الأحد، 23 أبريل 2023

جديد ... وضاح حاسر


ــ رحلة في مجاز اللون ــ

وجهٌ ، وخارطةُ الجمالِ تُصَلِّي
وأنا أسيرُ على البياضِ بمَهْلِ
من أينَ أعبرُني؟، سألتُ مواجعي
قالت: بدربِ الحَزنِ يركضُ سهلي
اركضْ برجلِكَ ثَمَّ مغتسلٌ دَنَا
أجلبْ بخيلِ رؤاكَ في إصطَبْلي

قلبي ملاذ العاشقين ، وقهوتي
منذُ اسمرارِ اللونِ كانت تَغْلِي
وتفورُ في رئةِ الدِّلالِ لتزدهي
شغفاً تُعَتِّقُهُ  مرايا  الوَصْلِ
كان المدى شفةً تعبُّ سَمارَها
لتضيءَ صبحاً في شفاهِ الكلِّ
في نشوةِ الفنجانِ رحلةُ عاشقٍ
أضناهُ في الترحالِ ضِيْقُ الرحلِ

اللحنُ عَنْقَدَ أيْكَهُ ، وأنا الذي
في حائطِ المعنى تشمْرَخَ نَخْلي
أنا كعبةٌ حولي يطوفُ مشاقري
سبعاً ، ويرفلُ في جهاتي فُلِّي
وأنا مزيجٌ من دَمِ الأخوَين قد
ضيَّعتُ بوصلتي بوادي النملِ
شجري يُرَوْنِقُهُ العقيقُ وروضيَ
السجَّادُ يسجدُ في جلالِ الغزلِ

تستلُّ حنجرتي الصدى سيفاً بلا
غمدٍ  تمرَّدَ عن  عناقِ الصقلِ
تنسلُّ من رئةِ الصبابةِ آهةٌ
سالت على صدري فأجدبَ حقلي
يتصبَّبُ النايُ الفتيُّ على فمٍ
صبٍّ ، رماديِّ الملامحِ ، كهلِ

زُفّي القوافي يا رؤى سنبلْتُها
دَلِّي مجازاتِ السنابلِ دَلِّي
غذِّي جياعَ البوحِ خبزَ قصيدةٍ
ظلَّت بمحرابِ الشغافِ تُصَلِّي
واسقي عطاشاكِ الحيارى رشفةً 
قد أرْشَفَتْهَا الروحُ ذاتَ تجَلِّي

قد جئتُ مُنْثلّاً أمدُّ مخاوفي
لجهاتِك الخضراءِ كي تَنْثلِّي
ولمحتُ فاتنةً فرَفَّت مهجتي
وتنفَّضت كالطائرِ المبتلِّ
شفَّافةً لا تعجبوا من طينِها
إنَّ الزجاجَةَ أصلُها من رَمْلِ
سبئيَّة الأعراقِ ، بِلقيسيَّة
الأحداقِ، واسعة الندى المُخْضَلِّ
قالت: خطاكَ البِكْرُ مَرَّت مُرَّةً
قلتُ: اغْمرِيها في جنَاكِ، وحَلِّي
قالت: خيولُكَ لم تعُدْ صهَّالةً
قلتُ: اقْرِئِيها مفرداتِ الصهلِ
قالت: وقلبُكَ لا اخضرارَ يُرى بِهِ
قلتُ: اصْنعِيْهِ على العيونِ النجلِ

قُدِّي قميصَ الحبِّ من دُبُرٍ، ستشهدُ
مقلتاكِ على براءةِ كحلي
ويداكِ  أولاهنَّ تقرعُ خافقي
شجناً، وأخراهنَّ تقرعُ طبلي

لا فاء في سِفرِ الهوى بَعدي كما
لا راء في حربِ المشاعرِ قبلي
أطفالُ قلبي يمضغونَ الجوعَ
فلْتضعي رغيفَ الحبِّ ضِمنَ الأكلِ

...............................................
...............................................
...............................................
...............................................

ــ أحاديث لخارطة اللهب ــ

أنا يا بلادي جئتُ يحدوني السغبْ
حبّاً على أطرافِ أحلامي اشْرَأَبْ
والحبُّ.. أحملُ فوقَ رأسي خبْزَهُ
جوعاً ، وقد أكلَ المدى منهُ، وعَبّ

سأقولُ يا ألفَ الزمانِ وميمَهُ/
أمّي/ ويا ألفَ الذرى، باءَ الذهبْ
سأقولُ أنَّكِ نجمةٌ تلهو على
جسدِ الخرائطِ، في تضاريسِ الحقبْ

سأقولُ أنّكِ فكرةٌ ضاقت بها
رئةُ القصائدِ والأغاني والخطبْ
يا لفظةً تحتلُّ قاموسَ اللغاتِ،
تسيلُ عطراً في زجاجاتِ الأدبْ

من معجم البلدان طرت حمامةً
بيضاء تهدل في سماوات العجب
طافت بوضاح تعتق من عصارة
حبه خمر الكلام المستحب
أفضت برقيتها على صندوقه
لتعيذه من شر ذي غسق وقب

سأقولُ في عينيكِ كُنْ فيكونُ
نافذةً لتاريخِ الجمالِ المصطخبْ

أنا من أتى بقميصِ يوسفَ فاصفحي
لا تقرئي سِفْري بفاتحةِ العتبْ
أحبو على أطرافِ أخيلتي، أمدُّ
قصائدي لتضيءَ ليلَ من اكتأَبْ
والبابُ سِحريُّ العيونِ .. طرقْتُهُ،
ونظرتُ والشبّاكُ بادٍ  فاحتجَبْ

شعري رغيفُ المتعبينَ، وضحكتي
فنجانُ قهوتِهم ، حديث من اغتربْ
ومدينتي تكفي لتصبحَ نخلةً
إن هزَّها التاريخُ تّسَّاقطْ رُطبْ

لا ذنبَ لي إن ضاقَ خطْوي إنَّ لي
قدماً مكبَّلةً بأحزانِ العربْ
تتسرّبُ الأحزانُ عمداً في دمي
فتضجُّ في رئتي أحاديثُ اللهبْ

ريحٌ تُعَرِّي شهوةَ الليمونِ في
شجري، وتفري كلَّ أغصانِ الطربْ
ألقي عصا وجعي؛ فتَلْقَفُني ،
تجفِّفُ صبرَ أيّوبي مناديلُ التعبْ

وتفيضُ من عرفاتِها صُوَرٌ تواري
سَوأةَ الذكرى بغربالِ الغضبْ

.......................................................
.......................................................
.......................................................

ــ نحتٌ في حجر الذكرى ــ

على مرفأٍ في الغيمِ آدَمُهُ شَتَا
وفي الكوخِ طفلٌ كُوتَ عُرْيٍ تكوَّتا
وشيخٌ ضريرٌ مدَّ عكَّازَ قلبِهِ
إلى ألِفِ الإثنين كي يوقظَ الفتى
لكي يبعثَ الدفءَ القديمَ، شموسُهُ
صبايا على الأبوابِ يَحْضُنَّ من أتى
*ـ*
كما ولجَ المرآةَ وجهٌ مجعَّدٌ
ومن علبةِ المكياجِ عادَ مُسَفْلتا
لقد ولجَ الثلجُ المساءَ بندْفِهِ
وعادَ جليداً مطلعَ الفجرِ مصلتا
*ـ*
ولمّا اعتراني الصمتُ عَرَّيتُ فكرتي
لتستنطقَ المعنى الخفيَّ المصمَّتا
لتوقفَني في سدرة البوح دوحةً
أجَمِّعُ أشباهي ، وظلِّي المشتَّتا

على حجَرِ الذكرى توقَّفتُ لحظةً
وأمسكتُ إزميلَ الحياةِ لأنحتا
لأرسمَ للأحلامِ شكلاً وهيكلاً
وأجتثَّ للأوهامِ بيتاً ومَنْبَتا
شنقتُ على حبلِ الغسيلِ حماقتي
وسمَّرتُ في سيخِ العناءِ التعنُّتا
ولي رئَةٌ غادرْتُها  مُتَنَفِّساً
هواءً ترابيّاً ، وجوّاً مُكَبْرَتا
*ـ*
شكوتُ إلى الفنجانِ نيرانَ قهوتي 
فقالَ: يداكَ اختارَتَاها وأوكتا
عبرتُ زُقاقَ الوهمِ وقتاً أعارَني
صباحاً هُلاميّاً ، وحلماً مؤقَّتا

أرتِّلُ ( أنِّي مَسَّني الضرُّ ) كلما
بمحرابِ صدري شاخَ صبرٌ وأخبتا

...........................................
...........................................
...........................................

ــ شيفرة سام ــ

كنخلةٍ عقِبَ الطوفانِ أنْبَتَها
والأرضُ جرداءُ تستجدي فسيلَتَها
كريمةٍ كلَّما مدَّ اليبابُ يدَاً
من فاقةٍ؛ وضعَتْ في الثغْرِ تمْرَتَها
كانت مشفَّرَةً كلُّ الجهاتِ إلى
أنْ جاءَ (سامُ ابْنُ نوحٍ) فكَّ شَفْرَتَها
*
توضَّأَ اليُمْنُ والإيمانُ في يَمَنٍ
لأنها طُهْرُ من يرتادُ وِجْهَتَها
لأنَّها نجمةٌ تهدي الحُداةَ.. لها
أمَّتْ شتائيَّةُ الإيلافِ رحْلَتَها
لأنها نغمةٌ تخضرُّ في وترٍ
وبلدةٌ رتَّلَ التاريخُ سُورَتَها
على صفيحِ التجلِّي الطُّهْرِ سمَّرَها 
وفي تخومِ الأغاني البِكْرِ  ثَبَّتَهَا
ومدَّها لجياعِ الضوءِ أرْغِفَةً
بِيْضاً وفي شَفَةِ الأحلامِ بَسْكَتَها
*
فوقَ اخضرارِ الروابي للندى لغةٌ
يعُبُّ كأسُ المجازاتِ ابْتسامتَها
من تَلّةٍ دلَّت الغيماتِ ذاتَ شِتَا
كشالِ درويشةٍ أرْخَتْ عباءَتَها
في ضفَّتيها استراحَ البُنُّ من كدَحٍ
وصبَّ في قدَحِ السُّمَّارِ سُمْرَتَها
*
سَأحتَفِيْ بِبلاديْ فِيْ النَّعِيمِ وَفِيْ
الجَحِيمِ .. في كُلِّ حالٍ عشْتُ جنَّتَها
تَسَارَعيْ يَا نُبُوءَاتِ المعارِكِ ، أَوْ
تَباطَئِيْ .. أرضُنا تجتازُ مِحْنَتَهَا
لم تخْشَ صاعِقَةَ الفوضى لأنَّ أبَاً
هناكَ مِنْذُ امْتِزَاجِ الطينِ أرَّتَهَا 
فكلّما صَهَرَتْهَا فتنةٌ نهَضَتْ
تضمُّ عُرْوَتَها الوثْقى ووحْدَتَهَا

*
أحتاجُ يا بلدتي أن تعشبي أملاً
يمدُّ جسرَ الرؤى كي لا يفوِّتَها
أحتاجُ أن تلبسي فستانَ جَدَّتِنا
أن تنهضي، أن تعرِّي -الآنَ- حكْمَتَها
وأن تحطِّي على أسوارِ معْبَدِها
شمساً تخطُّ الجهاتُ البيضُ سيرَتَها
بِلقيسُ أمُّ نساءِ الأرضِ، ما امْرَأَةٌ
إلا احتستْ من دِلالِ المجدِ قهْوَتَها

...........................................
...........................................
...........................................

ــ وجع الخرائط والدم ــ

روحي على سوْرِ المدينةِ واقفَةْ
ترنو  وقد نشَرَ الحنينُ صحائفَهْ

ترنو  إلى طُرُقٍ  مبلَّلةِ  الخـطى
والفكرةُ الظمأى  تُهرْوِلُ ناشـفَةْ

وأسـى  بقلـبي  كلَّــما  واريـتُهُ
عـرَّتْهُ للرائي  العيونُ   الذارفَةْ

وطـنٌ يُهرَّبُ في حقيبةِ خـائنٍ
متلوِّنٍ ، أو في ثيـابِ فلاسـفَةْ

ودَمٌ  يسافرُ في الخرائطِ هائماً
أنساهُ صوتُ القاطراتِ عواطفَهْ

ورؤى يُغطِّيها الجليدُ؛ فتختفي
حيناً ، وتبْعثُها الليالي الصائـفَةْ

وأنـا أُضـَمِّدُ جُرحَ قلـبي  بالنـدى
فتضجُّ في صدري مشاعرُ جارفَةْ

أصغي إلى صوتِ المغنِّي عازفاً
شجناً وقد سـكَنَ الأنينُ معازفَهْ

وجَعُ الخرائطِ  لم يعدْ يكفي لأنْ
يستوعبَ الدَّمُ كلَّ ذكرى خاطفَةْ

  **ـ**

تلك الشقوقُ على الجدارِ خلالَها
تتـسـلَّلُ الأشــباحُ ، تدنـو دالـفَةْ

تتخصّرُ الموتَ احترافاً  والورى
يصغي لوقْعِ الخافـياتِ الناسفَةْ

وترى المديـنةَ في الركـامِ كأنَّها
كأسٌ مهشَّـمةٌ ، وذكرى راشـفَةْ

تستنشقُ البارودَ من رئةِ الوغى
لهبــاً ، وتزفـرُهُ  جـراحـاً نازفَـةْ

تجثـو وقـاراً ثُمَّ تصـحو؛ ترتوي
نضجاً، وتكسوها الظلالُ الوارفَةْ

يتسـاءَلُ التـاريخُ عن سـِرِّ الذي
ألـقـى عليـها شـالَـهُ ومعـاطـفَهْ
  **ـ**
ما زالَ في الصلصالِ يبحثُ مُتْعَبٌ
عن آدمٍ وسـطَ الريـاحِ العـاصـفَةْ

في راحتَيهِ حمامتانِ ، وغصـْنُ
زيتونٍ ، ونفـسٌ للمحـبّةِ غـارفَة

***ـ***
...........................................
...........................................
...........................................

ــ وكز السؤال ــ

قد جفَّ في شفتي المحيطُ الهادئُ
لا ماءَ في كأسي ليروى الظامئُ
يا جرَّةَ الماءِ استعدِّي هذِهِ
بئرٌ معطَّلةٌ ، وجرحٌ ناتئُ
ودَمٌ تجمَّدَ في عروقِ تساؤلي
مذ أيقظَ الكلماتِ دمعٌ طارئُ
فتنفَّضَتْ كالطيرِ من بللٍ، وأودى
بي الحنينُ المستبدُّ العابئُ
متسلحاً بمبادئي طفْتُ المدى
فتنكَّرَت لي حين عدتُ مبادئُ
متوشحاً حلمي العريضَ مشيتُ
والدنيا انسدادٌ وامتدادٌ صابئُ

أسريتُ.. لم ترسمْ مخيِّلَتي الطريقَ
إلى المضيقِ ، ولم يرفَّ الشاطئُ
أصغيتُ.. لم تدركْ حواسي الخمسُ
أبعادَ الدروبِ ولا القطارُ يُفاجئُ
لم تخْتَطِفْني فرصةُ التحليقِ من
صمتي السحيقِ ولا الزمانُ يُكافئُ

متوكئاً عكازتين : مشاعري
وأسى له ثغر الحقيقة قارئُ
بعصاي أرصفةً أهشُّ ولم يزلْ
يكز السؤال مشاعري ويناوئُ
من أين أخرجُ من تفاصيلِ العنا
وإلامَ يغريني المسارُ الخاطئُ
منّي إليَّ أفرُّ ظمآنَ الخطى
وكأنما بعضي لبعضي لاجئُ
وأخبِّئُ الأشواقَ خلفَ أضالعي
فتشيْ بها خلف الضلوعِ مخابئُ

...........................................
...........................................
...........................................





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق