشرعة ، وألسنة مرحبة ، وابتسامات مشرقة تنسيهم مرارة الغربة ، ووعثاء الرحلة. ولكن لا أحد هناك في هذا اليوم الإستثنائي سوى المزيد من الألم والخيبة ، والمزيد من الجراح التي لا تزال تكبر يوماً بعد آخر. 
**** 




.
.



 ــ 25 ــ 

   عاد يسري وداخلُه مثخنٌ بالجراح ، وخارجُهُ ذابلٌ كنبتةٍ في يومٍ عاصفٍ بأرضٍ قاحلة ، جدران روحِه مهشمةٌ ، وأركانه توشك أن تنهدَّ. 
   عاد والحزن يربت على كتفه ، والأسى يطرق باب صدره ليخترق قلبَه ، والحسرة تطارده كظله حيثما ولّى ، وعلى كاهله عبء ثقيل من الهم والخوف ..
   ولا عجب في ورود مفردة الخوف هنا .. فالخوف هو الوحيد الذي رافقه في رحلته خطوة بخطوة ، ولازمه لحظة بلحظة ، وشاركه سهر الليالي والأيام ، وأبى أن يفارقه قيد أنملة ، أو يتخلف عنه طوال رحلته ، من اللحظة الأولى لخروجه من القرية حتى لحظة العودة إليها ، وربما أبعد من ذلك .  

   أما الأم زكية فكانت طيلة الرحلة تتحسس مفتاح البيت الذي ظل معلقاً على صدرها كتميمة ، مربوطاً إلى جيدها كقلادة ، أو كصليب يتدلى على صدر كاهن لا يفارقه جل الوقت. وهي كذلك لم تنزعه عن صدرها منذ أقفلت باب البيت خلفها وغادرت. وكأنها كانت تريد أن لا تقطع صلتها بالبيت كلياً ، بل أن تظل على علاقة تواصل دائمة به من خلال ذلك المفتاح ، لكي لا تفقد إحساسها وأملها بالعودة يوماً. كانت تتهيأ للحظة الوصول ، حين تقف أمام الباب فتمسك بالمفتاح ، ثم تدخله في فتحة قفله ، ثم تديره؛ فينفتح على مصراعيه ، ليضمهم تحت سقفه ، ويغمرهم بدفئه ، ويأخذهم إلى عوالم أخرى من المشاعر التي حرموا منها منذ وقت ، وكانت تأمل أن تجد كل شيء من محتوياته في مكانه على الحال الذي تركته عليه.

   وعندما اقتربت من البيت ، ولم يعد يفصلهم عنه إلا بضعة أمتار ، أخرجت المفتاح ، وأمسكته بيدها استعداداً لفتحه. لكن عندما وقفت أمامه ، لم تجد قفلاً على الباب ، فاندهشت ، واندهش معها الجميع ولاحت عليهم علامات استغراب كثيرة. مدت يدها اليمنى لدفعه؛ فانفتح بسهولة ، ودخلوا جميعاً واجمين دون أن يتلفظ أيُّ أحد منهم بكلمة واحدة ، لقد انعقدت ألسنتهم من دهشة المفاجأة ، وانتشروا تلقائياً خلال الغرف يتحسسون محتوياتها .. وكانت المفاجأة الأكبر .. لقد اختفى كل شيء : الأسرة ، الدواليب ، السجاد ، الأقمشة ، الأثاث ، ماكينة الخياطة ، وكل الأشياء الصغيرة والكبيرة نهبت ، ما عدا سريراً صغيراً يقبع في أحد زوايا غرفة يسري .. بدا كزرٍّ لحقل من ألغام الحزن المنتشرة في دواخلهم ، بمجرد ما لامستْه عيونهم؛ انفجرت تلك الألغام مرة واحدة ، ليتحول البيت الخالي من محتوياته إلى بيت مليء بالحزن والدموع والأنين. 

   ومن المعلوم أن فقدان الممتلكات يجلب الحزن والأسى ، وأن العثور على جزء منها يعد انفراجةً أولى ، وعودةً لشيء من الفرح. لكن بقاء ذلك السرير من بين كل تلك الممتلكات الصغيرة والكبيرة لم يكن انفراجةً ، أو مدعاة للفرح ، بل كان حزناً إضافياً على كمِّ الحزن المكدس بعضه فوق بعض. وكيف لا ؟!، وهو سرير الصغير الذي ذهب بمعيتهم ، وعادوا من دونه. 

   وبرغم كمِّ الحزن ذلك؛ فقد شعروا أنهم أفضل حالاً من غيرهم ، فهناك عائلات انتهت عن بكرة أبيها ، وهناك أسر دُمرت منازلها فأصبحت بلا مأوى ، وهناك ممتلكات أكثر وأثمن من ممتلكاتهم قد نهبت .. وقد قيل « من رأى مصيبة غيره؛ هانت عليه مصيبته» . 
•••• 

   أما دنيا فبعد صدمتها تلك ، وفجيعتها تلك المتمثلة في فقدان عائلتها بالكامل؛ أصبحت هزيلة ، مغبرة الوجه ، مكفهرة الملامح ، لا تجف لها عين كلما خلت بنفسها ، وكانت في غفلة من عائلتها الثانية ( عائلة زوجها ) الذين كانت تحاول أمامهم أن تكتم حزنها الشديد ، وتبدو طبيعية ما أمكن؛ حتى لا تفجعهم ، وتحملهم أكثر مما احتملوا من المعاناة والآلام المتتالية حتى الآن ..
   لكنها وإن حاولت أن تبدو طبيعية ، وأظهرت قدراً من التماسك والصلابة ورباطة الجأش ، فإنها من الداخل هشة ، محطمة الأركان ، تتفصد ألماً وحسرة.
   إنها تحترق - وحدها - بصمت ، لأنها تدري أنها لو أخرجت النار التي في جوفها لأحرقت الأخضر واليابس ، وصيرت ما حولها جحيماً فظيعاً لا يطاق . 
   ولك أن تتخيل الحال التي سيكون عليها من فقد عائلته دفعةً واحدة ، في لحظة واحدة. كيف يمكنه - وإن حاول - التكيف مع هكذا حال ، أو التعايش معه بسلام داخلي ؟. تلك هي حال دنيا التي يصعب تخيلها ، أو وصف ما تمر به من وجع في الواقع. 

   في كل ليلة كانت تحلم بكوابيس فظيعة ترى فيها صور عائلتها وهم في أحوال وهيئات عديدة. مؤخراً - بعد العودة - أصبحت تراهم وهم يملؤون بيتهم القديم الذي أصبح خالياً ، خاوياً على عروشه بعد أن ذهبوا جميعاً إلى ربهم .. 

   كانت تستيقظ فزعةً بعد كل كابوس ، تجهش بالبكاء ، تتلفت؛ فلا ترى أحداً سوى سرير صغير في الجهة الأخرى من الغرفة ، والذي كان يفترض أن يشغله طفلها الراحل ، فتبكي وتنتحب حتى تبلل فراشها ، ويزداد نحيبها كلما رأت ذلك السرير الصغير يطفو كقارب في الظلام . 

   كانت تنظر إلى بيت أهلها الخالي المقفل من بعيد ، كانت تتحاشى أن تذهب إليه؛ خوفاً من أن يستيقظ ذلك المارد المكبوت في جوفها ، ويخرج من قمقمه ، فلا تستطيع إيقافه ، أو كبح جماحه ثانيةً ، فيدمر كل شيء .. 
   لكنها بعد ذلك الكابوس الذي رأت فيه عائلتها متجمعين داخل البيت ، تفجر لديها حنين عارم لرؤيته ، فتشجعت ، وقاومت خوفها ، وقررت الذهاب إليه ، وعندما وصلت فتحت الباب ، وبقيت لبرهة واقفة قبالته وهي تنتفض ، قبل أن تتحامل على نفسها ، وتتمكن من الدخول . 
   دخلت دنيا البيت ، فكانت المفاجأة التي لم تكن تتوقعها قط ، بعد ما رأت وسمعت مما جرى لمجمل بيوت القرية .. لقد وجدته ما زال محتفظاً بأثاثه وأمتعة أهلها التي خلفوها وراءهم عندما نزحوا ، تفوح روائحهم وتتجلى ذكرياتهم في كل زاوية .. إنه ما زال محتفظاً بأشيائهم : الأسرة كما هي ، الدولاب في مكانه بما فيه ، مرآة أختها هناك ، مكحلة أمها ، قلامة أظافر أبيها ، إلخ ..
  غمرت الأشجان دنيا ، وأصبحت رجلاها غير قادرتين على حملها؛ فجثت على ركبتيها ، وبكت ، ثم بكت ، ثم بكت حتى تعبت ، وتقرحت عيناها ، وحين تعبت بدأت تهدأ شيئاً فشيئاً ، إلى أن توقفت عن البكاء تماماً ، ثم مسحت بطرف كمها بقايا قطرات الدموع العالقة على وجنتيها ، وحاولت النهوض على قدميها مرة أخرى ، متوكئةً على نفسها ، ومشت نحو الباب مستندة إلى الحائط ، تاركة كل شيء على حاله. أقفلت الباب ، وعادت راجعة ، منهكة الخطى ، تجرر حسرتها ، متعبة ، ذابلة. 

   هكذا إذن!  يذهب أناس ثم يعودون وقد ذهبت أشياؤهم نهباً ، ويرحل أناس إلى غير رجعة وتبقى أشياؤهم شاهداً على غيابهم الأبدي ، وجرحاً ينكأ كل يوم. كحال دنيا تماماً .. إذ ذهبت عائلتها الأولى وبقيت أشياؤها ، وعادت العائلة الثانية ( عائلة زوجها يسري ) وذهبت أشياؤها. ومن العجيب أيضاً أن جميع محتويات منزل عائلة يسري قد نهبت ما عدا ذلك السرير الصغير. كأن القدر يقول : لن يبقى إلا ما يؤلمك ويوقظ جراحك يا دنيا. 
   إنها واحدة من المفارقات العجيبة ، بل واحدة من عجائب القدر .. تذهب أشياء لا يراد لها الذهاب ، وتبقى أشياء لا يراد لها البقاء. 

   في تلك الليلة كان بادياً على دنيا أنها تعاني كثيراً ، وتقاسي أوجاعاً ثقيلة في داخلها ، انعكست على شكلها الخارجي ، فكان واضحاً تغيرها الكبير بشكل لافت لا يمكن إخفاؤه .. وفعلاً تنبه يسري لذلك وأدرك مدى تأثرها ، وأحس بحجم معاناتها .. 

   تحلقت حولها العائلة لتواسيها ، وتهدأها ، وتطبطب عليها كالعادة .. لكن كان قد فات الأوان .. لقد انفجر البركان ، وقذف حممه ، ولم يعد رشاش المطر قادراً على إيقافه ، أو إخماده ..

   ذهبت إلى غرفتها باكراً ، ثم ارتمت على فراشها كالورقة الساقطة من غصن شجرة في خريف قاحل. ولا يزال ذلك السرير الصغير الفارغ قابعاً في مكانه بالزاوية الأخرى من الغرفة. صارت تنظر إليه بوهنٍ وضعفٍ ، وعينين مغشوَّتين ، تبذل جهداً كبيراً في محاولة رؤيته كلما اتجهت ناحيته وهي في الفراش. نامت سريعاً هذه الليلة لفرط التعب وثقل العناء الجاثي على صدرها. وما إن أرخت جفونها وأغمضت عينيها ، حتى هجمت عليها الكوابيس لكن بوطأة أشد هذه المرة .. فاستيقظت وهي تصرخ بين أغطية فراشها ، حاولت أن تجلس وتلتفت إلى السرير الصغير كما تعودت ، لكنها لم تستطع هذه المرة ، لقد فقدت القدرة على الحركة ، وفقدت إحساسها بأجزاء جسمها كلياً ، لقد شُلَّت بالكامل. 
   كانت تلك الصرخات نقطة تحول في حياة العائلة وفي حياتها هي بالذات ، انتهى معها عهد الحركة ، وابتدأ مشوار جديد مع ملازمة الفراش لا يعلم مداه إلا الله.

   كان الخير الوحيد المتأتي من تلك الصرخات في هذه الليلة بالذات هو حضور العائلة إلى جوارها للوقوف على المأساة ، ومشاهدة ذلك التحول الفجائي الذي نزل على يسري كالكابوس المريع الذي يصعب الإستيقاظ منه . 
**** 

   أجل ، القرية كئيبة ، الباحات والطرقات في أماسي شباط/ فبراير تبدو خالية من السمار أو المارة ، الجو بارد في كل الأنحاء إلا داخل البيت الحزين. إذ لهيب الحزن وجحيم المعاناة كفيلان برفع درجة الحرارة ، وتحويل الشتاء البارد خارج البيت إلى صيف حار داخله .. 

   إذ أنه .. ما إن تمكن يسري وعائلته من الإستقرار بالبيت ، وظنوا أنهم سيبدأون حياة جديدة تجُبُّ ما قبلها من عناء وأسى وعذاب ، حتى فوجئوا ببداية مرحلة جديدة من المعاناة والألم أشد وأقسى ، معاناة متواصلة ، يرونها ماثلة أمامهم كل يوم بل كل ساعة وكل لحظة. كل المآسي السابقة كوم ، وهذي الأخيرة كوم. لأن المآسي السابقة كانت وقتية ، بمعنى أن كل مأساة كانت متعلقة بحدث ما ، تحدث بحدوثه ، وتنتهي بانتهائه ، وما يبقى منها ويستمر هو أثرها فقط ، أثرها الذي يمكن التحايل عليه ، وتناسيه بين الحين والآخر. أما الحادثة الأخيرة فهي معاناة مستمرة يصعب التحايل عليها ، أو تناسيها. 

   إنها نهاية مأساوية لا أحد يعلم نهايتها تحديداً ، ولا أحد يدري إلى أي أمد ستستمر تلك المعاناة ، ولا إلى أي مدى ستصل قافلة الضياع في رحلة الضياع. 
.............
وضاح حاسر