[متصوف البارود]
ألْقَى على عَتْمِ الزمانِ مشاعِلَهْ
وروَى بمُهْجَتِهِ الجهاتِ الذابِلَةْ
وبنَى مِنَ "الشَّوْكِ.. القُرُنْفُلِ" عَالَماً
يهدي لأربابِ النضالِ مَشَاتِلَهْ
ولقد تَسَنْبَلَ في حقولِ كفاحِهِ
قمحٌ يمدُّ إلى السماءِ سنابِلَهْ
مِنْ "خان يُونُسَ" قد تجلَّى ثائراً
كالبحرِ يُغْرِقُ للعدوِّ جحافِلَهْ
ما كانَ يَخشى أنْ يَغيبَ، وإنَّما
خَشِيَ الرُّكوعَ، وأَنْ يَخونَ فضائِلَهْ
وَلَدَتْهُ نَكْبَتُهُ؛ فأرْضَعَ جِيلَهُ:
أنَّ المَنايا للجَبَانِ مُخالِلَةْ
رَجُلٌ تَوضَّأَ بالرُّكامِ، وجِسمُهُ
نَفَقٌ يَزفُّ إلى الجنانِ بواسِلَهْ
قَرَأَ الوجودَ بمُقلَةٍ لمُحاربٍ
يَطوي الزمانَ ويَستفِزُّ مَراحِلَهْ
ما كانَ مَحْضَ مُحارِبٍ، بَل رُؤيَةً
تَبني مِنَ الأنقاضِ رؤيا كامِلَةْ
عِشرونَ عاماً في السُّجونِ يُذيبُها
وَعْياً، يُحيلُ العَتْمَ شَمساً هائِلَةْ
مُتَفَرِّدٌ.. نَسجَ المَدى مِنْ جُرحِهِ
إذ صاغَ مِنْ صَمتِ القُيودِ رسائِلَهْ
ومضى إلى لغَةِ العدوِّ.. أجادَها
ليَصِيدَهُ دوماً بها، ويُنَازِلَهْ
في سِجنِهِ شادَ العقولَ مَصانعاً
وبنى مِنَ القيدِ الرَّهيبِ وسائِلَهْ
وأعَدَّ للطوفانِ عدَّتَهُ.. مَضَى
متسوِّراً جُدُرَ الظلامِ العازِلَة
**ـ**
مَلكٌ على عَرشِ الرَّمادِ، كأنَّهُ
يُمْلي على المجْدِ الشهيِّ شمائِلَهْ
زُهْدٌ تَقَمَّصَهُ، فما نالَ الدُّنا
إلّا ليَهْدِمَ في الطُّغاةِ هَياكِلَهْ
مُتَبَتِّلٌ في غارِ غَزَّةَ.. صَمْتُهُ
زِلزالُ حَقٍّ لا يُداري خاذِلَهْ
نَقشَ الخَرائطَ في الشغافِ، فَلَمْ يَعُدْ
للرِّيحِ أنْ تَمْحو القِلاعَ الماثِلَةْ
مُتَعَدِّدٌ.. في ذَاتِهِ كُلُّ الأُلى
عَبَروا، وأَبْقَوْا في مَدَاهُ زَلازِلَهْ
يَبني مِنَ النَّفَقِ الطَّوِيلِ مَجَرَّةً
كي تصبحَ الأرْضُ السَّلِيبَةُ آهِلَةْ
**ـ**
مُتَصَوِّفُ البارُودِ.. في سَجَدَاتِهِ
عزمٌ يُفَخِّخُ للظَّلامِ مَعاقِلَهْ
يُخفي وراءَ الحَزْمِ دَمْعَةَ والِدٍ
تَسْقي بلَهْفَتِها القُلوبَ القاحِلَةْ
لمْ يَرْتَدِ الدِّرْعَ الحَصِينَ، وإنَّما
لَبِسَ البِلادَ عَنيدَةً ومُقَاتِلَةْ
لم يَنكسِرْ، بَل كانَ يَعصِرُ عُمْرَهُ
عِنَباً لأرواحِ الشعوبِ الثَّامِلَةْ
يمشي على حَدِّ الشَّظايا حافِياً
والأرضُ تحتَ خُطاهُ تَبدو ذاهِلَةْ
لَمْ يَنتظِرْ سِلْماً ليَرفَعَ رَأسَهُ
بلْ صاغَ مَوْتاً لا يَمَسُّ خَمائِلَهْ
لمْ يَنْتَفِضْ "يَحْيى" بِطوفانِ اللظى
إلا لتَنْتَفِضَ الشُّعوبُ الغافِلَةْ
في كُلِّ بَيْتٍ ثائِرٍ تَلْقى لَهُ
طَيْفاً يُطَمئِنُ كلَّ أُمٍّ ثَاكِلَةْ
ما مَدَّ يوماً بالإشارةِ رافِعاً
إلا لإحْدَى الحُسْنَيَيْنِ أنامِلَهْ
بعَصَاهُ نَحْو الخُلْدِ خَطَّ شموخَهُ
كالطُّودِ في وَجْهِ الريَاحِ القَاتِلَةْ
فكَأَنَّ لَحْظَتَهُ الأخيرةَ مَوْثِقٌ
أمْضى عَلَيْهِ، ولمْ يُؤجِّلْ عاجِلَهْ
نَزَفَ الحياةَ مِنَ العُروقِ مُكابِراً
حتى أعادَ إلى المَدارِ مَناهِلَهْ
**ـ**
هو آخِرُ العُشَّاقِ.. في كَفَّيْهِ ما
جَعَلَ الرَّدَى مِثْلَ العَرُوسِ مُغازِلَةْ
هو فِكرَةٌ.. لا مَوتَ يَهْصِرُ عُودَها
فالفِكرُ يَبقى حينَ تَمضي القافِلَةْ
قَلَقُ الغُزاةِ.. إذا غَفَا، وإذا صَحَا
صَارَتْ هَواجِسُهُمْ عَليْهِم نازِلَةْ
جَسَدٌ نَحِيلٌ.. لو وَزَنْتَ يَقِينَهُ
خفَّتْ بكفَّتِهِ الحصونُ الطائِلَةْ
ما ماتَ مَنْ جَعَلَ العَصَا عِمْلاقَةً
تَهْوِي فَتَكسِرُ للمُحالِ مفاصلَهْ
سِجْنٌ، فأسْرٌ، فاشتِباكٌ آخِرٌ
تلكَ الحَياةُ وما سِواها عاطِلَةْ
قُلْ للَّذينَ تَرَبَّصوا برَحيلِهِ:
إنَّ القِيامةَ بَعْدَهُ لَمُوَاصِلَةْ
******
.....................................
[ سادن الطوفان ]
عَرَفْناكَ نَصّاً، والزَّمانُ يُؤَوِّلُ
وبَحراً طَويلاً، بالرجولةِ يَحْفَلُ
عرَفْناكَ صنديداً، فتى كلِّ هبَّةٍ
يمينُكُ إعصارٌ، ويسراكَ مِعْوَلُ
وقلبُكَ إيمانٌ، وصبرٌ وحكمةٌ
وعيناكَ إصرارٌ، وفِكرُكَ مِشْعَلُ
خَرَجْتَ مِنَ الأنْقاضِ ميلادَ فِكْرَةٍ
تُضِيءُ، ومِنْ صُلْبِ التُّرَابِ تُشَكَّلُ
وُلِدْتَ لتَلْوِي عُنْقَ دَهْرٍ مُضَلِّلٍ
وتَبْنِيَ مَجْداً بالدِّمَاءِ يُؤثَّلُ
فمَا كَنتَ سِيناً للسَّلامِ، وإِنَّمَا
سِنانٌ بصَدْرِ الظَّالِمِينَ يُنَكِّلُ
**ـ**
تَمُرُّ بكَ الأيّامُ، تَلْويكَ مِعْصَماً
ولكِنَّكَ الصَّبْرُ الذي لا يُؤَجَّلُ
تُحِبُّ، وتَشْتاقُ الحَياةَ، ورُبَّما
يَمُرُّ بكَ الوَجْدُ القديمُ فتَذْبُلُ
فما أَنْتَ إلا قِطْعَةٌ مِنْ بِلادِنا
تُحِسُّ، وتَبْكي، غَيْرَ أنَّكَ أجْمَلُ
تُحِبُّ نَسِيمَ البَحْرِ، تَشْتَمُّ رِيحَهُ
ولكِنَّ مِلْحَ الأرْضِ في القَلْبِ أنْبَلُ
تَرقُّ لآلامِ الثَّكالَى كأَنَّما
جرَاحُهُمُ في صَدْرِكَ الآنَ تُوغِلُ
بَسِيطٌ كَخُبْزِ الأُمَّهَاتِ، وصَادِقٌ
ومُرٌّ على الغازي كأنَّكَ حَنْظَلُ
رَقِيقٌ كمَجْرَى الماءِ حينَ مَوَدَّةٍ
وصَعْبٌ إذا ما الظُّلْمُ هَبَّ يُجلْجِلُ
تُحِسُّ بأَنَّ الكَوْنَ جُرْحٌ مُعَذَّبٌ
فتَمْسَحُ رَأْسَ الجُرْحِ، وهْوَ يُقَبِّلُ
وما كَانَتِ الدُّنْيا لَدَيْكَ سِوَى رُؤىً
عنِ العَوْدَةِ الكُبْرَى.. وقَلْبُكَ مَوئِلُ
**ـ**
وعشرونَ عاماً، والمَدى نَصُّ فِكْرَةٍ
يُقَشِّرُ وجْهَ الخَوْفِ، لا يَتَمَلْمَلُ
قَرَأْتَ مُتونَ العِبْرِيِينَ.. فلَمْ تَجِدْ
سِوى جَسَدٍ مِنْ زَيْفِ ثَلْجٍ سَيَأفُلُ
بِحُبٍّ كتَبْتَ "الشَّوكَ" قِصّةَ أُمَّةٍ
بدمعِ الأسَارَى في الزنازينِ تُغْسَلُ
قَرَأناكَ في "الأشواكِ" صَبْراً ومَنْهجاً
فطابَ لَنَا شَوْكٌ، وطَابَ قرنْفُلُ
**ـ**
جَلَسْتَ بِصَمْتِ العارِفِينَ، مُفَكِّراً
تَحوْكُ مِنَ العَتْماتِ ضَوْءاً وتغْزلُ
يُسَمُّونَهُ سِجْناً، تُسَمِّيهِ مَعْبَداً
ففي عَتْمَةِ القُضْبانِ، للفَجْرِ مَنْهَلُ
قَرَأْتَ عُيُونَ الخَوْفِ في وجْهِ قَيْدِهِمْ
فكُنْتَ لَهُمْ سِجْناً، وفِكْرُكَ فَيْصَلُ
قَلَبْتَ مَوازِينَ القُوَى بيَقِينِ مَنْ
يَرى الغَيْبَ حَقّاً، وهْوَ في الطِّينِ يُوْحِلُ
فَصُغْتَ مِنَ الأحْلامِ دِرْعاً وخَنْدَقاً
وعَلَّمْتَ جِيلاً.. كَيْفَ للفَجْرِ يَدْخُلُ؟
وكنتَ بعَقْلٍ خَلْفَ سُورٍ مُحَصَّنٍ
تؤلِّفُ سِفْراً للخَلاصِ يُرَتَّلُ
خَرَجْتَ مِنَ اللاشَيءِ شَيْئاً مُكثَّفاً
تَحارُ بِهِ الأيامُ.. والكونُ يَذْهَلُ
خَرجتَ كمَوجِ البحرِ، طُوفانَ عِزَّةٍ
إلى سِدْرَةِ الأحلامِ خَيْلُكَ تَصْهَلُ
هَدَمْتَ جدارَ السجنِ قبلَ خروجِهِ
بفِكْرٍ يَرى خلفَ السَّرابِ، ويَعقِلُ
خَرَجْتَ وفي كَفَّيْكَ مِيثَاقُ ثَوْرَةٍ
ورُوحٌ لأسْرَى القَيْدِ، بالحَقِّ تَعْمَلُ
عَرَفْتَ بِأَنَّ القَيْدَ ليْسَ حَدِيدَهُمْ
بَلِ القَيْدُ رُوحٌ للعدَا تَتَذَلَّلُ
**ـ**
نَزَعْتَ عَنِ الأيّامِ ثَوْبَ رَتَابَةٍ
وصُغْتَ حَياةً، باليَقِينِ تُكَلَّلُ
فلَسْتَ رَئيساً في المَكاتِبِ قابعاً
ولكِنَّكَ المَعْنَى الذي يتأمَّلُ
حَمَلْتَ جِراحَ اللاجِئينَ قِلادَةً
ومِثْلُكَ مَنْ يُعْطي، ومِثْلُكَ يُجزِلُ
تُشاطِرُهُمْ خبزَ الحياةِ بَسَاطَةً
وأنْتَ لَهُمْ سَيْفٌ صَقيلٌ ومِنْجَلُ
فكُنْتَ لأهْلِ الأَرْضِ رَأْساً وفِكْرَةً
تُدِيرُ رَحَى الهَيْجَاءِ، والخَصْمُ يَجْهَلُ
رَسَمْتَ طَرِيقاً للخَلاصِ بمِحْنَةٍ
بهَا يَنْحَنِي صمْتٌ، وخوفٌ يُرَحَّلُ
أعَدْتَ لأيَّامِ الكَرَامَةِ مَجْدَهَا
بـ "طُوفَانِ" عِزٍّ، للعُرُوشِ يُزَلْزِلُ
بـ "أكتوبرَ" المشهودِ كنتَ شَرارَةً
تُضِيءُ ليالينا، وللظلْمِ تأكُلُ
كسرْتَ غرورَ الوهمِ حتى رأى المدَى
جيوشَ "الذي لا يُقْهرُ" اليومَ تَفْشَلُ
تَقَدَّمْتَ والأفواجُ خلْفَكَ لُجَّةٌ
وصوتُكَ في روعِ الميادينِ يَزْجُلُ
**ـ**
ولَمَّا أَحاطَتْكَ المَنايا بغَدْرِهِمْ
رأيناكَ في ثوبِ البطولاتِ تَرْفُلُ
رَمَيْتَ "عَصا السنوارِ" في وَجْهِ آلَةٍ
ففرَّتْ "درونُ" الزَّيْفِ، وهْيَ تُوَلْوِلُ
هِيَ الرَّمْيَةُ الأولَى.. هِيَ الآخِرُ الذي
يُعِيدُ لنا النَّصَّ الذي كادَ يُهْمَلُ
فَيا سِيرَةً لِلرِّيحِ، والماءِ، واللَّظَى
سَتَبْقَى جَواباً كُلَّما الدهرُ يُسْأَلُ
سَتَبْقَى نَشِيداً، في الحَناجِرِ خَالِداً
ويَبْقَى لَكَ الفِعْلُ الذي لا يُؤَوَّلُ
أَمَتَّ سُكُونَ المَوْتِ حِينَ أتيتَهُ
فأَنْتَ حَياةٌ دُونَهَا المَوْتُ يَخْجَلُ
*******
............................................
[ ثائر الزيتون والطين ]
علَى ظَمَأِ الثُّوَّارِ صَبَّبَ رِيقَهُ
كَغَيْمٍ، وَأَهْدَى الغَاصِبِينَ بُرُوقَهُ
وكَانَ فَتَى في "خَانَ يُونُسَ" قَدْ رَوَى
حَلِيبَ العَنَا، والخَوْفُ كَانَ رفيقَهُ
فَشَبَّ عَنِ الطَّوْقِ، ارْتَوَى العَزْمَ قَائِلاً:
سُكُوتِي هَوَانٌ.. كَيْفَ لِي أَنْ أُطِيقَهُ؟
أَنَا صَاحِبُ الزَّيْتُونِ والطِّينِ والمَدَى
ولا دَمَ خَوْفٍ دَاخِلِي لأُرِيقَهُ
تَفَتَّقَ عَنْ صَدْرِ المُخَيَّمِ بَرْزَخاً
يُعِيدُ إِلَى الطِّينِ القَدِيمِ شُرُوقَهُ
كَنَخْلٍ بِأَرْضِ المَجْدِ مَدَّ جُذُورَهُ
وَدَلَّى لأَطْفَالِ الخِيَامِ عُذُوقَهُ
يَجُوعُ لكَي يَقْتَاتَ شَعْبٌ كَرَامَةً
ويَحْمِلُ عَنْ صَدْرِ المُخَيَّمِ ضِيقَهُ
عَشِيقُ تُرَابٍ، سَارَ فَوْقَ حَصَاتِهِ
كأَنَّ شَفِيفَ الرَّمْلِ ضَمَّ عَشِيقَهُ
يُخَاطِبُ وِجْدَانَ الأَنَامِ بنَبْضِهِ
ويَهْدِي إلى نُورِ الخَيَالِ حَقِيقَهُ
يُقَاسِمُ أَطْفَالَ الخِيامِ حَنَانَهُ
ويَمْسَحُ عَنْ وَجْهِ اليَتِيمِ شقوقَهُ
يَهِيمُ بمِلْحِ البَحْرِ، يَشْتَاقُ خُبْزَهُ
ويَعْبُرُ مِنْ بَابِ الدُّعَاءِ مَضِيقَهُ
رَحِيْمٌ، وَفِي كَفَّيْهِ لِلْجُرْحِ بَلْسَمٌ
إذا سالَ دمعُ الحزنِ جَفَّفَ مُوقَهُ
بَسِيطٌ كَخُبْزِ اللاجِئِينَ، ولو دنا
ستَلْقاهُ شفَّافَ الفؤادِ رَقِيقَهُ
تَرَاهُ صَمُوتاً والزََّلازِلُ قَلْبُهُ
تُعِيدُ لنَبْضِ المُسْتَجِيرِ حُقُوقَهُ
لَهُ في رُكَامِ الدَّارِ بَصْمَةُ رَافِضٍ
يطيرُ خَفِيفاً.. يَسْتَحِثُّ سُمُوقَهُ
**ـ**
أَسِيرٌ.. ولَكِنَّ المَدَى رَهْنُ إِصْبَعٍ
يَهُزُّ لجُدْرَانِ الحِصَارِ عُرُوقَهُ
يُخِيفُ أَعَادِيهِ بنَظْرَةِ صَامِدٍ
إِذا ما رَأَى القَيْدَ اللَّئِيمَ مُعِيقَهُ
أَلَانَ حَدِيدَ القَيْدِ فِي كَفِّ عَزْمِهِ
ومدَّ لسلطانِ الظلامِ عُقُوقَهُ
فَمَا هَدَّتِ الجُدْرَانُ يَوْماً طُمُوحَهُ
ولا كَسَرَ الغِلُّ المُكَبِّلُ سُوقَهُ
مُفَكِّرُ "أَشْوَاكٍ" يَرَى الوَرْدَ طَعْنَةً
إِذا لَمْ يُهَيِّئْ للجَمالِ رَحِيقَهُ
تَعَلَّمَ حَرْفَ الخَصْمِ.. غَاصَ بِعَقْلِهِ
ليُحْصِي جَلِيلَ المُعْتَدِي ودَقِيقَهُ
يُفَكِّكُ ذاكَ العَقْلَ، يَبْنِي نَقِيضَهُ
ويَقْرَأُ في جَفْنِ الكِيَانِ فُرُوقَهُ
رَأَى فِي انْكِسَارِ الذَّاتِ أَقْصَى هَزِيمَةٍ
فَضَمَّدَ بالوَعْيِ السَّلِيمِ حُرُوقَهُ
يُقَلِّبُ صَفْحَاتِ الزَّمَانِ بفِكْرَةٍ
تَرَى خَلْفَ أَسْتَارِ الغُيُوبِ بَرِيقَهُ
فلَمْ يَكُ مَحْبُوسَ الرُّؤَى بزَمَانِهِ
ولَكِنْ مِنَ المَجْدِ اسْتَمَدَّ عَرِيقَهُ
**ـ**
هُوَ القَائِدُ المَغْزُولُ مِنْ جُوعِ شَعْبِهِ
يحِيْكُ من الصبْرِ الجميلِ رَشِيقَهُ
أَقَامَ لصَرْحِ العِزِّ في الأرْضِ قِبْلَةً
وشَقَّ إِلى النَّصْرِ المُبِينِ طَرِيقَهُ
وحينَ تَمَطَّى الخائنونَ أمَاطَهم
وصَوَّبَ كي يَجْتثَّهم مَنْجَنِيْقَهُ
مُهَنْدِسُ "طُوفَانٍ" أَذَلَّ ببَأْسِهِ
عُرُوشاً رَأَتْ من حقِّها أنْ تُعِيقَهُ
أدَارَ رَحَى الهَيْجَاءِ والكَوْنُ وَاجِمٌ
فأَذْهَلَ بالشَّأْنِ العَظِيمِ فَرِيقَهُ
بَنَى للمَشِيئَاتِ العِظَامِ مَنَارَةً
تُعَلِّمُ سُلْطَانَ الشُّكُوكِ وُثُوقَهُ
مُهَنْدِسُ آمَالِ الشُّعُوبِ، ومَنْ غَفَا
بفَلْسَفَةِ الإِصْرَارِ حَتَّى يُفِيقَهُ
**ـ**
أَتَى المَوْتَ مَشْياً، لمْ يُهَادِنْهُ لَحْظَةً
ولَكِنَّمَا للنَّصْرِ كَانَ لَصِيقَهُ
رَمَى آخِرَ الأنْفَاسِ في وَجْهِ قاتِلٍ
وبَثَّ إِلى كُلِّ الجِهَاتِ شَهِيقَهُ
مَضَى.. ودَمُ الزَّيْتُونِ يَكْتُبُ سِفْرَهُ
ويَنْقُشُ في جِيدِ الخُلُودِ عَقِيقَهُ
هُوَ الآنَ فَوْقَ القُدْسِ يَرْقُبُ ثَأْرَهُ
ويَسْقِي بفَيْضِ اليَاسَمِينِ حَدِيقَهُ
عَظِيمٌ.. حَيَاةً، وارْتِحَالاً، وفِكْرَةً
أَعَادَ لقَلْبِ المُؤْمِنِينَ خُفُوقَهُ
**ـ**
سلَامٌ على "يَحْيَى" الذي مَاتَ وَاقِفاً
ليَحْيا الورَى.. يسْتَنْشقونَ عَبِيقَهُ
سلَامٌ على مَنْ صَارَ للأرْضِ شَامَةً
وعاشَ المدى باهي المُحيَّا طَلِيقَهُ
سَيَبْقَى صَدَاهُ في المَيَادِينِ صَرْخةً
تَبلُّ لمَنْ شَاءَ الكِفَاحَ حلُوقَهُ
*******
.........................
[ سيرة الرجل الذي صار أمة ]
مَا كنتَ فَردَاً.. وَلَكِنْ أُمَّّةً .. عَرَبَا
صَبَّتْ بِمِعْصَمِكَ التَّارِيخَ فَانْسَكَبَا
تمشي عَلَى جَمْرِ هَذِي الأَرْضِ مُنْتَصِبَاً
كَأَنَّمَا بِيَدَيْك المَوْتُ قَدْ لَعِبَا
تطْوِي الزَّمَانَ وَفِي عَيْنَيْك فَجْرُ غَدٍ
يَرَى الخَلاصَ قَرِيبَاً كُلَّمَا نَصَبَا
نشأتَ طفلاً يحوكُ الفجرَ من ألمٍ
والريحُ تَعزفُ في أسمالِهِ السغَبَا
من "خان يونس" يرنو نحو "ناصرةٍ"
شوقاً، ومن "طبَرِيَّا" وَدَّ لو شَرِبا
يبكي إذا مسَّ نسمُ "اللدِّ" خاطِرَهُ
ويحمِلُ "القدسَ" عشقاً كُلّما اغْتَرَبا
ويشتهي خبزَ "يَافا".. بين أضلُعِهِ
يضم "حيفا" و"بئرَ السبْعِ" محتسِبا
لم ينْسَ "بيسانَ" أو "نابلسَ" أو "صفَداً"
ولا "الخليلَ" ولا "عكَّا" ولا "النَّقَبا"
في روحِهِ "غَزّةٌ" لم تنطفِئْ أبَداً
في عَينِهِ نجْمُ "رام الله" ما غرَبا
كبرْتَ والعينُ لا ترنو لغيرِ مَدىً
يرى البلادَ بساطاً أخضراً رَحِبَا
بَسطتَ كفَّكَ للأطفالِ أُغنيةً
وصارَ قلبُكَ للثوّارِ مُنتَدَبَا
ما كنتَ صخراً، ولكنْ كنتَ ذا شَجنٍ
يُخفي الدموعَ إذا ما مَوطنٌ سُلِبَا
تُشاطرُ الناسَ جوعَ الصبرِ في جَلَدٍ
وتمنحُ الروحَ للأحبابِ، لا الذَّهبَا
خاطبتَ فينا الجِراحَ النَائماتِ إلى
أن اسْتَحَالَ النَزِيفُ المشتهى خُطَبَا
**ـ**
يا أيُّها القَدَرُ المَمشُوقُ في نَفَقٍ
أذهلْتَ مَن ظَنَّ أنَّ العزمَ قد نَضَبَا
مَدَدْتَ كَفَّكَ لا ذُعْراً ولا طَمَعاً
بَلْ عِزَّةً تَنطَحُ الجَوْزاءَ والسُّحُبَا
أسَّستَ مَجداً يَقُضُّ الأمنَ في دَمِهم
ويقطعُ الشكَّ بالإصرارِ، والريَبَا
تَقفو الخيانةَ في جُحْرٍ وفي جَبَلٍ
حتى تطهِّرَ أرضاً خانَها الرُّقَبَا
وكنتَ أعددتَ "للطوفانِ" عاصفةً
حتى انحنى المَوجُ للإعصارِ مضطربَا
ما هِبتَ صهيونَ في أعلى تغَطرُسِها
لكن أذَقْتَ من الويلاتِ مُغتَصِبَا
تُديرُ من نَفَقِ الأوجاعِ معركةً
باعَتْ لآلِئَها.. كي تبلغَ السبَبَا
سلاحُكَ الوعيُ قبلَ النارِ تَقدحُهُ
والسرُّ في قبضةٍ لا تُتقِنُ الهرَبَا
**ـ**
عِشرونَ عاماً ولُغزُ القيدِ يَحجُبُكُم
لكنَّ فِكرَكَ خلفَ السُّورِ ما احتَجَبَا
طَوعتَ قيدَكَ حتى صارَ مُمتثلاً
وصُغتَ من ليلِهِ الإشراقَ والشُّهُبَا
عشرونَ عاماً وجدرانُ السجونِ تَرى
طوداً أشمَّ.. بوجهِ القهرِ ما نَكَبَا
حاصرتَ سَجَّانَكَ المذعورَ في غَدِهِ
فكان يَرجوكَ.. إذ يَرجوكَ مُرتَعِبَا
تَبني من الصمتِ خلفَ البابِ مملكةً
وتُسرجُ العزمَ لا خوفاً ولا رهَبَا
قَرَأتَ "عِبْرِيَّةً" حتَّى خَبِرْتَ بِهَا
زَيْفَ الوجوهِ فكُنتَ السيفَ إذ ضربا
هَنْدَسْتَ للغَدِ رُؤيا لا حدودَ لَها
تَرى المحَالَ قريباً كُلَّما صَعُبَا
رَتَّبْتَ فَوضَى خَيالاتٍ مُبَعْثَرَةٍ
حتى بَنَيْتَ مِنَ الإدراكِ ما خَرِبَا
لم تَبْنِ سَقْفاً.. بَنَيْتَ الوعْيَ مَدْرَسَةً
تُعَلِّمُ الجيلَ أنَّ الحقَّ ما غُلبَا
فَلْسَفْتَ جُوعَ المَساكينِ الذينَ غَفَوْا
على الرَّجاءِ.. فَأهْدَيْتَ الرَّجَا سَبَبَا
وتَقْرأُ الغَدَ أحداثاً مُؤجَّلَةً
وَتَنْحتُ الرَّدَّ قَبْلَ الظُّلْمِ إنْ وَجَبَا
مِدَادُكَ الجُرْحُ.. لم تَكْتُبْ على تَرَفٍ
بلْ كُنْتَ تَعْتصِرُ الزَيْتُون والعِنَبَا
صُغتَ "القَرَنفُلَ" أشواكاً ومَلحمةً
تَروي الحكايةَ حُبَّاً، لوعةً، أدَبا
أديبُ نَفحٍ بَنَى في السَّطرِ ذاكرةً
تَحمي الهُويَّةَ عِزّاً بَاذخاً، وإبَا
**ـ**
لَمْ تَسْكُنِ القَصْرَ والأيتامُ في تَعَبٍ
بَلْ كُنْتَ في سَاحهم تستعذبُ التعبا
تَقودُ رَكبَاً.. وعينُ اللهِ تَكلؤُهُ
لَم تَبغِ جاهاً، ولا دُنيا، ولا لَقَبَا
أمضيتَ عُمرَكَ تَبني لِلإبا نَفَقاً
حتى غدا الصبرُ في قاموسِكَ الغَضَبَا
أرسيتَ لِلمَجدِ صَرحاً لا تُهَدِّمُهُ
رِيحُ الطغاةِ.. وإن صَبُّوا بها اللهَبَا
"طوفانُكَ" الآنَ ليسَ المَاءَ نَعْرِفُهُ
لكنَّهُ الحَقُّ حينَ اسْتَنْهَضَ العَرَبَا
**ـ**
خَتَمْتَ عُمْرَكَ لا خَوْفاً ولا هَرَباً
بَلْ كُنْتَ حُرّاً بِنَارِ الشَّوْقِ مُخْتَضِبَا
أَعْطَيْتَ لِلمَوْتِ وَجْهاً لا انْكِسَارَ بِهِ
فَارْتَاعَ مِنْكَ الرَّدَى... لمَّا رآكَ كَبَا
عصاكَ كانت عصا "موسى" التي لَقِفَتْ
سِحرَ الطغاةِ وأرْدَتْ جَمعَهم خَشَبَا
قذفْتَ آخِرَ ما في الروحِ من شَرَرٍ
لِتُخبرَ الكونَ أنَّ النصرَ قد قَرُبَا
فَمَا سَقَطْتَ.. وَلَكِنْ للسَّمَاءِ عَلَا
رَمْزٌ سَيَبْقَى طِوَالَ الدَّهْرِ مُنْتَصِبَا
**ـ**
يا أيها العابرُ الممتدُّ في دَمِنا
أبقيتَ فينا سؤالاً يحرقُ الحُجُبا
مَن الذي ألْبسَ الإنسانَ هيبتَهُ
لمّا تعرّى جبانُ القومِ وانْسَحَبا؟
أنتَ الذي دسَّ في الصدرِ الشَّجيَّ هوًى
للطِّينِ، للّوزِ، للأطفالِ، للأُدَبَا
لم تُغْوِكَ الرُّتبُ الجوفاءُ في زَمَنٍ
باعَ الضمائرَ حتى يُدرِكَ الرُّتَبا
صَنعتَ من سَغَبٍ تحت الحصارِ فِدَا،
ومِن جِراحِ الفِدَا ما أحرجَ النُّخَبَا
سكنتَ ليلَ الفدائيينَ مُلتحِفاً
هَمَّ البلادِ، وللأيتام كنتَ أبَا
طاردتَ ظلَّ الأعادي في أزقَّتِنا
حتى استحالَ نهارُ الغاصبينَ هَبَا
تُطاردُ الموتَ.. لا موتّ يُطاردُكُم
حتى استجارَ بِكَ الإعياءُ وانتحَبَا
**ـ**
يا مَنْ بكيتَ خَفِيّاً حينَ لامَسَنا
ظُلمُ الشقيقِ، وأخفيتَ الدُّموعَ إِبَا
هَززتَ نخلةَ هذا الصمتِ فانهمرَت
بالمعجزاتِ رؤىً، واسّاقطتْ رُطَبا
أمّا أنا.. رغمَ ما ألقاهُ من وجَعٍ
دفعْتُ شعري عساهُ يبلغُ الأرَبا
أصغيتُ للهدهدِ الشعريِّ في خجَلٍ
وجئتُ من سبأٍ - يا سيّدي - بنَبَا
أتيتُ معتذراً!.. ماذا أقولُ لكم؟
ونحن مَن خذَلوكم أيها النُّجَبَا
فشرُّنا قد تولَّى المعتدي، و صَبَا،
وخيرُنا من نوَى التنديدَ، أو شَجَبا
********
........................................
وضاح حاسر
اليمن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق