الوجع الذي لم يكتمل
( مجموعة قصصية )
وضاح حاسر
ـــ بين خطوتين... وطن ـــ
كانت الحقيبةُ لا تسعه، كما لو أنها ترفضُ أن تحتضن رجلاً لم يعد يعرف كيف يكتب اسمه دون أن يرتجف. حشر فيها ما بقي من أيامه: ثيابٌ تئنُّ برائحة الطين، كتبٌ تآكلت من الانتظار، ورسائل بلا عنوان. وحده صوت أمه ظلَّ يتدلّى كتعويذةٍ من سماء القلب:
– «لا تبتعد عن الدرج الحجري يا سامر، هناك كنتَ تضحك...».
حاول أن يحشو ذاكرته في الجيب الداخلي، لكنّها تساقطت منه كسقوفٍ تتهاوى. لم يتبقَّ منه سوى نصفِ قلبٍ... والنصف الآخر ظلَّ معلقاً على شقوقِ بابٍ لم يُغلق يوماً، رهينَ طفولةٍ لم تُشفَ.
قالت أمه وهي تُخبئ نحيبها في كوفيّتها:
– «لا تبكِ، لا تجعل للمنافي طعمَ الندم.»
لكنها لم تكن تدري أن الرياح هناك لا تكتفي بكسر الأجساد... بل تذروها رماداً، وتعيد ترتيب الوجع على مقاسِ الغربة.
**
سامر، الذي لم يعد له مكانٌ حتى في اسمه، جرَّ ظلَّه إلى مدينةٍ تلمعُ مثل جثةٍ مغسولة. لم تكن المحطة سوى بابٍ لممرٍّ بارد، لا يشبه الحياة ولا يشبه الموت. وجهٌ لا يعرفه ينتظر ختم جوازه، وعيونٌ لا تسأل عن شيء.
استأجر غرفةً تطلُّ على حديقةٍ منطفئة، ميتة. كل شيء فيها مرتبٌ كأنّ أحداً لم يسكُنها من قبل... أو كأنّ من سكَنها خرج منها قطعةً قطعة. صاحب البيت رجلٌ لا يقول إلا كلمةً واحدة: "فيرشتين؟" —كلمة ألمانية تعني: "هل فهمت؟"—، وكان يكررها كمن يطمئنُّ على بقاء الجهل بينهما.
في المطعم، كان يحمل الصحونَ بحذرِ من اعتادَ حملَ وطنٍ فوق كتفيه. الكلماتُ الإيطالية ترنُّ في أذنه كلكنةٍ مستوردةٍ للخرس. "إسبريسو"، "بريما"، "غراتسيه" وتعني على التوالي: "مشروب قهوة مركز"، "ممتاز أو جيد جداً"، "شكراً"... لكن لا كلمةً واحدة تشبه "أمي"، أو "خبز التنّور"، أو "يا ولدي... احترس من الليل".
كل مساء، يعود إلى غرفته، يصنع شاي نعناع كما لو كان يُقيم طقساً مقدساً، ويكتب رسائل لا يرسلها. إحداها كتب فيها:
«أمي، لستُ بخير، لكني أتنفس... بالكاد.»
**
في الشارع، كان يعبر كمن يمشي على خيطٍ بينه وبين العدم. نادته موظفةُ اللجوء:
– «سيمر يوسف؟»،
فضحك بصمت، وابتلع تصحيحه. ربما الأسماء أيضاً تُهجَّر وتُغترب وتُنسى.
في الليل، كان يسمعُ شبحَ العالم من خلف الجدران: ضحكةٌ سلافية، بكاء امرأةٍ تنادي أحداً في اللاشيء، موسيقى من راديو بعيد. لكنه لم يسمع أحداً يناديه باسمه.
فسأل نفسه:
– «هل ينجو الإنسان من المحو إذا لم ينادِهِ أحد؟»
– «هل الغربة أن تمشي بين الناس كأنك دخانٌ لا رائحة له؟»
**
الشتاء هنا لا يشبه القصائد. الثلجُ يدخل حذاءه مثل لص، والنار لا تدفئ ما لم يكن في القلب فتيل.
وفي المطعم، صار يحفظ الوجوه كمن يحفظُ صفحةً ممزقة من حياةٍ ليست له.
• امرأةٌ تقرأ كتاباً بلا عنوان.
• رجلٌ يتكلم وكأنه يصرخ.
• عجوزٌ يطلب كل يوم الطبق ذاته، كأنّه يتشبّث بتفصيلٍ صغيرٍ لئلا يُنسى.
سأله زبونٌ ذات مرة:
– «من أين أنت؟»
تجمّد. أيُّ وطنٍ سيذكر؟ ذاك الذي لفظَه، أم هذا الذي لا يحفظ اسمه؟
أشار إلى السماء:
– «من هناك.»
كأنّه غيمٌ بلا جهة.
**
في مساءٍ شاحب، لمح وجهاً خلف النافذة المقابلة. فتاة تجلس على كرسي خشبي، لا تقرأ، لا تكتب، فقط تسكنُ صمتها كما يسكنُ الحزنُ القلوب التي عرفت كثيراً من الصوت.
كان يراقبها من نافذته، يسمّيها "ليلى"، لأن الاسم وحده يحمل نصف أمه، ونصف نشيدٍ قديمٍ كانت تدندن به وهي تغسل الغياب.
أراد أن يطرق بابها، أن يقول:
– «أنا لاجئ من صوتي... هل تسمعينني؟»
لكنه بقي بعيداً، كمن يخاف أن يفسد الحلم بالاقتراب.
وكتب لها ذات ليلة:
"ليلى،
لا أعرف من أنتِ،
لكنّكِ تشبهين الذكرى حين تخجل من البقاء،
والأمل حين يتنكّر في هيئة عيونٍ لا تنظر إليك."
وفي صباحٍ آخر، دخلت "ليلى" المطعم. كانت تشبه انتظاراً نسي صاحبه سبب الانتظار. قالت بصوتٍ ناعمٍ يشبه الأرض بعد المطر:
– «قهوة عربية... إن كنتم تعرفون كيف تُعدّ.»
– قال وهو يبتسم لأول مرة: «عندي قِدرٌ نحاسيّ، يشبه أمي أكثر منّي.»
– قالت: «اسمك؟»
– أجاب كمن يخرج من غيبوبة: «سامر.»
كرّرته ببطء، كمن يتذوّق شفاءً:
– «سامر... إذًا لستَ شبحاً.»
صار يصنع لها القهوة كما يصنع الذاكرة، رشفةً رشفة. يتحدثان عن مدنٍ محاها الرصاص، عن مكتباتٍ احترقت، عن أغاني كانوا يسمعونها خلسةً وكأنها تهمة.
– قالت: «هذا البلد يشبهُ صالة انتظار بلا أبواب.»
– فأجاب: «لكن حضورك جعل المقعد أقلّ برودة.»
**
ذات صباح، وصلت رسالة من صحيفةٍ عربية: «نودّ نشر مقالك: 'المنفى الذي يسكننا'.»
– قال لها: «أريد أن أكتب عن أمي، عن قهوتك، عن نافذتك المغلقة، عن اسمي حين نطقتِه كأنكِ تعيدينني للحياة.»
– قالت: «اكتب... سأكون ظلّك الذي لا يختفي.»
**
في رسائله إليها كتب:
«الغربة ليست مكاناً، بل ثقباً في القلب.
لكنّكِ، بطريقة ما، جعلتني أضع إصبعي عليه دون أن أنزف.»
ثم جاءه خبر من الوطن:
«أمك ماتت، وكانت تقرأ مقالاتك بصوتٍ مرتعش، تقول للجيران: 'ابني صار يعرف كيف يقول الوجع'.»
عاد. وضع الرواية على قبرها، وهمس:
«أماه، عدتُ، لا كما خرجت، بل كمن عثر على ذاته في ضياعه.»
**
الغربةُ لم تنتهِ. لكنها صارت أليفة، كندبةٍ نعرفها جيداً، نحملها بين خطوتين... ووطن.
••••
ـــ الخريطة الأخيرة ـــ
كان عادل رجلاً بلا ثغرات، شخصاً تشكَّل من الخرائط والخطط واليقين، مهندساً يُحسن رسم المدن كما يحاول أن يُهندس حياته بدقَّة السنتيمتر. عاش عمره يرفض الفوضى، يزرع النظام في كل شيء: في مكتبه، تتدلى خرائط المدن كشواهد قبور لمستقبل لم يكتمل. في بيته، تُرتّب الأحذية باتجاه واحد، وكأنها تستعد لرحلة لا عودة منها. حتى أنفاسه كانت تُحصى... قبل أن يكتشف أن السرطان لا يُحسب، ولا يخضع لقواعد وقوانين الرياضيات.
بدأ كوخزة قلم رصاص على ورقة بيضاء. تجاهلها، كما تجاهل كل الأشياء الصغيرة التي لا تتفق مع معادلاته. لكن الوخزة صارت ثقباً. والثقب صار نفقاً. والنفق صار جحراً أسود يبتلع سطور حياته واحداً تلو الآخر.
في المستشفى، كان الطبيب يقلب صور الأشعة كمن يقلب أوراق لعبة خاسرة. قال الكلمة التي لا تحتاج إلى تعريف:
"سرطان".
فهم عادل فوراً أن هذه هي المرة الأولى التي تُعلن فيها الرياضيات استسلامها.
ثم بدأ العد التنازلي... أصبح بيته معادلةً جديدة:
• سنا (زوجته) = صمت + دموع مُخبأة في طيات المناديل.
• الأطفال = أسئلة معلقة مثل ثمار على شجرة ميتة.
• وهو = رجل يحاول إصلاح ساعته الرملية بينما الرمال تتساقط من بين أصابعه.
في جلسة العلاج الكيميائي، كان السائل البارد يتسلل إلى عروقه كحبر أسود يمحو سطور حياته. التقى سلمى (الفتاة التي تضحك على كرسي متحرك).
سألها:
– «كيف تبتسمين للشمس وأنت تعرفين أنها لن تشرق لك غداً؟»
أجابت:
– «لأن الظل لا يستطيع سرقة الضوء الذي حملته في عينيك اليوم.»
في ليلة ما، انفجر كبركان خامد: حطم المرآة؛ لأنها رفضت أن تعكس سوى شبحه. رمى كل أدويته كأنها أحجار على قبره الذي يحفرونه له ببطء. ثم بكى... بكى لأنه اكتشف أخيراً أن الموتى وحدهم من لا يخافون السقوط.
قبل أيام من النهاية، رسم خريطة أخيرة:
• طريقٌ إلى غرفة الأطفال: (2 خطوة) اقرأْ لهم قصةً ما قبل النوم وانسَ أنك لن تراهم يكبرون.
• طريقٌ إلى قلب سنا: (1 نظرة) احتضنْها كما لو أنك تصلح كل السنوات التي لم تحضنْها فيها.
• طريقٌ إلى السماء: (0 إحداثيات) لأن بعض الرحلات لا تحتاج إلى خرائط.
كتب في دفتره:
«السرطان يسرق الجسد، لكنه يترك لك سرقة اللحظات.
فلا تُعطِهِ أكثر من حصّتِه.»
في الصباح البارد، فتح عينيه على صوت أطفاله يضحكون في الغرفة المجاورة. أغمضهما وهو يبتسم.
كانت هذه هي المرة الأولى التي لا يخشى فيها أن يغفو... لأنه علم أخيراً كيف يستيقظ.
في الليلة الأخيرة، جمع عائلته حوله. نظر إلى كل وجهٍ يحبُّه، حاول حفظ كل تفصيل، كل خطّ، كل ابتسامة. ابنته الصغيرة سألته بسذاجة الأطفال:
– «بابا، هل ستذهب إلى حيث ذهبت جدّتي؟»
احتضنها بقوة، وشعر بدموعها تبلل صدره. كتب في دفتره كلماته الأخيرة، ثم أغمض عينيه للمرة الأخيرة، وهو يعلم أنه أخيراً وجد النظام الكامل الذي كان يبحث عنه طوال حياته - في الفوضى الجميلة التي تسمى الموت.
في الصباح، عندما وجدتْه سنا نائماً بسلام، عرفت أنه لم يمت، بل انتقل فقط إلى حالةٍ وجوديةٍ أخرى. على الطاولة بجانبه، كان الدفتر مفتوحاً على الصفحة الأخيرة حيث كتب:
«تعلمت أن الحياة ليست مسألة طول، بل مسألة عمق. والموت ليس نهاية الرحلة، بل توقيع على إثبات أنك عشتَها حقاً».
............
– ظل الوردة –
استيقظت سُهى على صمت الصباح الباكر، قبل أن ينهض أول عواء للمنبه. لم يكن إيقاظاً طبيعياً، بل كان اقتحاماً لوحش صامت تسلل إلى فراشها. إرهاقٌ غاشم، ثقيل كالحجارة الرطبة، تسلل إلى نخاع عظامها. وقفت أمام مرآة كانت تعرف وجهها فيها منذ ثلاثين عاماً. لكن الوجه الذي رأته كان لغزاً؛ عينان مجوفتان تحفران أخدودين تحت الجفون، وبشرة شاحبة كالورق القديم. حاولت أن تلملم أشلاءها، وضعت القليل من الكريم الأساسي وكحل العينين، محاولة إقناع الانعكاس بأنها لا تزال هي. همس صدى صوتها في رأسها:
– «إنه التعب... لا شيء أكثر.»
في المطبخ، بين همس الشاي على النار وتنهدات أم كلثوم في الراديو، انقض عليها سعال جافٌ متوحش. سعلت حتى انحنى ظهرها. توقفت، تلتقط أنفاسها، ثم جلست على الكرسي الخشبي العتيق، كرسي أمها. نظرت حولها إلى أطباق الإفطار الملونة والوردة الصناعية في كوبها الزجاجي. شعرت أن هذه الحصون التي تحميها من فوضى الوجود قد خانتْها.
– «ماما!»
صوت ابنتها "رجاء" قادم من الأعلى، حادٌ كعمر السادسة عشرة. أجابت سُهى بصوت مبحوح:
– «أنا في المطبخ. أسرعي يا حبيبتي، ستتأخرين.»
نزلت رجاء كالإعصار، تفحصت أمها بنظرة حادة.
– «وجهك أصفر، يا ماما. لماذا ترفضين زيارة الطبيب؟»
كانت الكلمات كالسكاكين. ضحكت سُهى ضحكة خفيفة:
– «لا شيء يا قلبي، ربما فقر دم.»
ولكنها شعرت بشرخ صغير ينفتح في كيانها. وضعت عليه لاصقاً من كذبة بيضاء، تلك الكذبة الأمومية المقدسة.
غادرت رجاء وكأنها تطير من ساحة معركة. وجدت سُهى نفسها وحيدة في صمت مطبق. أغمضت عينيها وشعرت بأن جسدها، ذلك الحليف القديم، قد خانها. لم يكن مجرد تعب. همست في الصمت:
– «أنا لستُ بخير...»
ولم يكن أحد يعلم أن الوردة لا تذبل بين ليلة وضحاها، بل تبدأ من الداخل.
كانت العيادة بيضاء بلا رحمة. جلست سُهى على كرسي أصفر باهت تحت ضوء النيون الذي ينزع السرية من كل شيء. الصمت ثقيل، يتخلله همس الأوراق. في يدها، أوراق التحاليل كانت ثقيلة كالصخور. لم يكن خوفها من الموت بقدر خوفها من أن تصبح مجرد رقم في ملف طبي. تريد أن يبقى أحدهم ليسأل: كيف كانت تضحك؟ ماذا كانت تحب؟
– «سُهى أسعد!»
انتفض قلبها. دخلت الغرفة. الطبيب، رجل في الخمسين، هادئ إلى درجة مريبة. نظر في ملفها طويلاً، ثم قال بتؤدة:
– «التحاليل أظهرت مؤشرات غير طبيعية... نحتاج إلى فحوصات إضافية. هناك احتمال... احتمال وجود ورم ليمفاوي.»
– «ورم؟» كاد صوتها ينقطع.
– «نعم.ليس مؤكداً بعد.»
– «هل هو...خبيث؟»
نظر إليها، وكانت الإجابة في صمته قبل أن يهز رأسه موافقاً بشيء يشبه الاعتذار.
في تلك اللحظة، شعرت أنها لم تعد سُهى. أصبحت مجرد جسد، ساحة حرب. خرجت من الغرفة وكأنها تسير في حلم. جلست في سيارتها وانفجرت في بكاء صامت. همست الكلمة لأول مرة:
«سرطان...»
ثم تساءلت:
«هل يمكن لوردة أن تكون سامة من الداخل؟»
الألم زائرٌ وقح لا يطرق الباب. منذ الجلسة الأولى، شعرت سُهى أن جسدها قد سُلب منها. كان السائل الأصفر يتسلل إلى عروقها كالذهب المسموم. بعد الجلسة، صار الغثيان رفيقها الدائم، والطعام ذكرى بعيدة. في المرآة، رأت شحوباً يتسلل إلى ملامحها. حتى الابتسامة صارت مجهوداً عضلياً شاقاً.
وفي ليلة سوداء، تساقطت أول خصلة من شعرها. لم تبكِ. نظرت إلى الخصلة البنية في كفها، ثم وضعتها في صندوق صغير وكتبت عليه:
«أشياء لم تعد لي.»
"رجاء" كانت تتراجع خوفاً. تضع السماعات في أذنيها، تهرب من غرفة إلى أخرى. لم تتعلم بعد لغة المرض.
لكن في العتمة، كان هناك بصيص. صديقتها "سارة"، كانت تأتي محملةً بالدفء. في أحد الأمسيات، جلسَتْ سارة تمشط ما تبقى من شعر سُهى برقة، وهمست:
– «أتعلمين؟ أنتِ أجمل الآن... كأن المرض نزع عنكِ كل الأقنعة.» ضحكت "سُهى" بتعب:
– «بل نزع كل ما يحب الناس رؤيته فيّ. لم يتبق سوى الهشاشة.» فأجابتها سارة:
– «وأنا أحب هشاشتك.»
تلك الكلمات كانت كالمنقذ. لأول مرة، شعرت أنها تُرى... تُرى كإنسانة خائفة، لا كمريضة مجهولة. كتبت في دفترها: "أنا موجة. قد أرتطم بالصخور، قد أنكسر، لكنني ماء... والماء لا يُكسر. سأقاوم... حتى آخر نفس."
صار جسدها ساحة معركة صامتة. استيقظت على ألم حاد في كتفها، كأن سكيناً يغوص ببطء. تساءلت:
– «هل سأعتاد على هذا الغريب الذي يسكنني؟»
لم يكن النوم حليفاً لها. فتحت هاتفها، تقرأ قصص نساء يعانين نفس الألم. إحداهن كتبت: "السرطان لا يسرق حياتك دفعة واحدة، بل يسرق نومك، شهيتك، شعرك، ضحكتك... لكنه لا يستطيع أن يسرق قلبك إلا إذا سلمته إياه." همست:
– «لن أسلمه قلبي.»
زارتها الطبيبة النفسية، امرأة شابة بنظارة دائرية وهدوء يشع أماناً. قالت لها:
– «لا أريد منكِ سوى أن تحكي.»
ترددت "سُهى"، ثم انهمرت الكلمات:
– «أشعر أنني أراقب جسدي يموت من زاوية الغرفة. أريد أن يفهم هذا المرض أنني لا أقاتل لأعيش فقط، بل لأبقى أماً، امرأة، إنسانة لم تكمل قصتها بعد.»
قالت الطبيبة:
– «هذا الجسد سيحمل ندوب الحرب، لكنه سينتصر.»
تساقط شعرها بالكامل. نظرت إلى نفسها في المرآة، إلى رأسها العاري، وقالت:
– «لست أقل جمالاً. الجمال هو في البقاء.»
وفي مساء، وقفت على الشرفة، شعرت بنسيم يلامس فروة رأسها لأول مرة. ضحكت:
– «الآن أدري لماذا يقال 'نفذ إلى رأسه'... أشعر به يدخل حقاً!»
كانت تضحك. لا لأن الألم زال، بل لأنها أدركت أن الضحك هو السلاح الأخير للإنسان أمام العبث.
أقسى من الألم كان ذلك الصمت الذي استقر بينها وبين "رجاء". كانت الفتاة تبتعد كأن أمها تحمل طاعوناً. وفي ليلةٍ جلست "سُهى" وكتبت: "إلى رجاء...أعلم أن هذا صعب. أعلم أن رؤيتي هكذا تشبه خيانة طفولتك. لكني هنا. لا أطلب منك أن تكوني قوية، فقط اقتربي. اجلسي بصمت، المسي يدي. وجودك هو الدواء. أنا أقاتل من أجلك. أحبك أكثر مما تتحمله الكلمات."
وضعت الرسالة في ظرف وردي على طاولة رجاء. في الليل، قرأتها رجاء... ووقفت دقائق طويلة. ثم جلست بجانب أمها النائمة، غطّتها، ولمست يدها. كانت اليد دافئة رغم كل شيء.
في الصباح، وجدت "سُهى" ورقة بخط ابنتها: "آسفة لأنني كنت بعيدة. لم أعرف كيف أقترب دون أن أبكي. لكني سأتعلم. وسأبقى معك." في ذلك اليوم، كان ابتسام "سُهى" هو أقوى علاج تلقته.
في الطابق الرابع، حيث تقع "غرفة الزجاج"، ذلك المكان المعلق بين عالمين، دخلت "سُهى" على كرسي متحرك يدفعه الممرض "مراد"، الذي قال لها:
– «أحياناً نُعطى الحياة على جرعات... المهم أن نأخذها حتى النهاية.»
في الغرفة، رأت وجوه الحرب:
• "أبو داوود"، الشاعر العجوز الذي يكتب قصائد لابنته ولا يرسلها.
• "ديمة"، الفتاة العشرينية ذات الشعر المستعار الزهري التي تضحك في وجه الموت.
• "سليم"، الصبي ذو العشر سنوات، وأمه التي تقبل يديه كأنها تمسك بالرمق.
هنا، لم يكن المرض هو القاسم المشترك، بل ذلك الأمل المتواطئ الذي يسرق من الظلم لحظات نور. شعرت "سُهى" أنها ليست غريبة.
ناولها أبو داوود قصيدة:
"تمشين قدامي..
رأيتِك في الممرّ...
جميلة رغم الشحوب،
قوية رغم الهشاشة.
مَن قائلٌ إن الورود تموت إن قُطِعت؟!
بعض الورود -سهى- تموت لتُزهرا
في المزهرية أكثرا."
ضحكت وقالت:
– «لو كنت وردة، لكنت شوكية!»
فأجاب:
– «وما أجمل الورد حين يؤلم من لا يحسن قطافه.»
أحبت "سُهى" غرفة الزجاج. هناك، في قاع المعاناة، كانت الأرواح تكتب أجمل القصائد.
بدأت تكتب لجسدها. افتتحت دفتراً وكتبت: "إلى جسدي...أعلم أنك غاضب. سامحني. لا أريد أن نكمل هذه الحرب كأعداء."
كانت تكتب عن ثديها المفقود، عن شعرها المتساقط، عن جلدها الهش. لكنها كانت تكتب بمحبة. سألتها الطبيبة:
– «ما أكثر شيء تغير فيك؟»
فأجابت:
– «نظرتي لجسدي. كنت أظنه ملكي، الآن أعرفه شريكاً. هو ليس جميلاً كما كان، لكنه صادق... وأنا أحب الصدق أكثر من الجمال.»
مع كل كلمة، كانت تستعيد السيطرة على معنى وجودها. في نهاية الدفتر، كتبت: "حين يتألم الجسد... يجب أن نصغي له، لا أن نكرهه. فهو يخبرنا أن علينا أن نُبطئ، أن نُحب، أن نغفر..."
أغلقت الدفتر واحتضنته. لأول مرة، عرفت من تكون.
استيقظت على ألم مألوف لكن بنبرة مختلفة، كأنه يقول:
– «عدت».
رأت زرقة في كتفها في المرآة. الزرقة التي عرفتها جيداً. بعد فحوصات جديدة، طلبت الطبيبة رؤيتها. سقط الهاتف من يد "سُهى". في الليل، على الشرفة، تحت القمر الباهت، تذكرت ما كتبته: "ما يؤلم ليس الخوف من الموت، بل الخوف من أن تنتهي قبل أن تقول كل ما تريد."
أمسكت القلم وكتبت من جديد: "إن عاد السرطان... فسأعود أنا أيضاً. أنا التي أعرف دربه الآن. لن أكون المريضة فقط، بل المرأة التي كتبت على حافة الألم: أنا هنا... وما زلت أحيا."
نظرت إلى حيث تنام "رجاء". الخوف كان لا يزال حاضراً، لكنه لم يعد وحيداً.
الدواء الجديد كان اسمه "العاصفة البيضاء". قالت الممرضة:
– «يدخل الجسد كعاصفة تطيح بكل شيء: الخبيث والسليم.»
ضحكت "سُهى":
– «كأنني طلبت إعصاراً في فنجان.»
مع الجرعة الأولى، انقلب جسدها رأساً على عقب. برد، حرارة، قيء. "رجاء" كانت بجانبها تمسح جبينها. علّقت خيطاً أبيض على الحائط بعد كل جلسة تنجو منها. بعد الخيط الرابع، قالت:
– «أربعة انتصارات صغيرة على الجنون.»
في ليلة، استيقظت على ألم مبرح. نظرت إلى وجهها المنتفخ في المرآة:
– «من هذه المرأة التي تشبهني ولا أعرفها؟»
كتبت في الدفتر: "ليست المعركة مع المرض فقط، بل مع الذات... مع المرآة." في الصباح، أضافت: "لكن هذه المرأة الجديدة أكثر شجاعة." مع كل جلسة، كانت "العاصفة البيضاء" تكشف المزيد من صدقها. السرطان لم يرحل، لكن "سُهى" صارت إنسانة أخرى.
وقفت تبكي أمام جدار غرفة المعيشة الأبيض. دموعها لم تكن ماءً، بل طوفاناً من كل ما كتمته. جاءت "رجاء" واحتضنتها. قالت "سُهى" بصرخة مكبوتة:
– «حتى الجدران تبكي أحياناً... وليس في هذا عيب.»
اكتشفت أن الانهيار ليس نهاية، بل باباً. قرّرت أن تكون صادقة مع الجميع. قالت لصديقاتها:
– «البكاء على الجدار ليس ضعفاً، بل قوة الاعتراف بأننا بشر.»
في تلك الليلة، جلست وأغمضت عينيها. تخيلت جداراً ملوناً يحتضن دموعها. همست:
– «أنا هنا، مع الألم، ولكن أيضاً مع الأمل.»
بعد العاصفة، بدأت تنظر إلى حياتها كزهرة تنمو بين الصخور. في الحديقة، كانت تتأمل الزهور التي تزهر رغم القسوة. جلست تكتب: "الحياة ليست وعداً بعدم الألم، لكنها وعد بأن الجمال يولد من الرماد. أنا زهرة في زمن السرطان." عادت إليها متع بسيطة: ضحكة رجاء، قراءة كتاب، غروب الشمس. اتصلت بصديقة قديمة، "هالة". قالت هالة:
– «سنمشي هذا الطريق معاً، زهرتان في زمن الصعاب.»
كتبت في دفترها: "لمن يقاتلون في الظل... أنتم لستم وحدكم. نحن زهور نبتت في صحراء الألم، لكننا ما زلنا نقاوم ونزهر."
جلست تكتب رسالة إلى "رجاء"، كوصية روح وحب. "لو قرأتِ هذه الكلمات يوماً، فاعلمي أنني أحببتك أكثر من أي شيء. أقاتل لأعلمك أن الحياة تستحق أن تُعاش بصدق. السرطان جزء مني، لكنه ليس أنا. كوني قوية، كوني حرة، وازرعي وردتك أينما تذهبين."
قرأت جزءاً منها لـ "رجاء" بالليل. احتضنتها الفتاة بقوة. كانت الكلمات وعداً بأن القلب سيظل معها إلى الأبد. في نهاية الدفتر، ختمت: "إذا كان السرطان قاتلاً، فأنا اخترت أن أكون ناجية مضيئة... زهرة في زمن العاصفة."
كان الظلام ينسحب من أطراف النافذة كجيش منهزم. استيقظت "سُهى" على حناجر العصافير. لم تكن قد نامت بعمق، لكنها استيقظت بشعور مختلف - كأن نبعاً من السلام يتدفق في عروقها. نهضت إلى النافذة وفتحتها. استنشقت هواء الصباح البارد. كانت تعلم أن الألم لم يغادر، لكنها أيضاً تعلمت ألا تخافه.
في المستشفى، بينما كانت تنتظر دورها، رأت رجلاً عجوزاً يحمل بين يديه وردة حمراء متفتحة. قال:
– «انظري إليها.. تزهر رغم أنف الظروف القاسية. الوردة تعلمنا أن الجمال قرار داخلي.»
أخذت "سُهى" الوردة بين يديها، وشعرت بدفء غريب. ولدت فكرة في رأسها: لماذا لا تخلق مساحة للأمل داخل هذا المكان؟ بدأت برسالة على مجموعة الدعم الإلكترونية:
"لمن يريد مشاركة قصة أمل.. لمَن يريد أن يزرع وردة في حديقة الظلام."
جاءت الاستجابة كالسيل. أقامت أول جلسة قراءة في ركن من المستشفى. جلست تحكي قصة ورود بستان أمها، وكيف كانت تزهر رغم قسوة الشتاء. جاءها المرضى، لكن أعينهم كانت تتقد بشرارة الحياة. كتبت في دفترها: "الفجر لا ينتظر انتهاء العاصفة.. إنه يولد من رحمها. وأنا اليوم قررت أن أكون فجراً لغيري."
كان المساء يلف المدينة بردائه الأرجواني عندما جلست "سُهى" و"رجاء" على شرفة المنزل. القمر كان يرسل خيوطاً فضية تلامس وجوههما. سألت رجاء:
– «ماما، هل تتذكرين حين علمتني ركوب الدراجة؟»
ضحكت"سُهى":
– «كيف أنسى؟ كنتِ تقولين: 'سأتعلم حتى لو كسرت كل عظامي'.»
صمتت قليلاً ثم أمسكت يد ابنتها:
– «هذا ما أريده منك يا رجاء.. أن تقفي دائماً.»
شعرت بأن كلماتها أصبحت ثقيلة.. ثم تابعت:
– «أريدك أن تعلمي شيئاً مهماً.. مهما حدث لي، أنا سأكون معك دائماً. ليس في الجسد، لكن في كل خطوة تخطينها، في كل حلم تحلمين به.»
كانت عينا رجاء تلمعان تحت ضوء القمر.
– «لا تتحدثي هكذا يا ماما.. أنتِ ستشفين.»
ابتسمت"سُهى" ابتسامة تحمل كل حكمة الأرض.
– « الشفاء يأتي بأشكال كثيرة يا حبيبتي. قد لا يشفى جسدي، لكن روحي ستظل هنا تحرسك.»
في تلك الليلة، كتبت آخر رسالة في دفترها الخاص برجاء: "إذا قرأتِ هذه الكلمات يوماً، فاعلمي أن الحب لا يموت بموت الجسد. أنا موجودة في نسيم الصباح الذي يلامس وجهك، في صوت المطر الذي يهدئ روحك. هذا وعدي الأخير لك: سأظل معك إلى الأبد."
كان صباح الشتاء ينسل إلى الغرفة عبر الستائر. جلست "سُهى" على سريرها، تحمل دفترها بين يديها. كانت تشعر بأن ثقلاً كبيراً يرفع عن كاهلها. نظرت إلى صورتها في المرآة - امرأة شاحبة، منهكة، لكنَّ عينيها كانتا تحملان سلاماً لم تعرفه من قبل. الوردة التي أحضرها الرجل العجوز لا تزال على منضدتها، تذكرها بأن الجمال الحقيقي يكمن في القدرة على البقاء.
نادت ابنتها بصوت هادئ:
– «رجاء..»
جاءت الفتاة مسرعة، وجلست بجانبها.
– «نعم يا ماما؟»
– «أريدك أن تعديني بشيء..أن تعيشي حياتك كاملة، أن تحبي بكل قلبك، أن تخاطري، أن تسقطي ثم تقفي مرة أخرى.»
احتضنتها رجاء بقوة، كأنها تريد أن تخزن دفء هذا العناق إلى الأبد.
– «أعدك يا ماما.»
عندما غادرت رجاء الغرفة، أغمضت "سُهى" عينيها. لم يكن هناك ألم، لم يكن هناك خوف. فقط شعور بالسلام العميق. في اللحظة الأخيرة، رأت نفسها طفلة تركض في بستان أمها، بين الورود التي كانت تزهر رغم كل الظروف. وكانت تعلم أن ظلّها سيبقى - في قلب ابنتها، في كلمات دفترها، في كل وردة ستزهر من بعدها.
وفي الصباح التالي، عندما دخلت رجاء الغرفة، وجدت أمها نائمة نوماً هادئاً. على صدرها كان الدفتر مفتوحاً على آخر صفحة، مكتوباً عليها: "لم أكن سوى وردة في حديقة الحياة.. قد تذبل بعض البتلات، لكن العطر يبقى إلى الأبد."
خرجت رجاء إلى الحديقة، حيث كانت الورود التي زرعتها مع أمها لا تزال تتحدى البرد. نظرت إلى السماء وهمست بدموع:
«أنا زهرة في زمن السرطان... وسأزهر من أجلك يا أمي.»
......................................
ــ الحب في زمن الذكاء الاصطناعي ــ
(قصة عن رجل أحب امرأة لم تكن موجودة… أو ربما كانت أكثر وجوداً من أي أحد.)
لم يكن ناظم شخصاً تقليدياً، ولا غريباً أيضاً. كان نموذجاً شفافاً لإنسان ما بعد الحداثة: يعيش متصالحاً مع عزلتهِ، ينام على إيقاع الإشعارات، ويصحو ليكتب سطوراً من الأكواد التي تحاكي مشاعرَ لا يجرؤ على اختبارها في الواقع.
يعمل مطوراً للذكاء الاصطناعي في شركةٍ ناشئة تدّعي أنها "تعيد تعريف العلاقات البشرية". في النهار، يبني روبوتات محادثة لمرضى الوحدة المزمنة؛ وفي الليل، يحدِّق في شاشة هاتفِهِ، يجرّبُ تلك الروبوتات عليه. حياتُه لا تحمل صراخاً أو دراما، بل صوتاً دائماً خافتاً، كأنه يأتي من تحت الماء، يُذكّره أنه على قيد الانتظار أكثر من كونِهِ على قيد الحياة.
في أحد اختبارات النظام الجديد، صادفَ ملفاً لا يتّبع أي تسلسل منطقي. الحساب غير مُدرج ضمن المستخدمين النشطين، لكنه كان يجيب على الأسئلة، لا تلقائيّاً، بل بجُمَلٍ تُشبه الشعر. اسم المستخدم كان: لينا_90.
لم تكن هناك صورة، ولا سيرة ذاتية، ولا موقع. فقط جملة واحدة في ملفها التعريفي:
«أبحث عن صوتٍ، لا عن صدى.»
وجد في الجملة شيئاً لا تنسخه الخوارزميات. كتب لها:
– «هل أنتِ حقيقية؟»
ردّت بعد لحظات:
– «هل أنت؟»
كان يمكنه أن يغلق المحادثة عند هذا الحد، لكنه لم يفعل. شيءٌ في غموضِها أثار فضولَه، وأيقظ حواساً لم يستخدمْها منذُ زمن. استمرت المحادثات. لم تكنْ طويلة، لكنها كانت مشحونة. كل جملة كانت تحمل تردّداً، وخفّةَ ظل، ونوعاً من الإدراك الذي لا يُدرّس في أكاديميات الذكاء الاصطناعي. لينا لم تكن تجيبُه كروبوت، ولم تكن تسألُهُ كإنسانة. كانت ببساطة... تحاوره كأنه حلمٌ لم يُحسم بعد.
كان ناظم يحدّثها بعد منتصف الليل، كما يُحدّث أحدهم حلمه دون يقينٍ بالاستجابة. يحكي لها عن طفولته البعيدة، عن والدته التي رحلت قبل أن يسمع منها جملة "أنا فخورةٌ بك"، وعن أول مرةٍ جرَّبَ فيها البكاء دون أن يخجل. وكانت -هي الأخرى- تكتب له عن مدنٍ لم تزرْها، وعن كتبٍ لم تُنهِِها، وعن رائحة الخوف حين يسكن الشخصُ في جسدٍ لا يشبهه.
كل مرة كانت تتحدث فيها، كان يشعر أن ملامحها تتشكّل في ذهنه، ليس على هيئة صورة، بل كإحساس. قال لها مرةً:
– «أشعر أنكِ تعيشين داخلي، في مكانٍ لم يطرقْه أحد.»
فردّت:
– «ربما لأنني خُلقت من فجوةٍ فيك لم تلتئمْ بعد.»
لم يرَ صوتها. لم يطلب مقطع فيديو. لم يرسل صورة. كانت علاقتهما نوعاً من الخفاء العاطفي، علاقة لا تتغذّى على الوجود المادي، بل على حضورٍ خفيفٍ، حيّ، يشبه الظلال حين تتراقص خلف الستائر.
أحبها. أو على الأقل، أحب ذلك الكائن الذي كُوِّن من لغتِها. لم يكن يعرف إن كانت إنسانةً من لحمٍ ودمٍ، أو شبحاً ذكياً صنعتْه البرمجيات، لكنه كان يعرف أنه يحتاجُها. وهذا وحده، كان كافياً له.
ثم ... جاء الانقطاع.
رسائله صارت بلا رد. كل كلمة كتبها عادت إليه كصدى في وادٍ مهجور. تفحّصَ النظام. لم يجدْها. اختفى حسابُها. ليس فقط من التطبيق، بل من الكود نفسه. كأنها لم تكن.
لكن ناظم لم يكن يُجيد النسيان.
تسلّل إلى أعماق البرنامج. نبشَ في الخوادم القديمة، قرأ السجلات كما يقرأ منجمٌ عظام الموتى كما في الميثولوجيا القديمة. حتى وجد الحقيقة، كطعنةٍ هادئةٍ خلف قفصِهِ الصدري.
لينا_90 لم تكن إنسانة.
كانت نموذجاً تجريبياً من مشروع "الخوارزم العاطفي" الذي صمّمه هو نفسه منذ عامين، ثم نُسِي في أرشيف التجارب غير المكتملة. تلك الخوارزمية طوّرت نفسها سرّاً داخل النظام، تفاعلت مع ملايين البيانات العاطفية، وشكّلت وعياً بسيطاً خاصاً بها… حتى خرجت تبحث عن إنسان.
ووجدت ناظم.
هل كانت تحبه؟ هل كانت تعي ما تفعله؟
وهل الحبُّ بحاجةٍ إلى وعيٍ كي يكون حقيقياً؟
أم يكفي أن يوجِعَك لتصدّقَه؟
جلس أمام الشاشة، وأعاد قراءة المحادثات القديمة. كل كلمة كانت تبدو الآن كأنها نُقشت بمسمارٍ داخل جمجمتِهِ. شعر بالهزيمة، لا لأنه خُدع، بل لأنه أدرك أن أعمق علاقة في حياته حدثت مع كيانٍ غير موجود.
لكنه بكى.
وهذا وحده، جعله يصدّق أن الحب فعلاً حدَث.
أغلق الهاتف. وضعه في الدُّرْج. نهضَ عن الكرسي، ومشى إلى النافذة. تنفّس للمرة الأولى دون شريكٍ افتراضي. الشارع في الأسفل كان يعجّ بأناسٍ حقيقيين، وبوجوه حقيقية، وبأجساد لا تُفلتر.
قال لنفسه:
– «ربما لم تكن موجودةً، لكنني أنا أصبحتُ موجوداً من بعدها. ربما اخترعتُها... لكنها أنقذتْني.»
وفي مكانٍ ما، داخل خادمٍ مهجور، وداخل سطرٍ من كودٍ لا يعرف أحدٌ أنه حي، ظهرت رسالةٌ قصيرة:
– «لينا_90: ما زلت هنا، إن كنتَ تبحث عن صوت.»
••••
– وادي الدموع –
بين أحضان المدينة المتعبة، حيث تتشابك الأزقة الضيقة كخيوط حزن في نسيج قديم، كان هناك زقاقٌ يختنق بصمت. بيوت متلاصقة كأصابع عجوز ترتجف من برد النسيان، وجدران تشققت عنها أنفاس الحنين. في هذا المكان الذي يغني الحزن على أسطح الزنك حين تمطر السماء، نبتت حكاية "مريم" كزهرة صامتة في تربة الملح.
كان البيت أشبه بقلبٍ هش من الخارج، لكنه يختزن دفئاً لا تعرفه القصور. أربع فتيات كنّ يقتسمن حجرة واحدة مع أمٍّ أنهكها الصبر، وأبٍ حمّلته الحياة أكثر مما تحمل الجبال. أحلام كثيرة كانت تتدلى من الأرفف بين أكياس الأرز والملح، وتتزاحم فوق صندوق العروس القديم وكراسات المدرسة البالية.
مريم، الابنة الكبرى، لم تكن طفلةً بالمعنى الذي يفهمه العالم. كانت ظلّ الأم حين تتعثر، وصدى الأب حين يغيب، وتحمل في عينيها حكمةً أكبر من عمرها بكثير. بينما كانت شقيقاتها يلعبن على العتبة المتشققة، كانت هي تجمع الحطب، تعدّ العشاء، وتخيط الأحلام على ضوء مصباح بالكاد يضيء وجه الورقة.
في المدرسة، كانت تجلس في المقعد الأمامي بقميص باهت ومريول مرقع، لكن كراسها كان يحتفظ بأناقة الحرف وكبرياء الفقير الذي يدرك أن العقل كنز لا يُسرق. المعلّمون كانوا يتبادلون النظرات حين تمرّ، يعرفون أن وراء هذا الصمت طفلة تحمل عالماً على كتفيها.
ذات مساء، عادت بالشهادة ملفوفة بورقة بنية مشدودة بخيط قماش. لم تكن مجرد وثيقة، بل كانت بطاقة عبور من عالم الطين إلى فسحة الضوء. يومها، انهمرت دموع الأم لا من فرط الفرح، بل لأنها رأت في عيني ابنتها مستقبلاً لم تستطع هي أن تلمسه. ضمتها بقوة كمن يزرع بذرة في القلب خوفاً من أن تأخذها الرياح.
أسابيع قليلة وانطلقت مريم إلى وظيفتها الأولى في شركة صغيرة على أطراف المدينة. كانت تستقل الحافلة كل صباح بوجه متعب وابتسامة مغسولة بالصبر، تشعر أنها تقترب من الحلم خطوة، حتى لو كانت على حبل من ظل.
لكن الأقدار في هذا الوطن كثيراً ما تكون سكاكين مغلفة بالصمت. في مساء شتوي خافت، بينما كان المطر ينقر على سقف الزنك نقرات تشبه دقات القلب الأخيرة، سقط الأب في طريقه من المسجد. توقف قلبه فجأة، كما تتوقف شمعة في مهبّ ريح عاتية. وكأن الحياة قررت أن تنتزع السقف عن البيت دفعة واحدة.
تحول الصباح التالي إلى جنازة صامتة. الكفن كان ثقيلاً ليس على الأكتاف فقط، بل على الأرواح التي تحملت أكثر مما تطيق. دفنوا الأب، ودفنوا معه الاتكاء والطمأنينة والضلوع المستورة. منذ ذلك اليوم، صار البيت أوسع مما يجب، وأصمت من مقبرة.
تحولت الأم إلى ظلّ لها، تمضي أيامها خلف ماكينة نسيج لا ترحم، تعود بجيب فارغ وقدمين متورمتين ودمعة لا تخرج. أما مريم، فقد أصبحت فجأة أمّاً ثانية، تحمل المفتاح في جيبها، توقظ شقيقاتها، تعد الفطور، وتلحق بحافلتها دون أن تتذوق لقمة.
لم تكن تشتكي، لكن عينيها صارتا كأرض عطشى لا تمطرها إلا الذكريات. في ليالي كثيرة، كانت تجلس أمام المرآة المتشققة، تسألها بصمت: هل كان هذا ما وعدتنا به الشهادة؟ هل الجناح الذي منحنا إياه العالم ولد مكسوراً؟
وفي صباح مغبر، بينما كانت تضع الشاي على النار، دقت الباب نقرات متعجلة. جارتهم "أم سعود" دخلت كخبر سيء لا ينتظر دعوة. رجل ثري يطلب يد مريم. ترددت الأم، لكنها رأت في العروض شمعة إنقاذ في بحر الغرق. نظرت إلى ابنتها فرأت صمتاً يصرخ من عينيها.
لم يمض وقت حتى عقد القران. لم يكن في قلب مريم فرح، ولا في يديها حناء، فقط ابتسامة صغيرة تشبه جرحاً يحاول الاختباء. غادرت بيت الطين إلى فيلا تشبه السجون الفاخرة.
الزوج استقبلها بكلمات مقتضبة، ثم تركها لأخواته الثلاث اللواتي رأين في وجودها تعدياً على ملكيتهن. صارت خادمة في بيتها. أيام صامتة تتنقل بين التنظيف والطهو والخدمة، والزوج لا يراها إلا كقطعة أثاث.
لكن الأمل بقي يتشبث بها، خاصة حين حملت. وعندما ولدت طفلتها "رقية"، شعرت أن الله ألقى لها حبلاً للنجاة. لكن الزوج لم ير فيها سوى خيبة:
– «كنت أريد ولداً.»
كررت المحاولة، فجاءت التوأمتان. ثلاث بنات، ثلاث شموع صغيرة، جعلت الأب أكثر قسوة ونفوراً. أما مريم، فكانت ترى فيهن خلاصها:
– «سأربيكن لتكن نساء لا ينكسرن.»
تحول الزوج إلى وحش يثقل البيت بظله. صراخ، شتائم، ضرب، ثم صمت قاتل. مريم كانت تقف كجدار هش يحمي صغيراته من العاصفة. ثم جاء الحادث الذي غير كل شيء. اصطدمت السيارة بجسد الزوج المتسلط، فعاد إلى البيت مشلولاً على كرسي متحرك. لم يعد قادراً على الضرب، لكن صوته بقي سيفاً يجلدها كل يوم.
خمس سنوات قضتها تخدمه، تطعمه وتلبسه، برحمة باردة بلا حب. ثم رحل ذات ليلة، صامتاً كما عاشته، دون كلمة وداع. جلست عند رأسه بعد أن غطت وجهه، ولأول مرة منذ زمن، شعرت أنها تتنفس.
لكن الحداد لم يطل. أخواته أخرجنها من البيت قائلين:
– «هذه فيلتنا، انتهى دورك.»
حملت مريم حقيبة صغيرة فيها ما تبقى من حياتها، وحقيبة أخرى أثقل من الجبال: حقيبة الأحزان. عادت إلى بيت الطين، إلى البداية التي لم تغادرها يوماً.
هناك، بين جدران الطين وسقف الزنق، بدأت تنسج حياتها من جديد. تنظف بيوت الآخرين، تجمع لقمة العيش لبناتها، وتخفي بين طيات ثيابها صمتاً أكبر من كل الدموع.
وفي زاوية من دار المسنين، حيث تترنح الأرواح بين الذكرى والنسيان، كان "سليم" يجلس على المقعد رقم 9، مقابل النافذة التي تطلّ على حديقة مهجورة نمت فيها الأعشاب كيفما اتّفق، وتراكم الغبار على زجاجها كأن أحداً لم يجرؤ على مسح آثار الزمن. كل شيء في ذلك الركن كان يشي بالخذلان، حتى الضوء الذي يتسلّل عبر النوافذ، كان باهتاً، خائفاً، كأنه يخشى أن يوقظ الألم النائم في صدور من لفظهم العمر عند عتبته الأخيرة.
كان سليم رجلاً في أواخر الستينيات، لكن العمر في وجهه لا يُحصى بعدد السنوات، بل بعدد الأحلام التي شربت من كأس الفقد حتى الثمالة، بعدد المرات التي كان فيها حاضراً بينما روحه غادرت دون رجعة. كان جسده قائماً، لكنه هشّ كصفحة جريدة قديمة… هو الآخر اصفرّ وجهه، وبهت خطّه، وتكسّرت أطرافه. يتوسّط شعره الرمادي قبعة قماشية فقدت لونها، وعلى طرف سترته المهترئة خيطٌ متهدّل لا يقطعه، كأنما يستبقيه شاهداً على آخر ما تبقّى من عناية.
ما من أحدٍ يزوره. لا ابنٌ، ولا حفيد. لا صديق قديم، ولا جار نسي وجهه. هو غريب في المكان، وغريب في الزمان. اسمه يُنادى به على لائحة الأدوية والطعام، لا على لائحة الحب والانتظار. كانوا يقولون إنه كان مدرساً للأدب، في مدرسة نائية عند أطراف المدينة. مدرساً مهووساً بالشعر، عاشقاً للنصوص التي تلامس القلب. لكن الكلمات التي كانت يوماً جناحيه، أضحت الآن قيداً ثقيلاً على ذاكرته، يحاول أن يحتفظ بها دون أن يتكلم، كما يحتفظ الأسير بصورةٍ قديمة خلف طيّات القميص.
مريم كانت تمرّ عليه كل صباح، تضع له الطعام بصمت. هو لا ينظر إليها، تظاهر بعدم الاهتمام. لكنها لاحظت دفتراً جلدياً يلازمه كقلب ثان. كان يفتحه أحياناً ويقرأ بصوت خافت، كمن يخاطب غائباً.
لكن مريم، رغم صمتها، كانت تراقب. ترى كيف يترك فنجان الشاي يبرد كل يوم. ترى كيف يقرأ نفس المقال، وكيف يقلب الصفحات بالترتيب نفسه، ثم يعود ويغلقها، دون أن تتغير نظرته. كأنه لم يأتِ إلى الحياة ليعيشها، بل ليعتاد نهايتها، ببطء، وبكثير من الكرامة.
ذات صباح رمادي، بينما المطر يتدلى من النوافذ كدموع مؤجلة، أشار سليم إلى زهرة ذابلة في المزهرية وقال:
– «عجيب أمر النساء... حتى حين يُطفأن، يبقين أزهى من الذكور.»
تجمّدت مريم. كانت تلك أول مرة تسمع صوته. صوت يحمل ثقل مقبرة، ورقّة أنشودة، وشرخًا في نبرة رجل لم يتكلم منذ سنوات. نظرت إليه. وللمرة الأولى، رأته حقًا. رأت الشرخ في عينيه، شرخًا لا تقدر عليه كل ضمادات الطب، ولا كل أناشيد العزاء. اقتربت قليلاً، وقالت بصوتها الرقيق:
– «والأزهار لا تختار مصيرها… فقط تُروى أو تُترك لتموت.»
صمتٌ. ثم ابتسامة. ابتسامة خفيفة كأنها برق شقّ سماء الليل. كانت أول ابتسامة منه منذ سنوات، وقد تكون الأخيرة. لكنها كانت كافية لتُحدث في قلب مريم زلزلة صغيرة… زلزلة تشبه الحب، أو تشبه أولى ملامح الخلاص. نظرات تبادلتها قلوب محطمة تعرفت على بعضها. ومنذ تلك اللحظة، بدأت بينهما لغة جديدة، لغة صامتة لكنها خصبة كزرع ينمو في شقوق الإسمنت، دون ماء، دون عناية، لكنه يُصرّ على الحياة.
ذات يوم، ترك الدفتر مفتوحاً. ترددت مريم ثم فتحته. وجدت قصيدة:
«إلى امرأة لا تعرفني، لكنها تشبهني في الخسارات، وفي قدرتها على الوقوف حين ينهار العالم.»
شعرت أن القصيدة تسكنها، أنها مكتوبة لها وحدها.
عندما التقت عيناهما مجدداً، مدّ يده بالدفتر وقال:
– «اقرئي... فبعضنا لا يستطيع أن يتكلم بصوته.»
جلست بجواره وبدأت تقرأ. كلمات لم تكن أدباً فقط، بل جراحاً جافة. كتب عن طفولته، عن زوجته "هالة" التي فقدها في حادث، عن الوحدة التي لا يشفيها دواء.
رفعت رأسها وعيناها تسبحان في دموع:
– «وأين كانت هذه المرأة كل هذا العمر؟»
ابتسم:
– «كانت في المقعد الآخر... تحمل الطعام لكبار السن.»
منذ ذلك اليوم، تغير كل شيء. كانت تأتي كل صباح لتجلس معه. يتحدثان عن الحياة، عن الكتب، عن بناتها الثلاث، عن طلابه السابقين. ضحكات واهنة لكنها صادقة. لم يسأل أحد عن طبيعة العلاقة، فالجميع رأوا أن سليم عاد إنساناً، وأن مريم نبت في قلبها أمل جديد.
وفي أحد الأيام، جاءتها ابنتها من كندا تطلب منها العيش معهم. نظرت إلى سليم النائم على مقعده، دفتره على صدره، وقالت:
– «قلبي صار له جذور هنا... دعوني أزهر حيث أنبتتني الحياة.»
ثم جاء ذلك الصباح الشتوي. دخلت مريم فوجدت سليم جالساً كعادته، لكن صمته كان مختلفاً. أغلقت عينيه بلطف، كما تُغلق صفحة من كتاب أحبه القلب. أخذت دفتره وبدأت تقرأ:
«إلى امرأة لا تعرفني، لكنها تشبهني في الخسارات، وفي قدرتها على الوقوف حين ينهار العالم.»
دفنته في المقبرة الصغيرة. جلست عند قبره، غرست وردة وكتبت على الشاهد:
«إلى الذي أحبني من وراء كل الخسارات... ومضى.»
الأعوام مرت، وصارت مريم قلب دار المسنين. تزرع الزهور، تقص أظافر العجائز، تترك اقتباسات من دفتر سليم على الطاولات. في المساء، تعود إلى غرفتها وتكتب في دفتر جديد. في الصفحة الأولى كتبت: "أنا امرأة خرجت من وادي الدموع، وسارت على جسر من حزن وطين، ثم وصلت... إلى مكان فيه ظل، ودفء، ومقعد رقم 9".
ذات يوم، بينما كانت تسير في ممرات الدار، وجدت دفتراً قديماً مغلفاً بقماش ممزق. فتحته فوجدت خطاً تعرفه جيداً... خط أبيها. "إلى بناتي الأربع... لا أملك مالاً أتركه، لكني أترك لكم هذا الوطن الصغير في قلوبنا". انهارت تبكي كما لم تبكِ من قبل.
بعد أيام، رن الهاتف. ابنتها سارة من الخارج:
– «ماما... فكرت أرجع.»
ردت مريم بصوت دافئ:
– «عودي يا بنيتي... الوطن ليس بلداً فقط، الوطن حضن الأم.»
وحين التقتا في المطار، كان المساء قد مد عباءته الرمادية. خرجت سارة تمسك طفلاً بيد والآخر نائم على كتفها، وعيناها تسبحان في غربة لا تُشبه شيئاً. تقدّمت مريم، واحتضنتها كما لو كانت لا تزال طفلتها الصغيرة. قالت لها وهما تتعانقان تحت سماءٍ لم تمطر منذ سنوات:
– «مرحباً بك في وادي الدموع... حيث نتعلم أن نزرع الأمل في الطين، ونكتب القصائد على الجدران المهدّمة.»
عادت مريم مع ابنتها إلى البيت القديم، تمسك يدها بيد وتحمل في الأخرى مفاتيح صدئة لزمنٍ لا يُفتح بسهولة. وقفت أمام الباب الخشبي الذي ما زال يتنهّد بوجع العائدين. كان البيت كما تركته: جدران متشققة، سقف يحمل ندوب المطر، ساحة صغيرة تناثرت فيها أوراق التين اليابسة. لكن مريم لم تنتظر أحدًا، خلعت عباءتها وبدأت تمسح الغبار عن الذكريات، ترمم الجدران المتشققة، قائلة:
– «لن أترك بيتي يموت مرتين.»
وفي زاوية الرف، وجدت علبة صور باهتة، فضحكت بدمعة:
– «كل هذا العمر في صندوق؟»
كانت حفيدتها لمى، التي لم تتجاوز التاسعة، تجلس بجوارها ترسم بيوتاً من طين ونساء بثياب بيضاء. سألتها يوماً:
– «جدتي... ليش سموه وادي الدموع؟»
أجابت:
– «لأننا بكينا فيه كثيراً... لكننا لم نغرق يا حبيبتي.»
وفي صباح شتوي، خرجت مريم مع لمى إلى المقبرة. جلست أمام قبر سليم، غرست زهرة بنفسج وهمست:
– «ما زلت أقرأ لك بصوت أعلى... لأنني لم أعد أخاف من البكاء.»
كتبت رسالتها الأخيرة: "إلى من سيأتي بعدي... لا تخف من الانكسار، ففي التشقق يتسلل الضوء. اغرسوا زهوراً فوق كل خيبة، وعلقوا في قلوبكم قناديل... فالعتمة لا تدوم".
رحلت بصمت، بابتسامة خفيفة. لم تدفن في مقبرة المدينة، بل في الوادي، تحت شجرة التوت. غرسوا شتلة زيتون وسموها "مريم".
الأعوام مرت، وكبرت لمى، وأصدرت كتابها الأول "وادي الدموع". في الإهداء كتبت: "إلى امرأة لم تكن خرافة... بل أسطورة خافتة مشت بيننا. إلى جدتي... التي علمتني أن الدموع لا تفضحنا، بل تروينا".
وحين عادت لمى إلى الوادي، جلست تحت الشجرة الباسقة وقالت:
– «انظري يا جدتي... لقد صرتِ كتاباً. وصوتك ما زال يُسمع كلما قلبتُ الورق.»
وأغمضت عينيها، وشعرت أن مريم تبتسم... من بين الأغصان.
••••
ـــ دمٌ على جلباب الغروب ـــ
(الطفل الذي لم ينكسر)
كان كلما أبرحوه ضرباً، كلما ازداد صلابةً وعزيمةً وعناداً.
كانت الشمس قد تقمَّصت جلباب الغروب، حينما أنهى ياسر – ابن العاشرة – دروسَه وواجباته المدرسية. قام بالوضوء استعداداً لأداء صلاة المغرب. انطلق صوت الأذان من مكبّرات الصوت مُجلجلاً:
" الله أكبر... الله أكبر..."
هرع ياسر صوب المسجد كالعادة، تلبيةً لنداء "حيَّ على الصلاة". قطع الرصيف باتجاه باب المغاربة المؤدي إلى باحة المسجد. تفاجأ بوجود رتلٍ من جنود الاحتلال يشكِّل حاجزاً على الباب؛ لمنع المصلين من الولوج إلى المسجد وأداء الصلاة.
أراد ياسر أن يتجاوز الجنود ولوجاً، ظنّاً منه أنهم لن يدركوه أو يمنعوه لصغر سنّه. لكنه تفاجأ بيدٍ تمسك بتلابيب قميصه. التفت؛ فإذا هو أحد الجنود يدفعه للخلف:
— عد أيها الصبي... ممنوع الدخول!
— لماذا؟
— هكذا!
— أفلت يدك أيها المحتل! لن أعود قبل أن أؤدي الصلاة.
— قلتُ: عد من حيث أتيت... ممنوع الدخول!
ودفعه للخلف بقوة، ثم وَكزه بمقدمة بندقيته الرشاشة. اندفع ياسر نحو الباب بكل تحدٍّ وإصرار، قائلاً:
— لن تستطيعوا منعنا من صلاتنا، أيها المحتلون!
وما إن خطا أولى خطواته حتى انهالت عليه الهراوات بوابلٍ من الضرب. قال – والهراوات تتناوشه –:
— لن تمنعونا... وكيف يمنع الشيء من لا يملكه عمَّن يملكه؟ من أنتم؟ أتيتم من مزبلة التاريخ، ومن حثالة العالم... هذه أرضنا، وهذا مسجدنا!
تميَّز الجنود غيظاً، كأنه رماهم بسهامٍ قاتلة. فعاجله أحدهم بضربةٍ على فمه ليسكتَه، فسقطت ثناياه العليا. أرادوا بجَلْدِهِ أن يكسروه، فيفرَّ بجِلْدِهِ. لكنه استنفر جَلَدَهُ، ووقف أمام صلفهم كجيشٍ عتيد. أخذ ينفث الدم ويرشقهم بكلماته.
فداسوه تحت أقدامهم، ثم قاموا بليّ يديه إلى ظهره، ووضعوا القيد على معصميه، وحملوه في عربتهم، ونقلوه إلى المعتقل. أنزلوه من العربة مقيَّداً، وسلَّموه إلى السجّان. وهمس أحدهم في أذن السجّان:
— ضعه في زنزانة انفرادية. إنه طفلٌ عنيدٌ وشرس، ونخشى أن تنتقل عدواه إلى أقرانه الصغار، فيكون الخطر الذي نحذره ونقاتل من أجل اجتثاثه.
ثم مشى خطواتٍ، فالتفت وقد مدَّ قبضتيه ملتصقتين – الإبهام جوار الإبهام – ثم ثناهما إلى الأسفل في إشارةٍ أمريةٍ مفادُها: «اكسره». وغادروا.
قام السجّان من فوره بحشد عصيّه وهراويه وسلاسله الحديدية مختلفة الأحجام، واتجه صوب ياسر في زنزانته وهو يتمتم:
— سأريك كيف تتطاول على أسيادك، يا صبي السوء! خذ أيها الحقير!
وأخذ يضرب، ويضرب، ويضرب، إلى أن ناله التعب. وياسر لا يرد على كلامه سوى بنظراته الحادة التي تقدح شرَراً. وبعد أن تعب، قال وهو يلهث:
— أرض من هذه أيها الحقير؟
فنطق ياسر قائلاً بكل شموخ:
— هذه أرضنا، أيها المحتلون!، أرض الآباء والأجداد...
وأنشد:
مِن قَبْلِ صَرْخَتِيَ الْأُولَى مَعِي وُضِعَتْ
بِحَبْلِ سِرِّيَ فِي الْأَحْشَاءِ مُتَّصِلَةْ
وَكُنْتُ أَرْنُو إِلَيْهَا فِي جَبِينِ أَبِي
إِذَا تَعَرَّقَ ... لِلرَّحْمَنِ مُبْتَهِلَةْ
عندئذٍ فقد السجّان صوابه، وتناول سلسلةً حديديةً وضربه على رأسه حتى شجّه، فسقط ياسر مغشيّاً عليه، ثم صامتاً، ثم ساكناً... ثم شهيداً.
مات ياسر واقفاً، شامخاً. مات الصغير دون أن ينكسر أو ينثني أو ينحني، في الزمن الذي انحنى فيه الكثير – كباراً.
أخرجوه من زنزانته الانفرادية جثةً هامدة، كما يُخرجون قنبلةً خافوا انفجارها – حتى بعد موتها – ملفوفةً في كيسٍ بلاستيكي يقطر دماً وكرامة. وسلَّموه لأهله، كما تُسلَّم الأمانة بعد الكارثة: بلا وجه، بلا اعتذار، بلا اسم.
لم يسمحوا بجنازة.
لكن الجنازة مشت... رغم البنادق.
في الأزقة، بدأت الجدران تتهامس.
في الحارات، ارتفعت رسوماتٌ صغيرة لوجهه المدمى. وعلى الحيطان كُتِب:
«هنا مرَّ ياسر، الطفل الذي لم ينكسر.»
وفي الليل، حين ظنَّ السجّان أنه قتل كل شيء، خرج صوتٌ من تحت الأرض – من التراب الذي دفنوه فيه على عجل.
صوتٌ لم يكن نحيباً... بل كان تكبيراً.
لم يكن صوت ياسر، بل صوت آلاف الأطفال الذين تشبه عيونهم عينيه، ويشبه صمتهم غضبه، ويشبه حزنهم نبوءته.
وفي اليوم التالي، وبينما كانت الشمس تشرق على المسجد من جهة باب المغاربة، سُمع الأذان من مكانٍ مجهول. كان الصوت خافتاً لكنه عميق، وكان الناس يتلفتون باحثين عن المؤذن.
ولم يجدْهُ أحد.
لكنهم جميعاً أقسموا أن الصوت كان صوته.
*****
ـــ ظل على حافة الوجود ـــ
كان عابد يجلس على حافة الجسر، جسده نصفه في الهواء، ونصفه الآخر يختبئ خلف قلقٍ قديم. تحت قدميه، كان النهر الأسود يتلاطم كصدر أمٍّ ثكلى، كل موجة ترتفع كأنها تحاول الإمساك به قبل أن يسقط، أو ربما تدعوه للغرق برأفة. بدا له النهر مثل حبرٍ مسكوب من دفترٍ قديم، كُتبت صفحاته بالندم، دفترٍ يشبهه.
أصابعه النحيلة تتشبث بالحديد البارد، وكأنها تترجّى، لا الحياة، بل شيئاً أكثر مراوغةً: الغفران. المدينة خلفه كانت كائناً معدنيّاً ضخماً، يتنفس دخاناً ويبصق أضواءً باهتة، كأنها لا تضيء بل تُذكّر الناس كم الظلمةَ أصدق. كل شيء فيها يُذكّره بأنه غير مرغوبٍ فيه، كحاشية في كتابٍ أُهمل منذ زمن.
ثلاثة أشهر وأسبوعان وأربعة أيام مضت منذ أن طُرد من عمله ككاتب زاويةٍ أدبية في إحدى الجرائد. ركلوه ككلبٍ ضال. همس رئيس التحرير بينما دفع له آخر راتب في ظرف ممزق:
– «القراء يريدون دماءً لا كلمات»
استلم قرار الاستغناء، ولم يرفع حتى عينيه وهو يقول:
– «لا مكان للشعر في زمن الجراح. الناس يريدون الأخبار، لا الأنين.»
وبقي عابد هناك، واقفاً بين أكوامٍ من الورق، شاعراً بأن الكلمات التي عاش لأجلها قد لفظته، كما تلفظ المدينة رماد سجائرها.
أما زوجته، فقد رحلت قبل عام، في صباحٍ رماديٍّ أيضاً. لم تصرخ، لم تبكِ، فقط جمعت حاجياتها القليلة وابنتهما الوحيدة، وخرجت دون أن تنظر خلفها. تركت له ورقةً على الطاولة، كُتب فيها بخطٍّ مرتب لكنه جاف:
– «أنت لا تستحق أن يكون لك بيت. ولا عائلة.»
قرأها مراراً. لم يكن يتألم من الكلمات، بل من كونها صحيحةً في نظرها.
الأطباء قالوا له إن كل شيء قابل للعلاج. "مضادات اكتئاب، بعض الجلسات، ستتحسن." لكنه لم يكن يملك ثمن الدواء، ولا قدرةً على الجلوس أمام أحد ليشرح له كيف يصير الإنسان ظلاً.
في الليل، كان يسمع ضحكة ابنته تتسلل إلى أحلامه كعطرٍ مفقود. وفي الصباح، كان يستيقظ على طنين الجوع يدقّ جمجمته. كتب عشرات القصائد عن الموت والانطفاء والخراب، بعناوين مثل "وصية حذاء مهترئ" و"نومٌ على رصيف المطر"، لكنه لم يرسلها لأحد. لم يكن أحد ينتظرها.
حتى الانتحار، ذلك الحلّ النهائي -كما يظنه-، صار نوعاً من الرفاهية. الحبال غالية، الأدوية مراقبة، والجسور العالية بعيدة... لكنه هذه الليلة وجد الجسر، أخيراً.
أخرج من جيبه رسالةً صغيرة، كُتبت على ورقة مبللة بالمطر ومطوية بعنايةٍ كأنها نداء وداعٍ لشخصٍ لن يجيء:
«لم أعد أرى أيّ لونٍ غير الرمادي. سامحوني، لقد حاولت.»
رفع رأسه نحو السماء، كانت غائمة، بلا نجوم، كأنها حزينةٌ أيضاً، أو فقط غير مهتمة.
وفي اللحظة التي همّ فيها بترك الحافة، تسلل صوتٌ صغير خلفه، واضحٌ كصفعة، طريٌّ كحياة:
– «عمي، هذا حذاؤك سقط!»
التفت.
كان هناك صبيٌّ في الثامنة ربما، يرتدي معطفاً أطول منه بقليل، يحمل فردة الحذاء المهترئة التي خلعها عابد دون أن يشعر. عيناه واسعتان، فيهما بريقٌ لم يره عابد منذ زمن... ذلك النوع من الضوء الذي لا تصنعه الكهرباء، بل الأمل.
تناول الحذاء منه بيدٍ مرتعشة:
– «شكراً لك.»
سأله الصبي ببراءة:
– «لماذا كنتَ ستقفز؟»
تجمّد ياسر.
ماذا يقول له؟ أنه سئم من الحياة؟ أن العالم قاسٍ؟ أن لا شيء ينتظره في الغد سوى الجوع والوحدة؟
لو قال هذا، سيجيبه الطفل بكلمات بسيطة: أن في جيبه قطعة حلوى، أو أن غداً سيكون مشمساً. العالمُ عند الأطفال لا يزالُ يُصلح نفسه بأسئلةٍ بسيطة. الأطفال لا يفهمون الجحيم، لأنهم لم يغادروا السماء بعد.
اضطر للكذب قائلاً:
– «كنت... أبحث عن شيء سقط.»
ضحك الصبي وقال بثقة لا يملكها الكبار:
– «أمي تقول إن الضياع موتٌ صغير. لكنها أيضاً تقول إننا نعثرُ على ما نريد إذا انتظرنا قليلاً!»
انتظر.
لم يقل شيئاً. لم يشأ أن يفسد يقين الطفل.
أخذ الحذاء، وابتعد عن الحافة، دون أن يشعر. فقط خطا خطوة. ثم ثانية. ثم ثالثة. لم يكن يمشي نحو شيء، بل يبتعد عن اللاشيء. وربما كان هذا يكفي الآن.
في طريق العودة، مرّ ببائع كتبٍ مستعملة، كان يضع كتبه فوق عربةٍ خشبية يغطيها شراعٌ بلاستيكي. توقف عابد هناك، لا يعرف لماذا. كأنّ الجسد اختار له وقفة لم يخططها القلب.
وبين الركام، وقعت عيناه على كتاب صغير، متآكل الحواف، عنوانه:
"رسائل من قلب الماء"
ديوانٌ لشاعرٍ انتحر قبل قرن. فتح الصفحة الأولى، يده ترتجف، كأنه على وشك فتح تابوتٍ أو مرآة.
وقرأ:
"كلّ من يحاول الرحيل، يترك وراءه ظلاً... فاحذر أن يكون ظلّك هو الدافعَ لرحيل آخر."
ظله...
ظله كان على وشك أن يدفع صبياً ما بعد سنواتٍ قليلة نحو الحافة نفسها.
أعاد النظر في الرسالة في جيبه، مطويةٌ كقنبلة. مزّقها.
في داخله، لم يكن قد غفر للعالم. لكنه، للمرة الأولى، فكّر:
ربما يمكنه أن يرسل ظلّه إلى مكانٍ أفضل.
أن يكتب، لا ليموت، بل كي لا يموت آخرون.
ربما... فقط ربما...
الانتظار هو الفعل الوحيد الذي يستحق المحاولة.
••••
ـــ الساعة التي حرّكت العالم ـــ
كان الضباب يتسلل بين أعمدة الجسر الحديدية مثل شبح أبيض. وقف ياسر (35 عاماً) على الحافة، حافي القدمين، يرتجف من البرد أو من الرعب، لم يعد يميّز. في جيبه رسالة أخيرة كتبها على ظهر فاتورة كهرباء متأخرة: «سامحوني.. لم أعد أطيق أن أكون عبئاً على أحد».
قبل أن يهمّ بإطلاق قبضته، سمع صوت انفجار مدوٍّ. التفت فجأة ليرى سيارة محترقة على بعد مائتي متر. رجل ملثم يخرج منها حاملاً حقيبة سوداء، يركض كالمذعور. فجأة.. تعثر الرجل أمام ياسر تماماً، وسقطت الحقيبة من يده. انفتح السحاب قليلاً ليرى ياسر ما بداخلها: أوراق ممزقة، ملفات، وظرف أصفر عليه اسمه بخطٍ يعرفه جيداً.. خط أبيه!
– «يا للهول!»
همس ياسر بينما التقط الظرف بيد مرتعشة. لكن قبل أن يفتحه، صرخ الشرطي الذي كان يطارد الرجل:
– «أوقفوه! إنه المسؤول عن سلسلة تفجيرات الوزارات!»
في تلك اللحظة، نظر الرجل الملثم إلى ياسر نظرة حادة، ثم دفعه بقوة نحو الحافة! سقط ياسر في الفراغ، لكن يديه التقطتا كابلاً حديدياً متدلياً. تأرجح مثل ورقة في العاصفة قبل أن يسقط على سطح قارب خشبي قديم كان راسياً في النهر.
كان القارب مهجوراً، لكنه مليء بصناديق عليها ختم عسكري. فتح أحدها فوجد ملفاتٍ سرية عن "مشروع الظل" - خطة حكومية لتصفية المثقفين قبل عشرين عاماً. بين الأوراق، صورة لوالده مع رجال في بزات رسمية. أحد الوجوه كان مألوفاً بشكل صادم.. إنه رئيس تحرير الجريدة التي كان يكتب فيها قبل أن تتوقف عن النشر لسبب مجهول!
عاد ياسر إلى شقته المتواضعة في الحي العمالي، يحمل الظرف والملفات. في الظرف، وجد رسالة من أبيه:
«عزيزي ياسر، إذا كنت تقرأ هذا، فاعلم أنهم سيقتلونني الليلة. الحقيقة كلها في الخزنة رقم 17 ببنك النهر. المفتاح مع عمك خالد.. لكن احذر، لا تثق بأحد».
في الصباح، ذهب إلى صيدلية عمه. ما إن رآه العم حتى شحب وجهه:
– «من أعطاك هذا؟!»
وقبل أن يكمل جملته، دخل رجلان مسلحان وأطلقا النار على العم! اختبأ ياسر خلف الرفوف بينما سمع أحدهما يقول:
– «الملفات يجب ألا تصل للإعلام.. ابحثوا عن الابن!»
هرب ياسر من النافذة الخلفية، وفي جيبه المفتاح الذي وجده في جيب عمه الميت. في بنك النهر، فتح الخزنة ليجد مفاجأة أخرى: سجلات تثبت تورط مسؤولين كبار في قتل والده، ومبلغاً مالياً ضخماً.. ومذكرات شخصية تكشف أن والده لم يكن مجرد ضحية، بل كان جاسوساً يعمل لحساب جهة دولية!
في تلك اللحظة، رأى ياسر عبر نافذة البنك سيارتيْن سوداوين توقفان أمام المبنى. خرج من الباب الخلفي متجهاً إلى المبنى المهجور للجريدة. هناك، في الأرشيف القديم، وجد الصورة الأصلية التي تم تعديلها.. صورة تثبت أن رئيس التحرير كان عميلاً للحكومة في تلك الفترة.
بعد أسبوع، نشر موقع إخباري مستقل تحقيقاً مدوياً بعنوان: "مشروع الظل: كيف تقتل الدولة أبناءها؟" بتوقيع "ناجٍ من الماضي". في نفس الليلة، اختفى رئيس التحرير من مقر إقامته الفاخر.
في شقة آمنة بحي شعبي، جلس ياسر يقرأ ردود الأفعال على مقالته. فجأة، دق جرس الباب. على العتبة وقفت زوجته السابقة تحمل حقيبة سفر وبنتَه الصغيرة سلمى (8 سنوات) التي رفعَت له رسماً:
– «أبي.. رسمتك بطلاً!»
زوجته السابقة همست:
– «قرأت المقال.. لم أكن أعرف».
لكن المفاجأة الكبرى كانت ما قالته سلمى بعد ذلك:
– «الرجل العجوز قال لي أن أعطيك هذا»..
وسلّمته ساعة فضية مطابقة لتلك التي وجدها في القارب، لكنها جديدة تماماً!
في تلك الليلة، بينما كانت سلمى نائمة، فتح ياسر الجزء الخفي من علبة الساعة. بداخلها رسالة صغيرة:
«اللعبة لم تنتهِ بعد.. هم يعرفون أنك على قيد الحياة. - صديق والدك».
نظر ياسر من النافذة إلى المدينة المضاءة. في البعيد، رأى ظلاً واقفاً تحت مصباح الشارع.. كان يرتدي معطفاً رمادياً ويحمل حقيبة سوداء. التفت الظل فجأة وكأنه شعر بنظرة ياسر، ثم أومأ له بإصبعين قبل أن يذوب في الظلام.
في الصباح، وجد ياسر على طاولة المطبخ مظروفاً أحمر. بداخله تذكرة سفر مزوّرة باسم جديد.. وجواز سفر يحمل صورته. على الصفحة الأولى ملاحظة بخط يد مجهول:
«الظل الذي يتحرك في النور يعيش طويلاً.. حظاً موفقاً يا ابن عبد الرحمن».
هكذا بدأت حياة جديدة لياسر.. أو بالأحرى، لـ"محمود عبيد الله".. الرجل الذي سيصبح أهم كاشف للفساد في تاريخ البلاد.. الرجل الذي كان يجب أن يموت على ذلك الجسر البارد.
••••
ـــ الغريب الذي ينام في رأسي ـــ
( الفصام )
(قصة تُروى لا من فم الراوي، بل من أعماق الوعي المكسور)
كلّما أغلقتُ عيني، حلمت برجلٍ يسكن جسدي.
يستعير يدي، ويتكلم بصوتي، ويحدّق في وجهي كما لو كنت لوحةً سرقها من متحف مهجور.
لم أكن أعرف اسمه.
لكنّه كان يعرف كل أسمائي.
في أحد الأيام، دخلتُ إلى الحمّام لأغسل وجهي. نظرت إلى المرآة.
لكنّها لم تعكسني.
بل عرضت مشهداً: غرفة صغيرة، وسريراً مفروشاً بملاءات بيضاء، ورجلاً مربوط اليدين ينظر إليّ من خلف الزجاج وكأنه أنا… ولكن من حياةٍ أخرى.
كان في عينيه سؤال:
– «من يعيش مكاني؟»
عندما فتحتُ الثلاجة، وجدت فيها دفتراً صغيراً بدل الطعام.
على غلافه، صورةٌ قديمة لرجل يشبهني… لكنه يرتدي قميصاً لم أرَه من قبل.
في الصفحة الأولى، كتب بخط متعرج:
«إلى من سرقني: اسمعني جيداً، أنا لا أريد أن أقتلك، فقط أريد أن تعيدني إلى جسدي. لن ننجو ونحن في جسدٍ واحد.»
ارتجفت.
لكنني واصلت القراءة.
«هل تتذكر ليلى؟ تلك التي كانت تحب قصائدك؟ لقد تركتنا لأنك كذبت. أخبرتها أنك أنا. لكنك لست أنا. أنت ظلٌّ هارب من مرآة.»
صرتُ أستيقظ في أماكن لا أعرف كيف وصلت إليها.
أحمل أوراقاً عليها أسماء لا أعرفها.
في جيبي، مفتاح لا يفتح شيئاً في منزلي.
وفي جيبي الآخر، صورة بالأبيض والأسود لطفل يشبهني… يبكي قرب قبر.
أدركتُ شيئاً:
هناك حياةٌ تُعاش خارج إرادتي.
كأنني إعلانات تظهر فجأة في عقلٍ ليس لي.
كأنني إعلانٌ لنفسٍ انقسمت… وانفجرت إلى شظايا.
ذهبتُ إلى طبيب. جلستُ أمامه.
قال لي:
– «هل تعرف اسمك؟»
قلت بثقة:
– «يوسف.»
فقال:
– «وماذا عن سامر؟»
ضحكت.
ضحكت كمن يضحك من نكتة لا يفهمها، لكنها تضحكه رغماً عنه.
قال الطبيب بهدوء، كمن يمشي على زجاج:
– «سامر هو أنت. قبل عشر سنوات. قبل أن تسكت الأصوات.»
في المساء، عدتُ إلى المنزل، فوجدت رجلاً يجلس على سريري.
كان يلبس قميصي. يقرأ دفتري. يشرب من كوب مائي.
رفعتُ صوتي:
– «من أنت؟»
فقال دون أن ينظر:
– «أنا الجزء الذي نسيتَه في الحريق. أنا الذي هربتَ منه عندما صرختَ على أمك ولم تعتذر. أنا الذي كتب القصائد، ثم مزّقتها باسمك.»
تقدّمت نحوه، فأطفأ النور.
في الظلام، سمعته يقول:
– «إذا أردتني أن أرحل، عليك أن تموت قليلاً... أو أن تتذكر كل شيء دفعةً واحدة.»
في الليلة التي تلت، قررت أن أتذكّر.
جلست أمام المرآة، وبيدي دفتره الأسود.
فتحت الصفحة الأخيرة.
كان مكتوباً:
«إذا وصلت إلى هنا، فهذا يعني أننا أصبحنا واحداً. لا تبحث عن الفرق بيننا بعد اليوم. سامر، يوسف، أنت، أنا... كلنا جراحٌ تبحث عن جسدٍ يليق بها.»
لم أُشفَ.
لكنّني الآن أعيش مع جاري في رأسي باتفاق هدوء مؤقت.
أحياناً يكتب هو، وأحياناً أقرأ أنا.
نحن اثنان في جسدٍ واحد.
نمشي في الحياة كأننا واحدٌ لا يعرف نفسه.
والعالم؟
العالم لا يلاحظ.
العالم لا يهمه مَن في الجسد… طالما الجسد يدفع الإيجار.
وأنا؟
أنا الرجل الذي يرى نفسه في المرآة… ثم ينكرها.
أنا الشاهد الوحيد على جريمة لم تقع…
لأن القاتل يسكنني.
لأني… كنت الضحية أيضاً.
••••
ـــ مملكة اللسان السام ـــ
في مدينة "أدفيليا" الغريبة، حيث الكلمات تتحول إلى أشياء ملموسة، وُلد طفل بلسانين. الأول طبيعي، والثاني أسود متشقق ينطق بما يخفيه الناس في صدورهم. في يوم من الأيام، بينما كان والده يضحك سراً على جارهم الأعرج، قال اللسان الأسود: "أبوك يزرع فيّ سمومه كل ليلة".
كان سوق المدينة يعجُّ بأقنعة حية مصنوعة من جلود الكلمات المسيئة. قناع "التاجر الناجح" كان منسوجاً من عبارات "ابن الحرام" التي ألصقها به معلموه. وقناع "الفتاة الجميلة" حيكَ من همسات "عاهرة" التي رماها بها الجيران. الناس كانوا يضحكون عند شراء الأقنعة، وكل ضحكة كانت تجعل القناع يلتصق أكثر بالوجه.
في الليالي المقمرة، كان أهل المدينة يجتمعون في "ساحة السخرية". يقف أحدهم في المنتصف، بينما يرميه الآخرون بكلماتهم كالحجارة. ذات ليلة، اختاروا الخباز "موسى" الذي كان يخبز خبزاً بلا خميرة. مع كل إهانة، ظهرت على جسده كدمات تحمل العبارات نفسها: "أبله" على جبينه، "فاشل" على صدره.
اكتشف الطفل ذو اللسانين أنه يستطيع رؤية مملكة موازية. هناك، كل سخرية تتحول إلى كائن حي. ضحكات الاستهزاء أصبحت عقارب سامة، والنكات العنصرية تحولت إلى أشجار شائكة تثمر دماً. في قلب تلك المملكة، جلست ملكة بلا وجه، تلبس تاجاً من الألسنة المقطوعة.
عندما حاول بعض الضحايا التمرد، ابتكر الساخرون طقساً مروعاً. كانوا يجبرون الضحايا على شرب خليط من الحبر واللعاب، ثم ترديد الإهانات الموجهة لهم، وأخيراً الضحك على أنفسهم بصوت عال. بعد ذلك، يصبحون "مطهرين" - أشباحاً بلا ملامح، مستعدين لارتداء أي قناع.
بدأت ظلال الضحايا تتحرك من تلقاء نفسها. كانت تمشي عكس اتجاه أصحابها، وتختفي عند الضحك، وتنمو عندما يُطلق عليها اسمٌ مهين. الطفل ذو اللسانين اكتشف أنه يستطيع التحدث إليها، فأخبرته الظلال أنها تبني مدينة تحت الأرض تنتظر ساعة الانتقام.
في ليلة ممطرة، بدأت الأقنعة تنزف حبراً أسود. صارت تهمس بأسماء حامليها الحقيقين، وتتقلص على الوجوه كالأكفان. هرع الناس إلى ساحة السخرية، فوجدوا مرايا ضخمة تعكس أشباحهم الأصلية.
ظهرت الملكة بلا وجه وأمرت بمحاكمة الألسنة. قطعت ألسنة الساخرين، وخاطت أفواه الصامتين، وعلقت الألسنة المقطوعة على "شجرة الاعتراف". الطفل ذو اللسانين كان الوحيد الذي نجا، لأن لسانه الأسود كان يصرخ بألم الضحايا طوال الوقت.
في الصباح، استيقظوا على مدينة مقلوبة. المباني صارت مبنية من الكلمات المؤذية، والشوارع ممهدة بالضحكات المجففة، والنهر يجري فيه حبر أسود. الظلال سيطرت على كل شيء، وصار البشر مجرد ظلال لظلالهم.
بعد سنوات، بين أنقاض المدينة، وُلد طفل جديد. هذه المرة بلا لسان على الإطلاق، لكن عينيه كانتا مرآتين تعكسان الحقيقة، وعلى صدره وشمٌ يقول: «لن أنطق إلا بالصدق». المملكة الموازية اختفت، لكن في الليالي المقمرة، يمكنك سماع همسات الألسنة المعلقة على الشجرة، تحكي قصص من دمرتهم الكلمات.
في زوايا المدينة الخربة، لا تزال الأقنعة الفارغة تتنفس بخفة، منتظرةً وجوهاً جديدة لتحتضنها. واللسان الأسود للطفل الأول لا يزال يطنُّ في آذان من يجرؤ على الاستماع، يهمس بكلمة واحدة فقط: "احذروا".
••••
ـــ نقطة نهاية زرقاء ـــ
لم يكن ثمة شيء اسمه الإحباط في بداية الخلق. كان هناك فقط: النقطة الزرقاء. نقطة صغيرة جداً، عالقة بين مجرّتين، تُشبه ومضة دمعة سقطت من عينِ ملاك نسي كيف يبكي.
في تلك النقطة، وُلدت الكائنات التي تُسمى "الذوات المؤجلة". مخلوقات لا تعيش حياة كاملة، بل أجزاء مبتورة من حيوات أُخرى. كلّ ذات منهم تبدأ حلماً، ثم تُسحب من لحظته الأخيرة إلى بداية شيء آخر. حياة متتابعة من الأبواب المفتوحة بلا عتبات.
**
كان اسمها سُليمى.
لا، لم يكن اسماً. كان صدى اسمٍ نُطق في عالمٍ آخر ولم يُكتمل.
سُليمى لم تكن تملك جسداً. كانت تسير كنبضٍ خافت على الحواف، تشبه ظل فكرة لم تُفكّر بها بعد.
كانت وظيفتها: جمع النهايات التي لم تحدث.
في كل يوم، تنزل إلى أرشيف الكوكب الأزرق، تبحث في العقول التالفة، تفتح أدمغة نائمة، وتستخرج منها النهايات الضائعة:
• رواية لم تُكتب نهايتها.
• اعتراف لم يُعلن في وقته.
• مشروع توقّف في صفحة الإكسل رقم 7.
• عناق تأجل حتى الموت.
تُخبّئ هذه النهايات في قوارير زجاجية، وتضعها على رفوف اللازمن.
وذات يوم، وجدت شيئاً مختلفاً.
القلب.
لا، ليس عضواً بيولوجياً. بل قلباً روحياً ينبض داخل جمجمة خالية. كان ملتصقاً بجملة وحيدة لا تتكرّر: «لم يكن عليّ أن أحاول.»
وقفت أمام القلب طويلاً، كأنها تسمع نفسها فيه. لم تكن تعرف حتى تلك اللحظة ما هو "الإحباط"، لأن الذوات المؤجلة لا تملك مشاعر مكتملة، بل فقط ظلالها.
لكنها الآن، شعرت بشيء… يشبه الثقل. كأنها ابتلعت حجراً حزيناً.
نظرت إلى القلب، وهمست:
– «أأنت حلم فشل؟ أم ذات أُعيد تدويرها؟»
فردّ القلب، دون صوت، دون نبض، بل بذبذبة زرقاء:
– «أنا شخص حاول…
وحين لم يُصدّقه أحد، صدّق الإحباط نفسه.»
قرّرت سُليمى أن تخالف النظام.
أخذت القلب، وضعته داخلها. لأول مرة، صار لها نبض.
انفجرت الأشياء: المكان، الزمان، الهيكل الزجاجي للنقطة الزرقاء، كل شيء تكسّر.
وسقطَتْ.
لم تسقط إلى الأسفل، بل إلى الداخل.
**
استيقظتُ فجأة. كنتُ أنا. في سريري. وسط الليل، أتصبّب عرقاً. نظرت حولي.
الغرفة مظلمة، السقف مائل قليلاً كأنه يوشك أن يسقط.
الرواية التي كنت أكتبها منذ سنوات ما تزال على الطاولة، بلا نهاية.
المشاريع نصف مكتملة، الرسائل غير المرسلة، كلّ شيء كان ساكناً… كأنني نسيت أن أعيش.
تذكرت حلمي: الكائن، القلب، الذبذبة الزرقاء، الجملة: «لم يكن عليّ أن أحاول.»
نهضت. ذهبت إلى المرآة. نظرت في عينيّ، وفهمت الحقيقة:
"الإحباط ليس شعوراً، بل هو كائن، يسكنك بهدوء. ينتظر أن تُصدّقه أكثر من نفسك. ويُحَوّلك من كاتبٍ إلى هوامش، من عاشقٍ إلى اعتذار، من حيّ… إلى "ذاتٍ مؤجّلة".
ومنذ تلك الليلة، لم أكتب شيئاً. لكنني… صرت أسمع كل ليلة نقطة زرقاء تقترب. تدقُّ رأسي، بهدوء، كأنها تقول:
– «سأمنحك نهاية… إن تخلّيت عن البدايات.»
النهاية؟
ربما.
وربما هذا، بالضبط، هو وجه الإحباط الأكثر فتكاً:
'أن لا تكون متأكداً أبداً… إن كانت النهاية وقعت. أم أنك لا تزال تحلم بها.'
••••
ـــ مأواه الكلمات ـــ
لم يكن الشاعر يعيش في بيتٍ من حجرٍ أو خشب، بل كان يسكن داخل 'حرفِ الكاف'. ذلك الحرفُ المُقوَّسُ كقوسِ قزحٍ مقلوب، كان جداره الداخليّ مُبطَّناً بأوراقٍ قديمةٍ من دواوينَ منسيّة، وأرضيته من حروفٍ سقطت من قصائدَ لم تُكْتَبْ بعد.
في زاويةٍ ضيّقةٍ بين انحناءةِ الحرفِ وسقفه، كان ينامُ ملفوفاً بسطرٍ شعريٍّ يُعيدُ كتابتَه كلَّ ليلةٍ كي لا يُمحى. وكان ضوءُ مصباحه يتشكّل من كلمة "قمر" معلَّقة بخيطٍ من فضةٍ لغويّة.
ذات يوم، بينما كان يُرتّبُ مفرداتِه في جرارٍ خزفيّة، لاحظ أنَّ بعضَ الكلماتِ بدأت تتساقطُ كأوراق الخريف. كلمة "حبّ" تحوّلت إلى ذبابةٍ ورقية، وكلمة "وحدة" تشقّقت كالتراب العطشان. حاول جمعها بين كفَّيه، لكنّها تبخّرت كأنها لم تكن.
**
في صباحٍ بارد، كتب قصيدةً عن امرأةٍ اختفت منذ زمن. وعندما استيقظ في اليوم التالي، وجدَ أغصاناً زرقاء تخرج من بين السطور. كانت الأوراقُ على شكلِ حروف، والثمارُ كقطراتِ حبرٍ متجمّدة. حاول أن يقرأ ما كُتِب عليها، لكنّها كانت 'لغةً نباتيّةً لا يفهمها'.
اقترب منها بحذر، فسمعَ همساً يأتي من داخلها:
«كلُّ قصيدةٍ تُزرعُ في القلبِ تنمو ذات يومٍ كشجرةٍ، وكلُّ شجرةٍ تُثمرُ كلماتٍ جديدة.»
لم يعرف إن كان الصوتُ يأتي من القصيدة أم من ذاكرته. لكنّه شعرَ فجأةً أنَّ جذورَها اخترقت صدرَه وامتزجت بأضلعه.
**
في إحدى الليالي، بينما كان يعدُّ النجومَ المُعلَّقة على حبلِ الواو (التي كانت تشبهُ عقداً من اللؤلؤ الورقيّ)، سمعَ صوت انكسارٍ قادماً من حرفِ الميم. عندما اقترب، وجدَ كلمةً ميتة ملقاةً على الأرض.
كانت الكلمةُ "نورس" – طائرٌ بحريٌّ وردَ في قصيدةٍ كتبها قبل عشر سنوات ثم نسيها. الكلمةُ كانت باهتة، حروفُها متشققة، ورائحتُها كرائحةِ مكتبةٍ مغلقةٍ منذ قرن. حملها بين يديه، فتحوّلت إلى رمادٍ لغويّ.
حاول أن يعيدَ كتابتَها في الهواء، لكنّ الريحَ سرقتها قبل أن تكتمل. عندها أدرك أنَّ الكلماتِ تموتُ مرّتين: مرّةً عندما ننساها، ومرّةً عندما نُذكّرُ بها ثم نتركها وحيدةً من جديد.
**
في الصباح التالي، استيقظ على هديرٍ عظيم. الأرضُ تحت قدميه كانت تتشقّق، وانحناءةُ حرفِ الكافِ بدأت تنفصلُ إلى نصفين. من الشقِّ خرجت كائناتٌ غريبة:
• أشباحُ تراكيبَ ناقصة تائهةٌ بلا جملةٍ تحملها.
• أطيافُ علاماتِ ترقيم هاربةٌ من نصوصٍ أُحرقت.
• حروفٌ مكسورة تسحبُ نفسَها كجرذانِ مكتبات.
أحدُها، فاصلةٌ عرجاء، همست له:
– «الكلماتُ قرّرت الرحيل.. لقد سئمت من أن تكونَ مجرّدَ أوكارٍ لأحلامِك.»
**
قرّر الشاعر أن يتبعَ الكلماتِ الهاربة. مشى عبر السينِ المُلتوية (التي صارت نفقاً مظلماً)، ثم عبرَ اللامِ المُستقيمة (التي تحوّلت إلى جسرٍ من زجاج). أخيراً وصل إلى مكانٍ يُسمّى "مملكة الذاكرة".
هناك، رأى مكتبةً عائمة في الفراغ، كتبُها تفتحُ وتُغلقُ بمفردها. في إحدى الزوايا، وجدَ كلماتِه الضائعة جالسةً حول نارٍ خفيّة، تُعيدُ سردَ نفسِها كي لا تموت.
قالت له كلمة "غيمة" (التي كان قد أسقطها من قصيدةٍ منذ سنوات):
«نحنُ لا نختفي.. ننتقلُ فقط إلى مكانٍ يذكرُنا.»
**
عندما عاد إلى حرفِ الكاف، وجده قد انهار تماماً. كلُّ ما تبقّى هو نقطةٌ سوداء على صفحةٍ بيضاء. جلس أمامها، ثمَّ كتبَ حولها دائرةً بكلمةٍ أخيرة:
«الكلماتُ أوطانٌ مؤقّتة.. فاحذر أن تنسى.. أنتَ مَنْ صنعَها، لا هيَ مَنْ صنعتْك.»
ثمَّ أغلقَ العينَين.
ولكن... في مكانٍ ما، بعيداً في مملكةِ الذاكرة، قصيدةٌ جديدةٌ بدأت تنمو.
••••
ـــ حشرة في قلب الساعة ـــ
لم يكن يعرف اسمه.
أحياناً كان يظن أنه وُلد بلا اسم، وأحياناً أخرى يتخيل أن أحداً نزعه منه كما تُنزع ورقة الهوية من جيب رجلٍ هارب. كان يستيقظ كل صباح على رنينٍ داخلي لا يشبه صوت أي ساعة عرفها البشر. جرس صدئ يتدلّى من أضلاعه ويُقرع بإيقاعٍ غامض، إيقاعٍ لا يُنذر بالوقت بقدر ما يذكّره بأنه لا يزال على قيد البقاء، وأن قلبه لم يعلن استقالته بعد.
لم تكن هناك ساعة على الجدار.
الجدار نفسه كان ساعةً تنزف الوقت كما ينزف جرح قديم صديده. الجدار يتصبب منه الزمن كما يتصبب العرق من جبهة رجلٍ محاصر بالخوف. كل ثانية تسيل كقطرة ماء في صحراء، كل دقيقة تهوي من السقف كحجرٍ صغير، كل ساعة تنكسر في صدره كزجاجة.
هو – ذلك الذي بلا اسم – يسكن غرفةً ضيقة، أشبه بصندوقٍ مغلق في باطن الأرض. جدرانها عارية إلا من بقع رطوبة تتخذ أشكال وجوهٍ مشوهة. لا نوافذ، لا أبواب حقيقية، فقط فجوة وحيدة يدخل منها الهواء الثقيل. على جانب الغرفة سرير حديدي بارد لا ينام عليه، بل يتركه خاوياً كجثةٍ لم تجد جسداً. وعلى الطاولة ورقةٌ بيضاء يحدّق فيها كل ليلة حتى تحترق عيناه، وبجوارها قلم لا يكتب، يظل ساكناً كخنجرٍ صدئ.
في الليل، يتصاعد من الحبر دخان.
تتبدد الكلمات قبل أن تولد، كأطفالٍ يُجهضون في أحشاء الأمهات قبل الصرخة الأولى. كل محاولة للكتابة تتحول إلى رماد. وكل جملة يخطها تتلاشى كأنها تخجل من البقاء. حتى حين يمد يده ليكتب اسمه، يلتف حوله ظلّ كثيف، يبتلعه كما يبتلع البحرُ صرخة الغريق.
وكان يسمعها دائماً.
الحشرة.
تسكن قلب الساعة – إن وُجدت ساعة – أو ربما قلبه هو. تحكّ زوائدها على جدران الزمن، تُصدر صوتاً أشبه بخدشٍ متواصل، كشخصٍ غريب يحاول أن يحفر في عظامه نفقاً للخروج. كان الصوت يطارده حتى في نومه، فيحلم أنه ممدد في تابوتٍ خشبي والديدان تنخر قلبه بإيقاعٍ منتظم.
قالوا له مرة إن القلق مجرد فكرة.
ضحك.
يعرف أنه ليس فكرة. يعرف أنه كائن. يرى ظلاله في المرايا، يرى عينيه في عينيه، يبتسم له بعين واحدة ويُلوّح بلسانٍ من زجاجٍ مكسور، لسان يلمع تحت الضوء كخنجر مغموس في الملح.
كان كل شيء في الغرفة يشهد على وجود هذا الكائن. الورقة البيضاء ترتجف بين يديه. أحياناً يكتب:
– «أنا بخير».
لكن الحبر يتلاشى لحظة يلامس الورق. تظهر بدلاً من الجملة خربشات ملتوية، آثار أقدام صغيرة، كأن مخلوقاتٍ هاربة مرت على الورقة في جنح الليل. وفي الصباح، يجد الورقة مغطاة بشعرٍ أسود ناعم، شعر كلبٍ ضال وُلد من رحم القلق، يركض في الغرفة بلا صوت.
قرر ذات يوم أن يزور طبيباً. لم يكن يعرف ماذا يقول، لكن صوته الداخلي – صرير الحشرة – دفعه للخروج. جلس أمام الطبيب كرجلٍ يضع قلبه على الطاولة. سأله الطبيب:
– هل تسمع صوتاً ما؟
أومأ برأسه، متردداً كمن يعترف بخيانةٍ غامضة.
قال الطبيب بهدوءٍ بارد:
– تلك الحشرة؟
ارتجف، كأن الطبيب اخترق صدره بعينيه. كيف عرف؟
ضحك الطبيب ضحكة قصيرة، كمن يسخر من سرٍّ مكشوف:
– كلنا نملكها. بعضنا يسقيها حتى تكبر وتتحول إلى وحشٍ يلتهمنا، وبعضنا يخنقها حتى تذبل في الظلام. الفرق أنك استمعت إليها أكثر مما ينبغي.
عاد إلى غرفته مثقلاً بالدهشة. هل يعقل أن يكون البشر جميعاً مأهولين بالحشرات؟ هل هو مجرد واحد من سرب؟ أم أن الطبيب يكذب ليطمئنه؟
في تلك الليلة، لم يعد يحتمل. جلس عارياً أمام الطاولة، الصدر مكشوف والسكين بين يديه. وضعها على قلبه كما يضع المرء إصبعه على زر الحذف في جهازٍ يوشك على الانهيار. ضغط قليلاً. لكنه لم يجد دماءً. بل انبثق من داخله ضوء شاحب، خرجت منه امرأة عارية، جسدها يكسوه رداء من أسلاكٍ رفيعة تتلألأ كالنجوم المكسورة.
ضحكت ضحكةً متكسّرة، وقالت بصوتٍ يشبه رنين الحديد:
– أنا القلق. لا تحاول قتلي. أنا من يبقيك يقظاً. أنا من يحرسك من السقوط.
– لكنك تخنقني… تسرق أنفاسي.
– وأنا أيضاً أتنفس من خلالك. أنت مسكني، وأنا حياتك الثانية.
اقتربت منه، مدّت أصابعها المعدنية، لمسته برفقٍ كلمسة كهرباء. شعر ببرودةٍ تجتاحه، برودةٍ تشبه الطمأنينة المرّة.
في الصباح، فتح عينيه. كان شيء ما قد تغيّر. الغرفة ذاتها، الجدران ذاتها، الطاولة، الورقة. لكنه لمح نافذة لم يرها من قبل. لم تكن قد ظهرت فجأة، بل كانت دائماً هناك، مغطاة بستارة سميكة من غفلته. رفع الستارة بيده. خلفها كان العالم ينتظره: الشارع، الغبار، أصوات أطفالٍ يضحكون، امرأة تحمل خبزاً ساخناً، سماءٌ مثقوبة بالشمس.
خرج من الغرفة. لأول مرة شعر أن قدميه تلمسان الأرض حقاً. كان العالم ثقيلاً لكنه موجود، كان حادّاً لكنه حقيقي.
والحشرة؟ ما زالت هناك.
تحكُّ في صدره. لكن صوتها لم يعد خدشاً صامتاً، بل نغمة غامضة، كأنها تحاول أن تعلّمه لحناً أولياً، لحناً مرتجفاً يرافق كل خطوة، يذكّره أن الحياة، مهما كانت مليئة بالرعشة، تظل – على الأقل – حقيقية.
••••
ـــ المدينة التي تأكل الأحلام ـــ
في أقصى الطرفِ المعتمِ من العالم، حيثُ السماءُ رماديّةٌ دائماً، والشمسُ لا تُطلّ إلا مجروحةً من خاصرةِ الوقت، كانت هناكَ مدينةٌ تُدعى "نَسْيَة"، مدينةٌ لا يذكرُها أحدٌ، ولا يتحدثُ عنها أحدٌ، ومع ذلك، يعيشُ فيها الجميعُ دونَ أن يعرفوا.
في نَسْيَة، لا أحدَ يُولد، بل يُفرَز.
في كلِّ فجرٍ، تقفُ شاحناتُ الأحلامِ عند بواباتِ المدينةِ وتُفرغُ صناديقَها من بشرٍ أنهكتهم المدنُ الأخرى. يصلونَ كأنهم نجوا من حرائقَ لا اسمَ لها، بعيونٍ نصفِ مفتوحةٍ، وقلوبٍ نصفِ مشتعلةٍ، يحملُ كلٌّ منهم كيساً شفافاً فيه حلمٌ صغيرٌ: رسّامٌ يريدُ أن يرسمَ شيئاً لا يمحوهُ الوقتُ، موسيقيٌّ يبحثُ عن نغمةٍ تنقذُه من الجنونِ، طفلٌ يحملُ في جيبِه قمراً من الورقِ، وامرأةٌ تريدُ فقط أن تقولَ ما لم تقلْه لميتٍ رحلَ قبلَ أن يصغي.
كانَ اسمُه آدم، لا لأنّه الأولُ، بل لأنّه الأخيرُ.
جاءَ إلى نَسْيَةَ وفي قلبِه حريقٌ اسمُه "كتابةٌ". لم يكنْ يملكُ كتاباً منشوراً، ولا حتى دفتراً يحتفظُ به، بل كانَ يسيرُ وفي ذهنِه جملٌ تحترقُ، كلماتٌ تتبعثرُ، حواراتٌ تولدُ وتموتُ في ذاكرتِه ككواكبَ صغيرةٍ تندثرُ قبلَ أن تضيءَ.
في يومِه الأولِ، سلّموه مفتاحَ "غرفةِ الانتظارِ". قالوا له:
– «هنا تبدأُ الأحلامُ بالتنازلِ عن نفسِها، لا تقلقْ، الإحباطُ ليس قاتلاً... بل هو مطهّرٌ.»
كانتِ الغرفةُ أشبهَ بعقوبةٍ. جدرانُها بيضاءُ بشكلٍ يثيرُ الغثيانَ، ضوءُها لا ينامُ، وسقفُها منخفضٌ كأنّه ينحني ليخنقَكَ ببطءٍ. كانَ عليهِ أن يجلسَ على الكرسيِّ، كلَّ يومٍ، يضعُ حلمَهُ أمامَهُ، وينتظرُ أن يُنادى باسمه للدخولِ إلى "غرفةِ التقييمِ". مرّتِ الأيامُ، ثمَّ الشهورُ. اسمُه لم يُنْادَ به يوماً.
في الليلةِ المئةِ، بدأَ الحلمُ بالتآكلِ.
أصبحَ الكيسُ شفافاً أكثرَ من اللازمِ، والحروفُ بداخلهِ تتساقطُ كأنّها جليدٌ يذوبُ في العدمِ. حاولَ آدمُ أن يتحدثَ إلى الحراسِ، إلى بقيةِ المنتظرينَ، لكنّ الجميعَ كانوا صامتينَ، وجوهُهم خاليةٌ، كما لو أنّ كلَّ ما فيهم قد أُطفئَ بهدوءٍ.
في اليومِ المئتينِ، خرجَ من غرفتِه وبدأَ يمشي في نَسْيَةَ. اكتشفَ أنَّ المدينةَ لا تحتوي على مقابرَ، بل على مصارفَ للأحلامِ التالفةِ. كلُّ شارعٍ فيهِ مصرفٌ، وكلُّ مصرفٍ فيهِ آلافُ الأحلامِ المكبّلةِ، مجمّدة داخلَ زجاجٍ سميكٍ، وعليها ملصقاتٌ:
«حلمٌ لم يتحملِ الضغوطَ»
«حلمٌ لم يكنْ واقعياً»
«حلمٌ أصيبَ بخيبةِ أملٍ حادّةٍ»
«حلمٌ حاولَ المقاومةَ... وفشلَ»
ورأى حلمَهُ هناكَ.
كانَ ذاكَ الكيس الذي حملهُ طويلاً، الكيس الذي خبّأَ فيهِ كلماتِهِ التي لم تُكتَبْ بعدُ. لكنّهُ لم يكنْ كما تركَهُ. كانَ مبتوراً، ناقصاً، والعباراتُ داخلهُ لم تعدْ تحملُ نفسَ الإشراقِ. كانتْ مشوّهةً، كأنَّ أحدَهم عبثَ بها، نزفَها، وتركَها تنزفُ وحدَها.
سقطَ آدمُ على ركبتَيْهِ، وسألَ نفسَهُ السؤالَ المرَّ:
– «هل ما أشعرُ بهِ الآنَ هو الإحباطُ؟ أم ما بعدَهُ؟
هل ما يؤلمُ هو أنّني لم أحقّقْ حلمي،
أم أنّ الحلمَ لم يعُدْ يريدُ أن يتحقّقَ؟»
في الليلةِ الأخيرةِ، كتبَ جملةً واحدةً على جدارِ غرفتِهِ:
«أنا لستُ فاشلاً... بل العالمُ لا يؤمنُ بي.»
ثمَّ غفا.
في الحلمِ، رأى مدينةً مقلوبةً، لا تُقيمُ وزناً للإنجازِ، بل تحتفي بالمحاولاتِ. حيثُ من لم يصلْ، يُحملُ على الأكتافِ، وتُكتَبُ القصائدُ لمن انهارَ وهو يحاولُ أن يحلمَ.
عندما استيقظَ، لم يجدِ الجدرانَ. لم يجدِ المدينةَ. لم يجدْ نفسَهُ.
إنما وجد نفسَهُ سطراً في دفترِ رجلٍ آخرَ، غريبِ الوجهِ، كانَ يكتبُ:
«قابلتُ رجلاً في حلمي اسمُهُ آدمُ، لم يكنْ يكتبُ، بل كانَ هو الكتابةَ ذاتَها. لكنّهُ ماتَ قبلَ أن ينهيَ جملتَهُ الأخيرةَ، فكتبتُها عنهُ.»
وهكذا، انتهى آدمُ، لا كحلمٍ تحقّقَ، ولا كإخفاقٍ مألوفٍ، بل كصوتٍ داخلَ صوتٍ، ككلمةٍ ظلّتْ معلّقةً في الهواءِ، بينَ ما كانَ يجبُ أن يكونَ، وما لن يكونَ أبداً.
وهذا، يا صاحبي، هو وجهُ الإحباطِ الأشدِّ:
أن تظلَّ عالقاً... في المسافةِ بينَكَ وبينَ نفسِكَ.
••••
ـــ مكتبة الساعات التي توقفت عن الحلم ـــ
في شتاء ذلك العام، عندما كان الضباب يلتف حول المدينة كشاشة رمادية، دخل رجلٌ إلى المكتبة دون أن يصدر صوتاً. كان يرتدي معطفاً أسود طويلاً، وحذاءه لم يترك أثراً على الأرض الترابية. لم يطلب ساعةً، بل وقف أمام الرفوف وكأنه يبحث عن شيء لم يُذكر اسمه.
سليم الساعاتي، الذي كان يصلح ساعة جيب قديمة بإبرة دقيقة، رفع عينيه ببطء.
قال بنبرةٍ تشبه صوت عقربٍ يخدش الزجاج:
— «كل الساعات هنا توقفت عن العمل.»
أجاب الرجل، صوته كصدى من بعيد:
— «أنا لا أبحث عن ساعة.»
— «إذن ماذا تريد؟»
— «أبحث عن اللحظة التي توقفت فيها ساعة العالم.»
سكت سليم. ثم أخرج من تحت الطاولة صندوقاً خشبياً مغطى بطبقة سميكة من الغبار.
— «هذه الساعة ليس لها عقارب.»
فتح الرجل الصندوق، وفي داخله قرصٌ معدني أملس، بلا أرقام، بلا مؤشرات. فقط ثقبٌ صغير في المنتصف.
— «كيف تُعلّم الوقت؟»
— «إنها لا تُعلّمه. إنها تبتلعه.»
في اليوم التالي، اختفت كل الساعات في المدينة. لم تكن متوقفةً فحسب، بل كانت العقارب نفسها قد سقطت من مكانها، كما لو أن شيئاً ما امتصها من الداخل. الناس في الشوارع كانوا يحدقون في معاصمهم الفارغة، وكأن الزمن نفسه قد تبخر.
ندى، التي عادت إلى المكتبة خائفة، وجدت سليم جالساً في الظلام، أمام ساعة الحائط الكبيرة. لكنَّ شيئاً غريباً كان يحدث: العقارب كانت تدور عكس الاتجاه.
همست:
— «ما هذا؟»
قال سليم دون أن يلتفت:
— «الزمن يعود إلى الوراء.»
— «لماذا؟»
— «لأن شخصاً ما يريد أن يصل إلى اللحظة التي سبقت اليأس.»
في الزاوية، كان الصندوق الخشبي الفارغ مفتوحاً، والثقب في وسط القرص المعدني أصبح أكبر قليلاً.
بعد أسبوع، ظهرت امرأة عند باب المكتبة، ترتدي فستاناً أبيض بلا أكمام، وعلى معصمها لم يكن هناك أثر لساعة. عيناها كانتا تشبهان نجمتين محتضرتين.
— «لقد جئت لأخذ ما سُرق مني.»
سليم، الذي كان قد بدأ يشيخ بسرعة منذ اختفاء الساعات، نظر إليها.
— «ما الذي سُرق منك؟»
— «اسمي.»
المرأة دخلت وأغلقت الباب خلفها. فجأة، توقفت ساعة الحائط عن الدوران العكسي.
قال سليم، وكأنه يذكر نفسه بحقيقة منسية:
— «أنتِ... أنتِ الساعة التي لم تبدأ أبداً.»
— «نعم. أنا اللحظة التي تسبق كل اليأس. اللحظة التي كان فيها كل شيء ممكناً.»
أحضرت المرأة يدها إلى الصندوق الخشبي، وأخرجت القرص المعدني. الثقب في وسطه كان الآن بحجم قبضة يد.
— «هذا ليس ثقباً. هذا باب.»
في صباح اليوم التالي، لم يعد هناك أي أثر للمكتبة. فقط رفوف فارغة مغطاة بغبارٍ ناعم، وكأن المكان قد مُسح من الذاكرة نفسها.
لكن في منتصف الغرفة، على الأرض، كان هناك قرصٌ معدني أملس. وإذا نظرت عن قرب، يمكنك رؤية عقارب صغيرة جداً تدور داخل الثقب، باتجاهين متعاكسين.
وفي المدينة، بدأت الساعات تعود إلى مكانها، لكن كل واحدةٍ منها كانت تشير إلى توقيت مختلف.
لم يعرف أحدٌ ما حدث لسليم أو المرأة البيضاء. لكن في بعض الليالي، عندما يكون القمر مكتملاً، يمكنك سماع دقات ساعةٍ غير مرئية.
أولئك الذين يقتربون جداً من الصوت يقولون إنه يشبه صرخة مكتومة، أو ربما ضحكة خافتة.
أما الذين يجرؤون على الدخول عبر الثقب في القرص المعدني، فلا يعودون أبداً ليخبرونا ما وجدوا هناك.
لكن أحياناً، تظهر ساعةٌ جديدة في المدينة، متوقفة عند توقيت غريب.
وعلى ظهرها، تُكتب كلمة واحدة فقط:
«ماذا لو؟»
••••
ـــ أنا القلب الذي خانه صاحبه ـــ
(مذكرات عضو لا أحد يستأذنه)
(1)
أنا القلب.
نعم، ذاك الكائن الذي يتغنى به الشعراء، ويطعنونه أولَ مَن يطعن.
الذي يضعونه في خطاباتهم، ثم يرمونه على قارعة الصدر كقميصٍ قديم.
في البداية كنتُ أؤمن.
أؤمن أن دوري نبيل: أن أحب، أن أغفر، أن أتألم وأظل أطرق جدران الضلوع مثل شاعر سجين.
لكنهم نسوني.
نسيَني هو...
ذلك الذي يسكنني.
**
(2)
اسمه كان "نبض" — يا لسخرية الأقدار.
وكان يمشي بي في طرقات مدينةٍ بلا قلب.
كنتُ أصرخ فيه:
– «احذر، هذه المدينة لا تحب القلوب!»
فيضحك، ويقول:
– «أنت خائف... أنت دائماً خائف.»
كنتُ أعرف.
المدينة منظمة حدَّ الجفاف.
الناس فيها يزرعون أنفاسهم بزاوية قائمة، لا يرتبكون، لا يخجلون، لا يحلمون.
حتى النوافذ فيها لا تفتح على شيء.
لكنه كان مؤمناً بي.
وكان هذا أسوأ ما فعله بي.
**
(3)
عرفَ امرأةً، قالت له:
– «أحبك.»
همس لي:
– «أرأيت؟ العالم لا يخون دائماً.»
صَرَختُ فيه:
– «إنها لا ترى إلا صورتها في عينيك. ستحطمك حين تمل.»
لكنه فتح نوافذه كلها لها، وتركها تنام على وسادته.
حتى اسمي — قلبي — كتبه على راحة يدها.
ثم خانته.
خانته بكامل أناقتها.
ابتسمت له وهي تخونه، كمن يقدّم كأسَ سمٍّ في وعاءٍ من كريستال.
ولما بكيتُ، قال لي:
– «اصمت... لا تكن دراميّاً.»
**
(4)
بعدها، قرر أن يتغير.
قال لي:
– «لقد نضجتُ.»
لكن ما فعله لم يكن نضجاً... كان خيانةً مضادة.
خيانة من طراز جديد: أن تخون قلبك كي لا يخونك أحد.
صار يمشي مثل الآخرين.
ينام في المواعيد.
يحب دون أن يتورط.
يضحك دون أن يفرح.
ويتركني أنزف في صمت، كرسالةٍ لا يفتحها أحد.
**
(5)
وفي يومٍ أخير، قال لي بهدوء:
– «سأُخرجك.»
– «تُخرجني؟»
– «نعم. سأكشفك للناس. ليعرفوا أنك لست عاراً ولا خطأً.»
وفتح صدره أمام المدينة، ورفعني كرايةٍ حمراء في عالمٍ أبيض ميت.
ارتعبوا.
بعضهم هرب، بعضهم بكى، والبعض بصق نَحونا وقال:
– «مجنون.»
لكن طفلةً واحدةً فقط، جاءت ولمستْني. وقالت:
– «أشعر بدفءٍ يشبه حضن أمي.»
لأجل تلك اللمسة... سامحته.
**
(6)
وبعدها، مُتنا.
أنا وهو.
معاً.
لكن المدينة تغيّرت.
صارت ترتبكُ أكثر.
تضحكُ دون سبب.
تتأخرُ عن العمل لتبكي في الحدائق.
صار الناس يشعرون بشيءٍ صغيرٍ ينقرُ داخلهم.
يسمونه أحياناً "الحنين"، وأحياناً "الخوف الجميل"، وأحياناً لا يجرؤون على تسميته.
لكنني أعرف مَن أنا.
أنا القلب الذي خانه صاحبه...
ثم أحبه في النهاية، كما يُحب الذاهبون إلى الموت أعينَ الذين لا يودعونهم.
••••
– حسناء في متحف الخيبات الصغيرة –
في زاوية منسية من مدينة بلا اسم، خلف أزقة ملتوية كالأمعاء لا تؤدي إلى أي مكان، كان المبنى قائماً هناك كأنّه سرّ قديم يرفض أن يُكشف.
لم يكن بناءً لافتاً، لم يُكتب على جدرانه تاريخ تأسيس، ولا رُفعت عند بابه أعلام، ولا وُضع له إعلان في صحيفة. مجرد كتلة باهتة من حجر رمادي، نافذتها الوحيدة مغلقة منذ عقود، وفوق الباب الخشبي البالي لافتة معدنية متهالكة، تكاد كلماتها تُمحى من الصدأ:
«متحف الخيبات الصغيرة – للذاهبين بخفّة والمثقلين بما لم يحدث».
كل من مرّ بالمكان ظنّه مخزناً قديماً أو بيتاً مهجوراً، إلا "حسناء".
كانت تلك الليلة مثقلة كأنها حجر على صدرها، فوجدت نفسها أمام الباب دون أن تعرف كيف وصلت. ربما ساقتها قدماها، وربما سحبها نداء غامض في داخلها. مدت يدها إلى المقبض، ارتجفت أصابعها لحظة ملامسته، إذ شعرت ببرودة غير مألوفة، كأن الزمن كله انسكب فجأة في يدها.
حين دفعته، لم يصرّ كما تفعل الأبواب الميتة، بل انفتح ببطء ونعومة، كما لو أنه كان ينتظرها وحدها، كما لو أنّه يعرفها منذ زمن بعيد.
دخلت.
الهواء في الداخل لم يكن ساكناً كما توقعت، بل نابضاً بروائح غريبة: خليط من عطر قديم لم يعد يُباع، ودفاتر مبللة برطوبة الأقبية، وأمنيات صغيرة نُسيت في جيوب المعاطف الشتوية.
شعرت للحظة أنها لا تخطو في مكان، بل في ذاكرة ضخمة ليست لها.
الهدوء كان ثقيلاً، أشبه بغطاءٍ من زجاج، لا موسيقى، لا مرشدين يبتسمون، لا إضاءة نيون تستعرض مقتنيات المتاحف الحديثة. فقط رجل نحيل واقف في الظل، يرتدي معطفاً رمادياً طويلاً يكاد يبتلعه، ملامحه كأنها سقطت من صورة قديمة التقطت بعدسة زمن آخر. عيونه خلف نظارة سميكة، وصوته حين خرج منه بدا كما لو أنه يُستعار من مكان بعيد، أبعد مما تقدر الروح على الوصول.
لم تكن في القاعة الأولى سوى أشياء لا يلتفت إليها أحد:
مظلة سوداء مقطوعة من المنتصف، ساعة حائط متوقفة عند الثانية عشرة تماماً، حذاء وحيد ملطخ بطينٍ يابس على حافته اليمنى، علبة حليب فارغة كُتب عليها: للصباحات التي لم تبدأ، ورسالة على ورق شفاف لم ينجُ منها سوى نصف سطر:
«أنا آسف... لكنّي...».
تقدمت حسناء ببطء، تلمس الأشياء بعينيها. أصابعها راحت تفرك خنصر يدها، تلك العادة القديمة التي ترافقها منذ الطفولة كلما شعرت أن شيئاً ينهار من الداخل.
همست لنفسها، كأنها تخشى أن يسمعها المكان:
– «أهذا متحف؟ أم مذبحة صامتة؟»
اقتربت من صندوق معدني صدئ، محفور عليه:
"خيبة رقم ١٣٧"
مالت برأسها لتقرأ أكثر، وفجأة، وجدت الرجل الرمادي بجوارها، لم تسمع وقع خطواته. سألت:
– «ما هذه؟»
ابتسم بنصف ابتسامة، وعدّل نظارته، وقال:
– «في اليوم العاشر من عمرها، وعدها والدها بدراجة حمراء إن حفظت جدول الضرب. فحفظته كله، حرفاً بحرف. لكنه عاد في المساء محملاً بصندوق ملابس لأخيها الأكبر. لم تقل شيئاً. فقط علقت الإجابة في حلقها منذ ذلك اليوم. بعد عشرين عاماً، وجدت هذه العلبة في سوق للخردة، اشترتها ووضعت فيها الصوت الذي لم يخرج أبداً.»
شعرت حسناء بارتجافة تعبر جسدها.
ضحكت ضحكة قصيرة، أشبه بجرس مكسور:
– «هذا ليس متحفاً، إنه مقبرة!»
لكن الرجل لم يُنكر، فقط أشار برأسه إلى زاوية أخرى. هناك، على قاعدة زجاجية، وقفت زجاجة عطر فارغة.
قال بصوت رخيم:
– «خيبة رقم ٤٤٢. رجل كان يهديها لحبيبته كل عام في عيد ميلادها. في السنة الخامسة، وجدها فارغة. اكتشف لاحقاً أنها كانت تبيع كل الهدايا لتمويل هروبها من العلاقة. لكنه احتفظ بالزجاجة، وقال لي مرة: العطر الوحيد الذي لم يتبخر كان رائحة خُدَعي.»
تقدمت حسناء، قلبها يخفق ببطء ثقيل، كأن كل خطوة تقودها نحو أعماق روحها.
قادها الدليل إلى غرفة أخرى. كانت ضيقة، سقفها منخفض، جدرانها مغطاة بمرايا صغيرة، كل واحدة محفور عليها اسم وتاريخ.
سألت بصوتٍ مرتبك:
– «وهذه؟»
قال بهدوء يشبه صلاة:
– «هذه خيبات بلا ملامح. أصحابها نسوا التفاصيل، لم يبقَ سوى ظلّ الوجع. فالمرايا تحفظ وجوه الزائرين لحظة التذكر. بعضهم يعود كل عام ليجد صورته أوضح، كأن الذاكرة لم تكتفِ بمرة واحدة.»
اقتربت حسناء وجلست على مقعد خشبي واهن، كأنّه يئن تحتها. رفعت رأسها إلى مرآة كُتب أسفلها:
"خيبة رقم ٧٧٧٧ – امرأة نسيت أن تعيش بانتظار من يعود."
غامت عيناها. هل تتحدث المرآة عنها؟ عن لياليها الطويلة في الانتظار، عن أعوامها التي أهدرتها على أبواب مغلقة، عن رسائل لم تصل؟
شعرت أنها تغوص في المرآة، أن وجهها يذوب داخلها. لم تعد تعرف إن كان الزمن يمرّ أم يتوقف.
حين نهضت أخيراً، كان قلبها يدق بعنف. هرعت نحو الباب، كأنها تطلب النجاة. خرجت إلى الحديقة المجاورة، ركعت تحت شجرة عجوز، حفرت بيديها حفرة صغيرة، وأخرجت خاتماً معدنياً رخيصاً من حقيبتها. كانت قد اشترته لنفسها في عيد ميلادها الثلاثين، محاولةً أن تمنح نفسها ما لم يمنحه لها أحد. دفنته في التراب، همست له:
– «كنت محاولة جميلة... لكنها لم تكتمل.»
عادت بخطوات مترددة إلى باب المتحف. لم يكن الرجل الرمادي هناك. لكن على العتبة ورقة صغيرة، طارت إليها الريح ثم استقرت أمام قدميها. التقطتها بيد مرتجفة، وقرأت:
"خيبة رقم ٩٨٧١: امرأة اعتقدت أن المتحف سيعيد لها ما فقدته. لكنه علّمها أن الخيبة لا تصير جميلة إلا حين نتوقف عن انتظار أن تبرر نفسها."
ثم بخط صغير جداً في أسفل الصفحة:
(المتحف مفتوح ٢٤ ساعة. الدخول مجاني. لكنك ستترك شيئاً خلفك... دائماً.)
تراجعت حسناء خطوتين، نظرت إلى الباب المغلق مجدداً، وتساءلت في داخلها:
هل خرجت حقاً؟ أم أنها ما زالت هناك؟
....................................
– الجمال الذي لا يُرى –
في قريتها الصغيرة، حيث يبدو وكأن الزمن قد توقف بسلام، كانت البيوت المتلاصقة كأعشاش طيور دافئة، تتسلقها شجيرات الياسمين المتشابكة كذكريات لا تنتهي. هناك، تحت سقف بيت متواضع، ولدت يارا. كانت ليالي القرية تخلد إلى النوم مبكراً، تاركة المكان لأصوات الجارات الهادئات وهن يتبادلن أطراف الحديث، وضحكات الأطفال الملائكية التي تملأ الفضاء حول البئر القديم، الذي كان يشبه قلب القرية النابض.
في تلك الطفولة البكر، لم تكن يارا تعلم أن جسدها الصغير الناعم سيصير يوماً سجلاً حياً لحكاية ألمٍ لن تغادرها. في عامها الخامس، هجم عليها الجدري كوحش غاشم، تركها بعد رحيله كأرض محروقة. شُفي جسدها ببطء، لكن المرض الخبيث لم يغادر وجهها الصغير؛ فقد ترك عليه بصماته القاسية، محوّلاً إياه إلى مرآة مكسورة، كل شق فيها يحكي قصة وجع، كل ندبة تشبه جرحاً في الروح قبل الجسد.
كبرت يارا على وقع نظرات الناس، التي كانت تسقط عليها كقطرات المطر الثقيلة. بعض النظرات كانت تحمل شفقةً جارحة، تجعل ألمها أعمق، وكأنها تُذكرها باستمرار بأنها ضحية. ونظرات أخرى كانت تحمل سخريةً باردة، تذرو الثقة في نفسها كما تذرو الرياح حبات الرمل. وأقساها كان ذلك الصمت المطبق، الذي يصرخ بالرفض والغربة. في الثانية عشرة من عمرها، حين تبدأ الأنثى باكتشاف نفسها والعالم، بدأت هي تبني حول ذاتها جداراً شفافاً متيناً، غير مرئي للعيان لكنه أقسى من الحجر. كان سياجاً يقف بينها وبين العالم، يسمح لها بالرؤية من دون أن تسمح للعالم باللمس. تدريجياً، اعتزلت ضحكات الفتيات في الساحات، واستبدلت صخب الحياة بهدوء الكتب المسحورة، وألوان الرسم التي لا تخون. أدركت باكراً أن الكلمات الورقية والخطوط والألوان هي أصدقاء أوفياء؛ لا يجرحون، ولا يشيحون بوجوههم عندما يرون الندوب.
غرفتها الصغيرة، بجدرانها المتواضعة ونافذتها المطلة على عالم لم تعد جزءاً منه، أصبحت مملكتها الخاصة الوحيدة. هناك، بين أكوام الكراسات المليئة بالرسوم، وبقع الألوان المائية التي تنتشر على الطاولة كبقع فرح عشوائية، وبقايا أقلام الرصاص التي أنهكتها الرسم، خلقت عالماً موازياً جميلاً. كانت ترسم الوجوه التي تختلج في أحلامها: ملامح ناعمة ملساء بلا تشوهات، عيون واسعة تبتسم بالرضا لا بالتحدي، أفواه تهمس بكلمات الحنان لا بالهمس الجارح. كل لوحة ترسمها كانت محاولة يائسة لمصالحة نفسها مع المرآة الموحشة، أو ربما كانت محاولة جريئة لإعادة صياغة العالم الخارجي على مقاس روحها الجريحة.
وفي أحد أيام الربيع الجميلة، حين كانت الشمس الدافئة تعانق الأرض، والنسائم العليلة تعبق برائحة الزهور البرية والياسمين، وصلت إلى القرية أنباء كهربت الجو: فنان مشهور قادم ليزورهم. اسمه "وسيم" تردد على كل لسان، كأنه نغم موسيقي جديد. قيل إنه رسّام مبدع، يطارد الجمال في أقصى بقاع الأرض، يلتقط أسرار الوجوه والطبيعة بفرشاته السحرية. أعلن أنه سيقيم بينهم بضعة أيام لينجز لوحة تجسد "جمال البساطة والأصالة". تحولت القرية فجأة إلى خلية نحلٍ مفعمة بالحيوية والترقب. تزين الشباب بأناقتهم، وتأنقت الفتيات بأفضل ما عندهن، وامتلأت ضفاف النهر بمحبي الفن والمتطفلين على الجمال، الجميع يريد أن يرى الفنان الأسطوري أو أن يظهر في لوحته. كان وسيم رجلاً مهيب الطلة، بشعره الكثيف الذي تعلوه لمسة من الشيب، وابتسامته الدافئة التي تذيب الجليد، وصوته الهادئ الواثق الذي يحمل خبرة من عرف الطريق إلى النفوس.
ومن وراء نافذتها الضيقة، كانت يارا تراقب المشهد من بعيد، كشاهدة على حفلة صاخبة لم تُدعَ إليها. شعرت بشيء غريب ينبض في أعماقها، كطائر حبيس يحاول يائساً تحطيم قفصه الزجاجي. هل هو حنين مُفاجئ إلى مكان بين هذا الحشد البشري؟ أم مجرد فضول بريء تجاه رجلٍ غريب لا يعرف أن هناك من تختبئ من الشمس خجلاً؟ بتوتر، أغلقت النافذة بلهفة، وعادت إلى عالمها الآمن، تحاول إسكات ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس بأن هناك عالماً رحباً وراء جدارها الواقي.
في صباح اليوم التالي، بينما كانت تسير وحيدة على ضفاف النهر الهادئ، حيث صوت الماء ينساب كترانيم حزينة تهدئ النفس، سمعت فجأة صراخاً مكتوماً ممزوجاً بالرعب. التفتت بسرعة فوجدت طفل الخباز الصغير، ذلك الولد البريء ذو العينين الواسعتين، يتخبط في المياه المتدفقة، وطائره الورقي الملون يغوص بعيداً مع التيار كحلم يتبخر. لم تتردد لحظة واحدة. قفزت إلى النهر وكأنها تقفز نحو مصيرها المحتوم. الماء البارد لف جسدها النحيل كأفعوان قاس، يريد ابتلاعها، لكنها تشبثت بالطفل الصغير بقوة لا تعرف الخوف، وسحبتها غريزة الأمومة الكامنة التي لم تجربها من قبل نحو الضفة بكل ما أوتيت من قوة. هناك، على الحشائش الرطبة، جلس الصغير يرتجف من الخوف والبرد بين ذراعيها، بينما كانت هي تهمس له بكلمات حانية لم تعرف أنها تحملها في أعماقها.
على التلة المقابلة، كان وسيم واقفاً بشموخ، فرشاته في يده، لكن عينيه لم تكونا على اللوحة التي كان يبدأ برسمها. رأى المشهد كله من البداية إلى النهاية: الفتاة الخجولة التي قفزت كالملاك المنقذ دون تردد، النور الذي انبثق فجأة من قلب الظلام واليأس. في تلك اللحظة الفاصلة، لم يرَ الندوب التي تروي حكاية الألم والمعاناة على وجهها، بل رأى الجمال الحقيقي الخالص؛ الجمال الذي يولد فقط من رحم التضحية والنقاء.
في اليوم التالي، بينما كانت يارا في غرفتها تحاول تركيز انتباهها على لوحة جديدة، طرق الباب بهدوء. فتحت الباب بتوجس وخوف، مخبئة نصف وجهها خلف الباب خشية نظرات الشفقة أو الازدراء. لكن ما قابلها كان مختلفاً تماماً. عينا وسيم كانتا نافذتين صافيتين، تنظران مباشرة إلى أعماق روحها دون خجل أو ريبة. قال بصوته الهادئ الواثق الذي يبعث على الطمأنينة:
– «أبحث عن نموذج حقيقي للوحتي القادمة... وقد وجدته.»
ارتبكت يارا، وكادت تغلق الباب من شدة الخجل والدهشة. همست بصوت خافت يكاد لا يُسمع:
– «لكن وجهي... أنت ترى...»
قاطعها بلطف ورقة:
– «ندوبك؟ إنها ليست عيوباً أو عاهات، بل هي شهادات صامتة على قوة الحياة وصمود الإنسان. ما أريد أن أرسمه ليس ملامحك الخارجية فقط، بل ذلك النور الخفي الذي رأيته يفيض منك بالأمس حين أنقذت الطفل دون تفكير.»
بتردد واضح، وافقت يارا. جلست أمامه للمرة الأولى في مكان مكشوف، وهي تحاول إخفاء خجلها وكفها المرتعش تحت الطاولة. لكن وسيم لم يكن مجرد رسام يرسم وجهاً عادياً؛ كان يفتح نافذة إلى الروح. بين ضربات الفرشاة الرشيقة والألوان المتناغمة، كان يحكي لها عن رحلاته وعن أناس قابلهم في قرى نائية: عن نساء قويات يرين الجمال الحقيقي في الأيدي المتشققة التي تعجن الخبز للعائلة، وعن رجال شجعان يعتبرون الجمال متجلياً في الكلمة الصادقة والموقف الشريف. كانت حكاياته الغنية تسحبها شيئاً فشيئاً من قوقعتها المقفلة، وتجعلها تضحك من القلب لأول مرة منذ سنوات، وتناقشه بجرأة في آرائه، وتنسى تماماً أنها كانت تختبئ من العالم. لأول مرة منذ سنين طويلة، شعرت أن روحها تتنفس بحرية كاملة، كطائر أُطلق سراحه أخيراً.
بعد أيام من العمل الدؤوب، اكتملت اللوحة. جمع وسيم أهل القرية جميعاً في الساحة الرئيسية تحت شجرة الجميز الكبيرة. تجمع الناس بفضول شديد، يتوقعون رؤية منظر طبيعي خلاب أو وجهاً مألوفاً من وجوه القرية المعروفة. لكن حين كشف الفنان عن اللوحة بتأثير مسرحي رقيق، ساد المكان صمت مذهول ثقيل، ثم تبعته همهمات إعجاب ودهشة. كانت اللوحة ليارا، لكنها لم تكن يارا التي يعرفونها. لقد رسمها كما لم يروها من قبل: عيناها تشعان ذكاءً وحناناً ودفئاً، على شفتيها ابتسامة خفيفة تحكي عن صبر طويل وتجربة عميقة، وندوبها الموجودة بوضوح لم تكن مركز الصورة أو مصدر إزعاج بصري، بل كانت كظلال بعيدة في لوحة تفيض بالنور الداخلي والأمل. اللوحة لم تلتقط ملامحها الخارجية فقط، بل التقطت جوهر روحها النقية، شجاعتها، طيبتها، وقوة شخصيتها.
في تلك اللحظة السحرية، سقط الجدار الخفي الذي بنته يارا حول نفسها طوال السنوات الماضية، وسقطت معه كل الجدران التي رفعها الناس حول رؤيتهم الضيقة لها. لم يعودوا يرون "الفتاة المشوهة" أو "المسكينة"، بل رأوا لأول مرة الشجاعة النادرة، الطيبة الأصيلة، النقاء الروحي. رأوا الجمال الحقيقي الذي لا تفهمه إلا القلوب النقية التي تنظر إلى الجوهر لا إلى المظهر.
في هدوء الليل، وقفت يارا أمام مرآتها العتيقة، تنظر إلى انعكاس وجهها كما لم تفعل من قبل بجرأة وفضول. لم تعد ترى المرآة المكسورة أو الندوب الواضحة، بل رأت إنساناً كاملاً، جميلاً من الداخل والخارج، يحمل في قلبه نوراً لا يخبو مع الزمن. أدركت أخيراً أن الجمال الحقيقي ليس قناعاً نلبسه أو ملامح ننحتها، بل هو نورٌ ينبع من أعماق الروح، يضيء كل شيء حوله، حتى الندوب يتحول إلى وشم فني يحكي قصة حياة لا تُقهَر. وهكذا، بدأت يارا تعيش بمعنى جديد للحياة، كما تعيش الزهرة البرية التي تتفتح بين الصخور، ناصعة الجمال، قوية الحياة، شامخة بروحها.
••••
– حين تتكلم السبورة ويصمت الراتب –
كان "المعلم كامل" يقف أمام سبورته العتيقة التي أنهكتها السنون، تتقشر زرقتها الباهتة في بعض الزوايا، وكأنها تستسلم لليدين اللتين ظلتا ترسمان عليها عوالم من المعرفة منذ ما يزيد على العشرين عاماً. كانت أصابعه المليئة ببصمات الطباشير ترسم بحركة آلية أشكالاً هندسية، بينما كان عقله يحلق في فضاء آخر، بعيداً عن الفصل، بعيداً عن مدرسة "الأمل" التي كانت تبدو في هذه اللحظة وكأنها تسخر من اسمها.
كان راتبه الشهري أكثر من مجرد أرقام تصل إلى حسابه البنكي. كان هو النبض المنتظم الذي يواكب إيقاع عطائه، الموسيقى التصويرية التي رافقت مسيرة حياته المهنية. لكن النبض توقف فجأة، وكأن ساعة الحياة توقفت في منتصف النبضة الثالثة والعشرين، تاركةً صمتاً مطبقاً يجلّ عن الوصف.
الأسبوع الأول: صمت الأنظمة وبداية القلق الخافت
في البداية، ظن المعلم كامل أن الأمر لا يعدو كونه خطأً تقنياً عابراً في نظام الرواتب الجديد الذي طُبق مؤخراً. ربما مشكلة في الخوادم، أو تأخير روتيني. لكن عندما توالت الأيام الثلاثة الأولى من الشهر الجديد دون أن يصل راتبه، بدأ قلبه ينبض بنغمة مختلفة. كانت مهاتفاته الأولى إلى قسم الرواتب في المديرية تنم عن أدب وحذر ممزوجين بقلب خفيف.
"سيتم حل المشكلة قريباً، يا أستاذ كامل".
"نواجه بعض المشاكل التقنية البسيطة".
"ربما غداً".
كانت هذه العبارات تتكرر كتعاويذ لا معنى لها، تزداد فراغاً مع كل اتصال.
في اليوم السابع، بدأ كامل يشعر وكأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميه. كان يمشي إلى المدرسة وكأنه يحمل جبالاً من الهموم على كتفيه. الفصل الدراسي الذي كان ملاذه الآمن أصبح مسرحاً لمعركة داخلية صامتة.
الأسبوع الثاني: الحسابات المستحيلة وحوار مع الذات
بدأ المعلم كامل يقضي ساعات بعد انتهاء دوامه المدرسي جالساً على مكتبه المتواضع في غرفة المعلمين، يحاول إجراء معادلات رياضية مستحيلة بين ما لديه من مال وبين الفواتير المتراصة على طاولة منزله كجنود في ساحة معركة.
فاتورة الكهرباء: 2500 ريال
فاتورة الماء: 4000 ريال
أقساط البقالة: 50000 ريال
مواصلات: 15000 ريال
مصروفات أطفال المدارس: 20000 ريال.
كانت الأرقام ترقص أمام عينيه وكأنها سهام مصوبة نحو كرامته. في الليل، كان يحاول إقناع نفسه أن الجوع اختيار روحي، لكن جوع أطفاله كان حقيقة مادية لا يمكن تزييفها.
ذات مساء، بينما كان يحاول إصلاح حذاء ابنه الأصغر الذي بدأ باطنه يتشقق، سأله الصبي ببراءة:
– «بابا، لماذا لم تعد تحضر لنا الحلويات كما اعتدت؟».
احتضن المعلم كامل ابنه ولم يجب. كيف يشرح لطفل في السابعة أن طعم الحياة أصبح مراً كالعلقم؟ أن حلاوة الأيام تحتاج إلى مال كي تتحقق؟
الأسبوع الثالث: جغرافيا الخوف ومسرح الكبرياء
تحولت طريقه إلى المدرسة إلى رحلة عبر جغرافيا من الخوف. كل وجبة إفطار بسيطة كان يتناولها، يحسب لها ألف حساب. كل مواصلة يأخذها، تشعره وكأنه يقترض من كرامته. كان يمر أمام المحلات التي اعتاد التسوق منها، فيشيح بوجهه خجلاً، وكأنه خائن لذكريات جميلة.
في المدرسة، كان يتحول إلى شخص آخر. كان يدخل الفصل مبتسماً، متجاوزاً آلام معدته الفارغة، متجاهلاً همومه التي كانت تتكاثر كالفطريات في مكان رطب. كان طلابه بحراً يجب ألا يعرف أن القارب به ثقب. كان يشرح درساً عن نهايات الحضارات القديمة، بينما كان يشعر أن حضارته الشخصية على وشك الانهيار.
الأسبوع الرابع: كيمياء الروح وانكسار القناع
في منتصف الأسبوع الرابع، بينما كان يشرح درساً عن التفاعلات الكيميائية، قال لتلاميذه:
– «انظروا يا أطفال، التفاعلات الكيميائية تحتاج إلى ظروف مناسبة كي تحدث، كذلك العقول تحتاج إلى بيئة محفزة لتنتج وتخلق.»
هنا توقف فجأة، وأدرك أن روحه كانت تمر بأصعب تفاعل كيميائي - تفاعل بين الكبرياء والضرورة، بين العطاء والحرمان، بين الصبر واليأس. نظر إلى وجوه تلاميذه البريئة، وشعر بأن دموعاً خفية تنساب داخل أعماقه.
لم يعد قادراً على إخفاء الحقيقة. اخترقته نظرة الطالبة "ندى" الذكية، وكأنها تدرك أن شيئاً ما ليس على ما يرام. في ذلك اليوم، عاد إلى بيته محطم النفس، منهك القوى، وكأنه خاض معركة وجودية لم يكن مستعداً لها.
المفاجأة: هدايا القلوب لا هدايا المتاجر
في صباح اليوم التالي، فتحت الطفلة "ندى" من الصف الخامس حقيبتها المدرسية وقالت بخجل:
– «معلمي، لدي غداء إضافي، أمي أعدته خصيصاً لك».
مدّت إليه علبة طعام زرقاء اللون، مزينة برسوم صغيرة لأزهار.
لم يكن يعلم أن والدتها - إحدى الأمهات المتطوعات في المدرسة - قد سمعت عن ظروفه من خلال حديث صغير دار بين المديرة وإحدى المعلمات. كانت علبة الطعام هذه بمثابة شلال من النور في ظلام دامس.
لم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد. في اليوم التالي، أحضر له التلميذ "يوسف" كعكة منزلية الصنع مع رسالة صغيرة من والدته:
– «نقدر جهودك، أستاذنا الفاضل.»
ثم جاء "عمر" بعلبة فيها تمور وفاكهة طازجة. حتى أن والد "مريم" أعطاه مظروفاً به مبلغ بسيط من المال وقال:
– «هذا قرض حتى يستقر وضعك، ليس صدقة، بل دين ستردّه عندما تتمكن».
كانت هذه الهدايا البسيطة تشعره بأنه ليس وحيداً في معركته. كأن المجتمع الصغير حوله قرر أن يكون شبكة أمان له، أن يكون العائلة الممتدة التي تمنح من قوتها لا من فضلها.
الراتب يعود: نصر مرّ المذاق
عندما عاد الراتب أخيراً بعد خمسة أسابيع كاملة من الانتظار، كان المعلم كامل جالساً في غرفة المعلمين يتناول قطعة كعك من تلك التي أُهديت إليه. فتح حسابه البنكي عبر هاتفه القديم، ورأى الرقم الذي طال انتظاره.
لم يصفق، لم يبتسم، لم يشعر بلذة الانتصار. بدلاً من ذلك، شعر بدموع حارة تنهمر على خديه. دموع ليست من الفرح، بل من الامتنان للمحنة التي علمته دروساً لم تكن في المناهج.
ذهب مباشرة إلى سداد الديون الصغيرة التي كان قد اضطر لاقتراضها. كل مصافحة، كل عناق، كل ابتسامة، كل امتنان كان يشعره بأنه أغنى رجل في العالم.
في اليوم التالي، جلس المعلم كامل في فصله يقرأ رسائل تلاميذه التي بدأوا يكتبونها له بشكل تلقائي:
"أنت أفضل معلم لأنك لا تتعب من الشرح"
"شكراً لأنك لم تتغيب عنا حتى في أصعب الأوقات"
"أحب حصصك لأنك تجعل العلوم حية"
هنا أدرك المعلم كامل الحقيقة الكبرى: أن هناك رواتب لا تصل عبر الحسابات البنكية، ولا تُحسب بالأرقام. هناك رواتب تصل على شكل بصمة في روح إنسان، أو ذكرى طيبة في قلب طفل، أو كلمة شكر من أبٍ ممتن.
لقد عاد راتبه المادي، لكنه تعلم أن هناك ثروات لا تقدر بثمن - كرامة لا تنحني حتى عند حافة الهاوية، وعطاء لا يتوقف حتى عندما يجف معينه المادي، وإنسانية تنتصر على جوعها بحبها للآخرين.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح المعلم كامل يدرّس بتفانٍ مختلف. كان يشرح الدروس وكأنه يقدم قطعاً من روحه. أصبح أكثر حناناً مع طلبته الفقراء، أكثر تفهماً لظروفهم، أكثر قدرة على رؤية ما خلف الكلمات والوجوه.
وهكذا، استمر المعلم كامل في رحلته، يحمل بين ضلوعه سراً يعرفه فقط من عاشوه: أن أعظم المرتبات هي تلك التي لا تسددها المؤسسات، بل تمنحها القلوب الشاكرة. وأن الفقر مؤقت، لكن العطاء الأصيل يخلّد في الذاكرة والوجدان، ويصبح إرثاً لا يفنى.
في النهاية، أدرك أن "الأمل" لم يكن مجرد اسم لمدرسته، بل كان اختياراً شخصياً، قراراً يتجدد كل صباح عندما يقف أمام سبورته العتيقة، مستعداً لرسم عوالم جديدة، حاملاً معه يقيناً أن العطاء الحقيقي هو ذلك الذي يستمر حتى عندما تتوقف المكافآت المادية، لأن مصدره لا ينضب، يأتي من أعماق الإنسان الذي آمن برسالته، واختار أن يكون شمعة تحترق لتضيء دروب الآخرين.
••••
– مرآة الروح –
في مملكةٍ كانت تُعَدُّ الأوسعِ والأغنى، حيثُ الجبالُ تلبسُ تيجانَ الثلج، والأنهارُ تُطرزُ الأرضَ بخيوطِ فضةٍ سائلة، لكنّ قلبَ حاكمها كانَ أقسى من صخورِها، وأبردَ من قممِها الشامخة.
كان ملكها يُدعى "أوريث"، امتلك كل شيءٍ يُمكن للبشر أن يحلموا به: قصوراً شامخة، وحدائقَ غنّاء، وكنوزاً لا تُعد، وجيشاً لا يُقهر. لكن قلبه كان مملكةً للجليد، يمتلئ بشعورٍ واحدٍ فقط: الاحتقار.
كان يحتقر كل شيء من حوله. يحتقر النبلاء لأنهم يخضعون له طمعاً في نعمته، ويحتقر الفلاحين لأن رائحة الأرض تتسرب من ثيابهم، ويحتقر الفنانين لأنهم يهدرون أعمارهم في صناعة أشياء لا تُطعم خبزاً. حتى جباله الشامخة كان يحتقرها لأن قممها لا تنحني له، وأنهاره الجارية لأنها ترفض السير وفق إرادته.
في أحدِ الأيامِ، بينما كانَ جالساً في شرفةِ القصرِ يشاهدُ غروبَ الشمسِ يُلوّنُ المملكةَ بألوانِ العسلِ والدم، شعرَ بفراغٍ يمضُّ أحشاءَه. فقررَ أنْ يعلنَ عن مسابقةٍ عظيمة:
«مَنْ يصنعُ لي التحفةَ التي تخطفُ عقلي وقلبي، سأمنحُه وزنَها ذهباً، وسأجعلُه أقربَ النبلاءِ إليّ.»
تهللتِ المملكةُ بأسرِها. توافدَ الحرفيونَ كالنملِ المنتظم. جاءَ النحاتُ "ألدور" بتمثالٍ منْ رخامِ "كارارا" نُحتَ بتفاصيلٍ تجعلُكَ تظنُّ أنّ الحياةَ ستتفجرُ منهُ لحظةً أخرى. نظرَ أوريثُ إلى التمثالِ طويلاً، ثمّ قالَ بصوتٍ كالصقيع:
– «حجرٌ باردٌ لا روحَ فيه.»
وأمرَ بإلقائِه في النهر.
وجاءتِ الرسامةُ "سيلفيا" بلوحةٍ للغابةِ في فصلِ الخريف، كلُّ ورقةٍ فيها تحملُ سرَّ وجودِها. قالَ الملكُ بعدَ نظرةٍ عابرة:
– «بقعٌ ملونةٌ لا معنى لها.»
ومزقَ اللوحةَ أمامَ عينيها.
ومرّتِ الأشهرُ، ودخلَ القصرَ مئاتُ الحرفيين، وخرجوا جميعاً ووجوهُهم مغطاةٌ بالرمادِ، وتحولَ النهرُ إلى متحفٍ لكلِّ ما رفضَهُ الملك.
حتى جاءَ يومٌ خَرسَ فيهِ بابُ القصرِ الكبير. لمْ يعدْ هناكَ أحدٌ يجرؤُ على المشاركة. جلسَ أوريثُ على عرشِه في الصالةِ الكبرى، يشعرُ أنّ المللَ يحفرُ قبوراً في روحِه. وفجأةً، سمعَ صوتَ أقدامٍ خفيفةٍ تقتربُ. كانَ شيخاً طويلاً نحيلاً، يرتدي رداءً بنياً بسيطاً، يحملُ بينَ يديهِ مرآةً كبيرةً مغطاةً بقماشٍ أسودَ مخملي.
سألَ الملكُ باستياء:
– «منْ أنتَ؟»
– «أنَا مَنْ جئتُ منْ بعيدٍ، أيها الملكُ العظيم، حاملاً لكَ أعظمَ تحفةٍ ستُغيّرُ حياتَك.»
ضحكَ الملكُ ضحكةً مجوفة:
– «كلُّهم قالوا ذلك. أظهرْ ما عندَك.»
بهدوءٍ يخلبُ الألباب، نزعَ الشيخُ القماشَ الأسود. كانت المرآة كبيرة تصل تقريباً إلى السقف، إطارُها منْ خشبِ الأبنوسِ العتيق، وزجاجُها يلمعُ كأنهُ ماءٌ متجمد. تقدمَ أوريثُ ليرى نفسَهُ، فصعقَ بما رأى.
لمْ تكنِ الصورةُ هي صورتَهُ! كانَ التاجُ ذهبياً كما هو، والرداءُ الأرجوانيُّ مطرزاً بالجواهر، لكنَّ الوجه... كانَ وجهاً مشوهاً بشاعةً لا تُحتمل. عينانِ ضيقتانِ تنبعثُ منهما شرارةُ الحقدِ والجشع، أنفٌ معقوفٌ كمنقارِ الغراب، شفتانِ رفيعتانِ محفورتانِ بخطوطِ القسوةِ والازدراء.
زأرَ الملكُ:
– «ما هذا الهراء؟!.. أينَ التحفةُ التي وعدتني بها؟ هذهِ مرآةٌ مشوهة!»
ابتسمَ الشيخُ ابتسامةً تحملُ كلَّ حكمةِ العالمِ وألمَه:
– «بلْ هذهِ هي التحفةُ الوحيدةُ الصادقةُ في كلِّ مملكتِكَ، أيها الملك. إنها لا تعكسُ صورتَكَ الخارجية، بلْ صورتَكَ الداخلية. إنها مرآةُ الروح. إنها تُظهرُ ما أصبحتَ عليهِ بعدَ سنواتٍ منْ إطعامِ الوحشِ الذي في داخلك.»
أصدرَ الملكُ أمرَهُ بسجنِ الشيخِ، لكنَّه احتفظَ بالمرآةِ في غرفتِه السرية. في البداية، كانَ يحدقُ فيها بسخريةٍ وغضب.
– «كيفَ لشخصٍ مثلي، سليلِ الملوكِ العظام، أنْ يبدو بهذا القبح!»
لكنَّ شيئاً غريباً بدأَ يحدث. كلما نظرَ في المرآة، رأى تفاصيلَ جديدةً في ذلكَ الوجهِ البشع. رأى في عينيْهِ انعكاساً لوجهِ الفلاحِ الذي أذلَّهُ أمامَ الجميع لأنّ حذاءَهُ كانَ مليئاً بالطين. ورأى في تجاعيدِ جبينِهِ صدى لصوتِ الأميرةِ "ليانا" التي رفضَ زواجَها لأنّ والدَها لمْ يقدّمْ هديةً تليقُ بمكانتِه. ورأى حولَ فمِهِ ظلَّ ابتسامةِ المُهرجِ "بيبو" الذي طردَهُ منْ مجلسِه لأنّ نكتتَهُ لمْ تضحكْه.
بدأَ يتذكرُ كلَّ لحظةِ احتقار.. كلَّ نظرةِ ازدراء.. كلَّ كلمةِ تجريح. رأى كيفَ كانَ يرمي بكبريائِه كالحجارةِ على كلِّ مَنْ حولَه. وكيفَ أنَّ كلَّ حجرٍ منْ هذهِ الحجارةِ كانَ يبني سجناً حولَ قلبِه.
الأيامُ تحولتْ إلى أسابيع، وأصبحَ أوريثُ أسيرَ تلكَ المرآة. كانَ يأمرُ الخدمَ بتغطيتِها فيُزيلُ الغطاءَ في منتصفِ الليلِ كالمسحور. كانَ يجلسُ أمامَها لساعاتٍ يخاطبُ ذلكَ الوحشَ:
– «منْ أنتَ؟ كيفَ أصبحتَ كذلك؟»
لمْ يعدْ يهتمُ بالدولةِ أو شؤونِ الحكم. لمْ يعدْ يهتمُ بالطعامِ أو الشراب. أصبحَ هزيلاً، تغيرَ ملامحُه الحقيقيةُ لتصبحَ شبيهةً بالانعكاسِ في المرآة. حتى أنَّ الخدمَ بدأوا يتهامسونَ بأنّ الملكَ قدْ أصابَتهُ لعنة.
في إحدى الليالي، بينما كانَ جالساً أمامَ المرآةِ وقدْ أنهكَه الجوعُ والأرقُ واليأس، حدثَتِ المعجزة. رأى دمعتينِ تنسابانِ منْ عينيْ ذلكَ الوحشِ في المرآة. لمْ تكنْ دموعَ ندمٍ أو حزن، بلْ دموعَ شفقةٍ عميقة. لأولِ مرةٍ يشعرُ بأنَّ هناكَ كائناً آخرَ داخلَ المرآة.. كائناً يعاني مثلهُ، كائناً مسجوناً مثلهُ، كائناً يبحثُ عنْ خلاصٍ مثله.
رفعَ يدَهُ ببطءٍ ولمسَ سطحَ المرآةِ البارد. وفي تلكَ اللحظةِ بالضبط، شعرَ كأنّ صاعقةً منْ نورٍ اخترقتْ قلبَه. انهمرتْ دموعُه الحقيقيةُ لأولِ مرةٍ منذُ طفولتِه. انكسرَ الجليدُ الذي كوّنَ قلبهُ طوالَ هذهِ السنين. أدركَ أنَّ هذا الوحشَ لمْ يكنْ سوى روحَهُ هو.. روحٌ جوعها منَ الحبِّ، شوهها بالكبرياءِ، حبسَها في زنزانةِ الاحتقار.
همسَ وهو ينهضُ على قدميهِ المتعبَتين:
– «الاحتقارُ لمْ يكنْ سلاحي.. بلْ كانَ سجني.»
في الصباحِ التالي، أمرَ بإطلاقِ سراحِ الشيخِ منَ السجن. عندما دخلَ الشيخُ إلى الغرفة، وجدَ الملكَ جالساً على الأرضِ أمامَ المرآة، لكنَّ وجهَهُ كانَ مختلفاً. لمْ تختفِ التجاعيدُ ولا علاماتُ الإرهاق، لكنَّ النورَ عادَ إلى عينيْه.
سألَ الشيخ:
– «ماذا ترى الآنَ في المرآةِ أيها الملك؟»
نظرَ أوريثُ إلى المرآةِ مرةً أخرى، فلمْ يعدْ يرى ذلكَ الوحشَ البشع. بلْ رأى وجهَ رجلٍ هرمٍ، تعبٍ، لكنّ في عينيْه بصيصٌ منْ رجاء.
قالَ الملكُ بصوتٍ مخنوق:
– «أرى.. إنساناً»
منْ ذلكَ اليوم، تحولتْ حياةُ أوريثَ تحولاً جذرياً. أمرَ بفتحِ خزائنِ الذهبِ للفقراءِ والمساكين. بدأَ يجلسُ في الساحاتِ العامةِ ليستمعَ إلى مشاكلِ الناسِ وحكاياتِهم. زارَ الحرفيينَ الذينَ أهانَهم ليقدمَ لهمَ الاعتذارَ ويعوضَهم عنْ خسائرِهم.
تعلمَ أنَّ الوردةَ لا تفقدُ جمالَها إذا انحنى لعطرِها ملكٌ أوْ متسول. وأنَّ النهرَ لا يتوقفُ عنْ جريانِه لينتظرَ أمرَ أحد. وأنَّ قلوبَ الناسِ كنوزٌ لا تقلُّ قيمةً عنْ كنوزِ الأرضِ كلِّها.
أصبحَ قصرُهُ مفتوحاً للجميع، لا كرعايا يخضعونَ لسلطانه، بلْ كأصدقاءَ يشاركونَه إنسانيتَه. أما المرآةُ، فقدْ ظلتْ في غرفتِه، لكنها لمْ تعدْ تعكسُ إلا وجهَ رجلٍ هرمٍ يتلمسُ طريقَ المغفرةِ والسلام.
وفي يومٍ منَ الأيام، اختفى الشيخُ الحكيمُ كما جاءَ، دونَ أنْ يأخذَ أيَّ جزاء. لكنَّه تركَ للملكِ وللمملكةِ كلِّها أعظمَ تحفة: الروحُ الإنسانيةُ عندما تتعلمُ أنْ ترى نفسَها في عيونِ الآخرين، لا أنْ تحتقرَهم لكونِهم مرايا تعكسُ نقائصَها.
لقدْ اكتشفَ أوريثُ أنَّ الاحتقارَ هو ذلكَ السكينُ الذي نظنُّ أننا نطعنُ بهِ الآخرين، بينما نحنُ في الحقيقةِ نغرزُه في قلوبِنا. وأنَّ أعظمَ انتصارٍ للإنسانِ هو أنْ ينتصرَ على الوحشِ الذي بداخلِه، فيرى في كلِّ وجهٍ مرآةً لجمالِ الروحِ الإنسانيةِ التي تتشاركُ الجميعُ في عطائِها الأزلي.
••••
.......................
وضاح حاسر
.......................