على صَخْرةٍ في القُدْسِ مَجْدٌ تَسَطَّرَا
وفاضتْ رؤى التاريخِ في الكونِ أنْهُرَا
هُنَا نَسَجَ الصَّلْصَالُ فِكْرَةَ آدَمٍ
وقِبْلَتَهُ الأُوْلَى مَزَاراً ومِنْبَرَا
هُنَا وُلِدَتْ أُوْلَى البِدَاياتِ والرُّؤَى
تصُوْغُ لسِرِّ الكونِ معْنَىً مُفَسَّرَا
هُنَا الأنْبِيَاءُ الطاهِرُونَ كأنَّهُم
سحَابَةُ وَحْيٍ تُمْطِرُ الأرضَ كَوْثَرَا
هُنَا انْسَكَبَتْ آياتُ كُلِّ رِسَالةٍ
فأضْحَتْ لكُلِّ الأرضِ وَجْهاً مُطَهَّرَا
هُنَا (إيْلِيَاءُ) المجْدِ مَهْدُ قَدَاسةٍ
ونورٌ تجَلَّى في الثُّرَيَّا وفي الثَّرَى
توَضَّأَتِ الأرواحُ مِنْ فيضِ نورِها
وألقتْ على الأجيالِ عهْداً مُنوَّرا
تغنَّى بها الإنجيلُ مِنْ قَبْلُ شارحاً
وفي سورةِ الإسراءِ قُرْآنُنا قَرَا
وقد أمَّ جَمْعَ الأنبياءِ (مُحمَّدٌ)
يرتِّلُ «سُبْحَانَ الذي...» ليْلَةَ السُّرَى
هُنَا سَجَدَ (الفاروقُ) سَجْدَةَ فاتحٍ
وكانَ صهيلُ الخيلِ قَدْ عانقَ الذُّرَى
وجاءَ (صلاحُ الدينِ) مِنْ بَعْدُ حاضناً
'لحِطِّيْنِهِ' فَتْحاً، ونَصْراً مُؤَزَّرَا
**ـ**
فلسطينُ أمُّ الأرضِ، فاكهةُ المَدَى
تفُوْحُ شَذَى مِسْكٍ، وعُوْداً، وعَنْبَرَا
هُنَا حيثُ يلْتَفُّ الزمانُ بأسْرِهِ
ويكْتُبُ في أضلاعِها العِزُّ أسْطُرَا
تُحَدِّثُنا زيتونةٌ عَنْ جُذُورِها
تقولُ: أنا التاريخُ ما زالَ أخْضَرَا
أنَا العَرَبيُّ الحُرُّ رَوَّيْتُ فِكْرَتِيْ
لتُوْرِقَ صَفْصَافاً، وتُعْشِبَ زَعْتَرَا
أنَا مُقْلَتَايَ "الضِفَّتانِ" وهلْ فتَىً
بلا مُقْلَتَيهِ سوفَ يُبْصِرُ أو يَرَى
رئَاتِيَ "بيْسَانٌ" و"نابُلْسُ" إنَّني
بهِنَّ تَنَفَّسْتُ الهَوَاءَ المُعَطَّرَا
ومُهْجَتِيَ "القُدْسُ" الحبيبُ، و"غَزَّةٌ"
فؤاديْ الذي للحُبِّ ما زالَ دَفْتَرَا
وروحِيَ "حيْفا" و"الخليلُ"، وراحتي
"أرِيْحا"، و"يافا" عِشْقُها فِيَّ أَثْمَرَا
"جِنِيْنُ" و"بِئْرُ السَّبْعِ" و"اللِّدُّ" أضْلُعيْ
و"عَكَّا" و"رام اللهِ" و"الرَّمْلَةُ" العُرَى
و"ناصِرَةٌ" نَبْضيْ.. أنَا الأرْضُ كُلُّها
بصَدْرِيَ تختالُ المَدَائِنُ والقُرَى
فمِنْ "نَقَبٍ" حتَّى "الجليلِ" أضُمُّها
دمَاً عَرَبِيّاً في الشرايينِ قَدْ جَرَى
**ـ**
أنَا الآنَ في قَلْبِ القضيَّةِ عابرٌ
معِيْ وَجَعٌ يُزْجِيْ القصيْدَ المُعَبِّرَا
هُنَا "حائطُ المَبْكَى" بَكَى الدَّمَ مُنْذُ أنْ
أتَى «وَعْدُ بلْفُوْرَ» الشؤومِ وأسْفَرَا
وقد سَلَبَ الأعْرَابَ حَقَّ وُجُودِهِم
وأهْدَاهُ للأغْرابِ مُلْكاً وأَطَّرَا
لمُسْتوطِنٍ باغٍ تَبَنْدَقَ حِقْدَهُ
وجيَّشَ آليَّاتِ شَرٍّ، وجَنْزَرَا
وصادَرَ أملاكاً وكَبَّلَ أهْلَها
وشَرَّدَ قوماً آخرينَ وهَجَّرَا
وهَا هُوَ مِنْ سَبْعٍ وسَبْعِيْنَ حُجَّةً
وما زالَ فيها قاتلاً ومُدَمِّرَا
بلادٌ غدَتْ تكْسُوْ الجراحُ جَبيْنَها
كمَا شَفَقٍ يَكْسُوْ السحائِبَ مِئْزَرَا
وعَنْ قُدْسِها أضْحَتْ تُدافعُ غَزَّةٌ
بمُفْرَدِها والقُدْسُ حُزْناً تَسَمَّرَا
وأصبحَ مُنْذُ القصْفِ يلتاعُ باكياً
من الغارةِ الأُوْلى عليها تكَدَّرَا
فمِنْ "بَيْتِ حانونٍ" إلى "رَفَحٍ" دَمٌ
يسِيْلُ أمامَ العالمِ الوَغْدِ أحْمَرَا
حصَارٌ وخوفٌ واحتياجٌ وفاقةٌ
ولا مِنْ مُغِيْثٍ فَكَّ للعونِ مَعْبَرَا
وحربٌ وقصْفٌ واجتياحٌ ونقْمَةٌ
ولا أحَدٌ عن ساعدِ الجِدِّ شَمَّرَا
هُنَا يتَخَفَّى الموتُ في ثوبِ فاقةٍ
ويَرْفُلُ في ثوبِ التَّرَبُّصِ أكْثَرَا
هُنَا خوفُ أطفالِ الخيَامِ وجُوعُهُم
ودمْعُ ثَكَالى في الخدودِ تَحَدَّرَا
وفاقةُ أيْتامٍ، وبؤسُ أراملٍ
وقهْرُ عفيْفاتٍ وقَدْ بِتْنَ حُسَّرَا
هُنَا نَظَرَاتُ الحُزْنِ في عَيْنِ طفْلةٍ
تُعَانِقُ طفلاً باتَ في الجوعِ والعَرَا
تُحَدِّقُ فِيْهِ، وَهْوَ يَرْمُقُ صِبْيَةً
يُحَاصِرُهُمْ موتٌ كَثِيْفٌ قَدِ انْبَرَى
فتَسْتَصْرِخُ الإنسانَ في كُلِّ مِلَّةٍ
وتَسْتَنْصِرُ الإسلامَ، تَنْدُبُ مَعْشَرَا
أيَا أُمَّةَ الإسلامِ، يا خَيْرَ أُمَّةٍ،
أفيقيْ،فإنَّ الشَّرَّ فِينَا تَجَمْهَرَا!
أَلَمْ تَتَحَرَّكْ نَخْوَةٌ وَحَمِيَّةٌ
لِتَبْتَعِثِي الأَحْرَارَ كَيْ نَتَحَرَّرَا؟
أَلَمْ تُبْصِرِي الأَقْصَى يَئِنُّ مِنَ الأَسَى،
وَغَزَّةَ، فِيهَا المَوْتُ صَلَّى وَكَبَّرَا؟
أَلَمْ تَسْمَعِيهَا إِذْ تَقُولُ: إِلَى مَتَى
أُعَانِي مِنَ الوَيْلَاتِ، يَا أُمَّةَ الثَّرَا..؟
أُوَزِّعُ أَوْجَاعِي عَلَى كُلِّ جَائِعٍ
شَطَائِرَ خُبْزٍ مِنْ فُؤَادٍ تَشَطَّرَا!
فيَا أمَّتي، آنَ الأوَانُ لتنْهَضِيْ،
وأنْ تَنْفُضِيْ عنْكِ المذلَّةَ والكَرَى
فإمَّا نَكُوْنُ الآنَ في الأرضِ أوْ فَلا
نكُوْنُ... بغيرِ العزِّ ما قِيْمَةُ الوَرَى!
.............................................
3.9.2025
.............................................
"أنين الأقصى وصلاة الموت في غزة"
وضاح حاسر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق