الأحد، 1 فبراير 2026

8 قصائد للوالدين

8 قصائد للوالدين
1– أبجدية الروح –

لا وِجْهَةَ الآنَ… إنِّي جئْتُ مِنْ أدَبِ
 يَشِعُّ بينَ يَدَيْ أُمِّي، ورُوحِ أَبي 
 كُنْتُ الدعَاءَ الذي أخْفَاهُ صَبْرُهُمَا 
 في لَيْلِهِمْ… ثُمَّ جِئْتُ النُّورَ مَحْضَ صَبِي 
 أنَا المَجَازُ الذي صَاغَاهُ مِنْ دَمِهِمْ 
 نَصّاً مِنَ الطُّهْرِ لمْ يُدْنَسْ ولَمْ يَشُبِ 
 أنَا انْبِثَاقُ المَدَى مِنْ ضِيقِ سُهْدِهِمَا، 
 فكَيْفَ أَذْكُرُ نَفْسِي دُونَما سَبَبِ؟ 
 أُمِّي هيَ الوَقْتُ قَبْلَ الوَقْتِ في نَظَرِي، 
 والأرْضُ قَبْلَ امْتِزَاجِ الطِّينِ والسُّحُبِ 
 أبِي صِرَاطُ المُنَى، ظِلِّي إذا اتَّقَدَتْ 
 في كَفِّهِ سُبُلِي، واسْتَفْحَلَتْ حُجُبِي 

 مَدَّا حَيَاتَهُمَا ثَوْباً لأَلْبَسَهُ، 
 وبَعْثَرَا العُمْرَ كي أَنْجُوْ مِنَ العَطَبِ 
 أُمِّي تُقَسِّمُ خُبْزَ الحُلْمِ في شَفَتِي 
 أَبِي يُشَيِّدُ سَقْفَ الوقتِ مِنْ نَصَبِ  
 صَاغَا مِنَ الصَّمْتِ إيقَاعاً لحنْجرَتِي، 
 ومِنْ سَوَادِ الليَالِيْ الكُحْلَ للهُدُبِ 

 أنَا انْعِكَاسُ مَرَايَا العُمْرِ، إنْ ضَحِكَا 
 أشْرَقْتُ؛ أَوْ تَعِبَا آوَيْتُ للتَّعَبِ 
 ما جِئْتُ أحْمِلُ نَفْسِي، جِئْتُ أحْمِلُهُمْ 
 نبْضاً يُسَافِرُ في جِينِي وفي نَسَبِي 
 أسْعَى، وفي قَدَمِي عِطْرٌ لخُطْوَتِهِمْ، 
 وفي مَلَامِحِ وَجْهي شَوْقُ مُغْتَرِبِ 
 خَطْوِي على الأرْضِ لا يَمْضِي بمُفْرَدِهِ، 
 بلْ يَقْتَفِي أثَراً في الغَيْبِ لَمْ يَغِبِ 
 كأَنَّ كَفَّ أَبِي مِعْرَاجُ أُمْنِيَتِي، 
 وكَفَّ أُمِّي سَمَاءٌ مِنْ جَنَى الرُّطَبِ 
 كأَنَّ رُوحَهُمَا مِشْكاةُ أخْيِلَتِي، 
 كأَنَّ صَوْتَهُمَا فَيْضٌ مِنَ الطَّرَبِ 
 **ـ**
 يا مَنْ مَنَحْتُمْ لهذي الأرْضِ شَكْلَ فَمِي، 
 وللسَّنَابِلِ لَوْنِي، والنَّدَى أَدَبِي 
 يا نَحْتَ رُوحِي، ويا مِعْمَارَ ذَاكِرَتِي، 
 ويا مَلَاذِي إذا ما ضِقْتُ بالنُّوَبِ 
 فأنْتُمَا السَّقْفُ، والدُّنْيَا بلا سُقُفٍ 
 مَنْفىً مِنَ البَرْدِ، والأوْجَاعِ، واللَّهَبِ 
 أرَى التجاعيدَ في وَجْهَيْكُما سُبُلاً 
 تَهدي القلوبَ، وتُنْجِي مِنْ لَظَى الكُرَبِ 
 هيَ الخَرَائِطُ لو ضَاعَتْ مَعَالِمُهَا 
 ضِعْنَا، وكُنَّا هَبَاءً في يَدِ الحِقَبِ 
 **ـ** 

 يا نَخْلَتَيْنِ، هَزَزْتُ الجِذْعَ مِنْ شَغَفٍ 
 فَسَاقَطَ العُمْرُ حُبّاً غَيْرَ مُحْتَسِبِ 

 يا أبْجَدِيَّةَ رُوحِي، كُلُّ نَاصِيَةٍ 
 ليْسَتْ تَدِينُ لَكُمْ جِذْعٌ مِنَ الخَشَبِ 
 أنَا المَدِيْنُ بأشْيَائِي التي كَبرَتْ: 
 باسْمِي، بظِلِّي، بحَرْفِي، بالحَيَاةِ، وَبِي 
 إنْ جَفَّ حِبْرِي فمِنْ عَيْنَيَّ أَغْرِفُهُ 
 لأَكْتُبَ البِرَّ وَحْياً غَيْرَ مُقْتَضَبِ 

 ما البِرُّ إلا فَنَاءٌ في ودَادِكُمَا 
 حتَّى يَصِيرَ تُرَابُ الأرضِ كالذَّهَبِ 
 ما البِرُّ إلا وُقُوفُ الرُّوحِ عَارِيَةً 
 أمَامَ فَضْلٍ جَلِيلِ الشَّأْنِ مُنْسَكِبِ 

 أظَلُّ في حَرَمِ الإجْلالِ مُعْتَكِفاً 
 أتْلُو الوَفَاءَ كَفَرْضٍ مُنْتَهَى القُرَبِ 
 فإنْ سُئِلْتُ: مَنِ الإنسانُ؟ قُلْتُ لَهُمْ 
 هو الأبَرُّ بأُمٍّ – دائماً – وأَبِ  

..............................
..............................



— عروج في مقام البر — 


 اِخْلَعْ أَنَاكَ ففي الرِّضَا إسْراءُ 
 ولكُلِّ نُورٍ في الوجودِ ضِيَاءُ 
 قِفْ في مَقَامِ الوالِدَيْنِ، وطُفْ بِهِمْ 
 فهُمَا لبَحْرِ الكَائِنَاتِ المَاءُ 
 همْ نُقْطَةُ المِعْرَاجِ في مَلَكُوتِنَا 
 ولَهُمْ تَرِفُّ وتَنْحَنِي الأشياءُ 
 هُم "كَافُ" كَوْنِ الحُبِّ، "نُونُ" كيَانِنَا 
 بهِمَا يَذُوبُ التِّيهُ والرَّمْضَاءُ 
 كُتِبَا بِلَوْحِ العَرْشِ آيَةَ رَحْمَةٍ 
 فهُمَا لأوْجَاعِ النُّفُوسِ شِفَاءُ 
 وهُمَا يَقِينٌ كُلَّمَا شَكَّ الوَرَى 
 وهُمَا سُكُونٌ والمَدَى ضَوْضَاءُ 
 عَرِيَا؛ ليَكْسُوَكَ الزَّمَانُ بَهَاءَهُ 
 بَكَيَا؛ ليَضْحَكَ في الشِّفَاهِ هَنَاءُ 
 سَهِرَا؛ لتَيْنَعَ في عُيُونِكَ غَفْوَةٌ 
 وتَأَلَّمَا؛ ليَزُولَ عنْكَ الدَّاءُ 
 لولا رحيقُ الصَّبْرِ في أَنْفَاسِهِمْ 
 ما اهْتَزَّ فينَا للحَيَاةِ رَجَاءُ 
 تلكَ التَّجَاعِيدُ الرَّقِيقةُ مُصْحَفٌ 
 في كُلِّ سَطْرٍ للخُلُودِ نِدَاءُ 
 الأُمُّ "مِيمُ" المَاءِ، سِرُّ تَدَفُّقٍ 
 مِنْ كَوْثَرِ الأَزَلِ الشَّهِيِّ.. رِوَاءُ 
 هي "نُونُ" رَحْمِ الغَيْبِ، نُقْطَةُ بَدْئِنَا 
 مِنْ كَافِها كُلُّ العَوالِمِ جَاؤُوا 
 تَسْقِي الرَّضِيعَ مِنَ الحَنَانِ لَطَائِفاً 
 مِلْءَ الفُؤَادِ تَثُجُّهَا الأثْدَاءُ 

 وأَبُوكَ مِشْكَاةُ الهُوِيَّةِ في المَدَى 
 في لَيْلِهِ تَتَنَسَّكُ الأضْوَاءُ 
 هو سِدْرَةُ المَعْنَى، وحُلْمُ المُنْتَهَى 
 في ظِلِّهِ تَتَفَيَّأُ الأَفْيَاءُ 
 يَمْشِي فيَنْبُتُ تَحْتَ وَقْعِ نِعَالِهِ 
 قَمْحٌ، وتُورِقُ في المَدَى أَسْمَاءُ 
 يَمْشِي فيَمْشِي العُمْرُ خَلْفَ وقَارِهِ، 
 تَجْرِي العُصُورُ، وتُعْشِبُ البيداءُ 
 فاخْلَعْ نِعَالَكَ إِنْ أتَيْتَ "طُوَاهُمَا" 
 فهُنَا القَدَاسَةُ: فِكْرَةٌ ونَقَاءُ 
 واخْضَعْ لأَقْدَامٍ تُرَابُ نِعَالِهَا 
 مِسْكٌ، وكُلُّ تُرَابِهَا آلاءُ 
 واسْكُبْ حَيَاتَكَ في إِنَاءِ رِضَاهُمَا 
 كُلُّ الحَيَاةِ بدُونِهِمْ جَرْدَاءُ 
 خُذْ مِنْ دَمِي لَهُمَا، مدَادَ قَصِيدَةٍ 
 في نَحْوِهَا كُلُّ الحُرُوفِ فِدَاءُ 
 كَحِّلْ ببِرِّهِما البَصِيرَةَ، إنَّهَا 
 مِنْ دُونِ كُحْلِ رِضَاهُمَا عَمْيَاءُ 
 "صاحِبْهُما" بالعُرْفِ، لا تَنْهَرْ، وقلْ  
 "قَوْلاً كريْماً"؛ فالوَفَاءُ جَزَاءُ 
 واخْفِضْ جَنَاحَ الذُّلِّ بِرّاً... لا تَقُلْ 
 "أُفٍّ"؛ فَإِنَّ حُرُوفَهَا سَوْدَاءُ 
 لا تَبْحَثَنَّ عنِ الخُلُودِ بغَيْرِهِمْ 
 فهُمَا بوَجْهِ الحَادِثَاتِ وِقَاءُ 
 وهُمَا الغِيَابُ إِذا الثَّرَى وَارَاهُمَا 
 أَنَّى بدُونِهِما يَطِيبُ بَقَاءُ؟ 

 يا مَنْ تُرِيدُ الحَقَّ، تلْكَ جِهَاتُهُ 
 مِنْ دُونِها كُلُّ الطَّرِيقِ هَبَاءُ 
 فانْحِتْ مِنَ الضِّلْعَيْنِ فُلْكاً مُنْجِياً 
 إنَّ العُقُوقَ رِيَاحُهُ هَوْجَاءُ  

............................
............................

3ـ 
– صلاة في محرابِ البر – 

 مِنْ أَيِّ كُوعٍ أَبْتَدِي أو بُوعِ؟ 
 أَلِفِي وبَائِي، يا ضِيَاءَ ضُلُوعِي! 
 مِنْ أيْنَ أَفْتَتِحُ النُّعُوتَ؟ وأَنْتُمَا 
 قَبْلَ الحُرُوفِ نَقَشْتُمَا مَوْضُوعِي 
 تَتَهَجَّأُ الأيَّامُ صَبْرَكُمَا مَعِي 
 ويُضِيءُ مِحْرابَ الدُّمُوعِ خُشُوعِي 
 لو كَانَ عُمْرِي في يَدَيَّ بَذَلْتُهُ 
 وأذَبْتُ نَفْسِي؛ كَي تُضِيءَ شُمُوعِي 
 أَمْشِي، وتَمْشِي فِي عُرُوقِي نَخْلَةٌ 
 فَرْعِي هُنَا، لَكِنْ هُنَاكَ جُذُوعِي! 
 أنَا كَيْفَ أَجْزِي مَنْ سَقَانِي عُمْرَهُ؟ 
 هَلْ تُنْبِتُ الصَّحْرَاءُ خُضْرَ زُرُوعِي؟ 
 أَمْشِي إليْكُمُ والمَسَافَةُ رَجْفَةٌ 
 تَقْتَاتُ مِنْ قَلَقِي، ونَزْفِ دُمُوعِي 
 ما قِيمَةُ الدُّنْيَا، إذا لمْ أَنْطَرِحْ 
 تَحْتَ النِّعَالِ؛ لأَسْتَرِدَّ جَمِيعِي؟ 
 أنَا كَيْفَ أُوفِي؟ والحُرُوفُ بَيَانُهَا 
 مِنْ صَوْتِكُم ونِدَاكُمُ المَسْمُوعِ 
 وأنَا الذي أَتْعَبْتُ عُمْرَكُمَا مَدَىً 
 وبَسَطْتُ في مِحْرَابِكُمْ مَشْرُوعِي 
 إنِّي لَأَخْجَلُ مِنْ سُجُودِي خَالِياً 
 مِنْ ذِكْرِكُم، يا رُوحَ كُلِّ رُكُوعِ 

 لوْ كَانَ لي في الخَلْقِ أَلْفُ عِبَادَةٍ 
 لَوَجَدْتُنِي في البِرِّ غَيْرَ قَنُوعِ 
 أُمِّي، وهَلْ بَعْدَ الأُمُومَةِ مَنْسِكٌ؟ 
 يا طُهْرَ مِحْرَابِي، وسِرَّ خُضُوعِي 
 يا نَهْرَ أُمِّي، كَيْفَ أَشْرَبُ صَوْتَهَا؟ 
 والصَّوْتُ نَبْعٌ، هلْ سَيُشْبِعُ جُوعِي؟ 
 أنَا فِي مَدَارِ صَلَاةِ كَفِّكِ نَجْمَةٌ 
 لوْلا دُعَاؤُكِ ما اسْتَقَامَ طُلُوعِي 
 وأَبِي وَقَارُ الكَوْنِ بَعْضُ سِمَاتِهِ 
 جَبَلٌ أَلُوذُ بِهِ اجْتِنَابَ وُقُوعِي 
 أَبَتِي، خَرِيْطَةُ جِلْدِكَ السَّمْرَاءُ لي 
 وَطَنٌ، وفيهِ قدِ اخْتَصَرْتَ نُزُوعِي 
 وثُقُوبُ مِعْطَفِكَ القَدِيمِ مَنَافِذٌ 
 للضَّوْءِ، تَغْسِلُ مُهْجَةَ المفجوعِ 

 يا وَارِثِي صَمْتَ النُّجُومِ سَكِينَةً 
 لوْلاكُمَا، ما ضَاءَ وَهْجُ سُطُوعِي 
 إِنِّي أُفَتِّشُ في مَلامِحِ صُورَتِي 
 فأَرَاكُمَا تَتَقَاسَمَانِ بَدِيعِي 
 أَسْرَى إليْكُم خَافِقِي، ومَشَاعِرِي 
 كالنَّهْرِ جَارِيَةً، وكاليَنْبُوعِ 
 لا عِزَّ لي إِلا بتُرْبِ نِعَالِكُمْ 
 فَهُوَ التَّيَمُّمُ في جَفَافِ رُبُوعِي 
 تُهْدَى ليَ الدُّنْيَا بكُلِّ زِحَامِهَا 
 ورِضَاكُمَا هو مَنْبَرِي وشَفِيعِي 
 ما البِرُّ إِلا أنْ أَفِيضَ لتُورِقَا 
 ويَجِفَّ حُزْنِي في امْتِدَادِ رَبِيعِي 
 أنَا لَسْتُ إِلا نَبْتَ مَائِكُمَا الذِي 
 أحْيَا بِهِ، حتَّى يَحِينَ رُجُوعِي 

...........................
...........................

– طينٌ يتوضأ بالرضا – 

 صلْصَالُ أَصْلِي أَمْ مَجَرَّةُ طِينِي؟ 
 يا سَيِّدَا الأَسْرَارِ فِي مَكْنُونِي 

 يا سِدْرَةَ المَعْنَى وأَوَّلَ نَفْحَةٍ 
 مِنْ خُلْدِ رَبِّي في مَدَى سِجِّينِي 
 مِنْ أيِّ سِدْرَةِ مُنْتَهَىً بي جِئْتُمَا؟ 
 أمْ أَيُّ لَوْحٍ قَدْ حَوَاكُمْ دُونِي؟ 

 ما كَانَ حُبُّكُمَا بمَحْضِ عَوَاطِفٍ 
 بَلْ كَانَ تَكْوِينِي.. وسِرَّ يَقِينِي 
 ما كُنْتُ إِلا مَحْضَ طِينٍ غَابِرٍ 
 لوْلاكُمَا.. ما كَانَ أَوْرَقَ طِينِي 

 أَنْتُمْ أَبِي، أُمِّي، صَلَاةُ جَوَانِحِي 
 والسِّرُّ حِينَ يَذوبُ فيهِ حنِينِي 
 يا أَوَّلَ الأَسْمَاءِ في شَفَةِ المَدَى 
 يا آخِرَ المَرْسَى لِفُلْكِ ظُنُونِي 
 أنَا مُنْذُ أَوَّلِ رَكْضَةٍ في خَاطِرِي 
 أَيْقَنْتُ أَنَّكُمَا شِرَاعُ سَفِينِي 
 مَا قُلْتُ "أُفٍّ" لِلْحَيَاةِ، وأَنْتُمَا 
 سَنَدِي.. وسِرُّ تَمَاسُكِي وسُكُونِي 
 أَنَا نُسْخَةٌ مِنْ صَبْرِكُم، مَجْدُولَةٌ 
 بِدَمِ الوَفَاءِ.. وبالرَّجَا المَخْزُونِ 
 شَجَرِي تَهَجَّى البِرَّ.. سِرَّ رِضَاكُمَا 
 فانْهَالَ شَهْدُ العَفْوِ فَوْقَ غُصُونِي 
 يا كَوْكَبَيْنِ أَدُورُ حَوْلَ مَدَارِكُمْ 
 حَتَّى أُذِيبَ مَوَاجِعِي وَشُجُونِي 
 مِنِّي خُذَا رِئَتَيَّ، واسْتَنِدَا علَى 
 كَتِفِي.. ونَامَا في ظِلَالِ جُفُونِي 
 لَوْ جَفَّ مَاؤُكُمَا بدَرْبِي لَحْظَةً 
 لَسَكَبْتُ كُلَّ سحائبي ومزونِي 

 لَوْ شُقَّ عَنْ رُوحِي لَبَانَ ضِيَاؤُكُم 
 شَمْساً تُطَهِّرُ عَتْمَةَ المَحزونِ 
 أَمْشِي.. وأَنْفَاسُ الدُّعَاءِ غَمَامَةٌ 
 تَحْمِي خُطَايَ مِنَ اللَّظَى المشحونِ 
 كُلُّ الدُّرُوبِ مَتَاهَةٌ.. إِلا التي 
 تُفْضِي لِطُهْرِ نِعَالِكُم، تُؤوينِي 
 لا عِطْرَ بَعْدَكُمَا يُلَمْلِمُ لَهْفَتِي 
 أَنْتُمْ جِهَاتِي.. وازْدِهَارُ سِنِينِي 
 أَنْتُمْ جُذُورُ الرُّوحِ.. كُلُّ قَصِيْدَةٍ 
 لا تَبْتَدِي بكُمَا.. فلَا تَعْنِيْنِي 
 بكُمَا نَفَخْتُ مِنَ الحَيَاةِ قَصِيدَةً 
 عَذْرَاءَ.. تَسْكَرُ من كؤوسِ لحونِي 

 أَسْرَى بِيَ الإِجْلَالُ نَحْوَ سَمَاكُمَا 
 حَتَّى تَلاشَى في السّمُوِّ أنينِي 
 أَمْشِي إلَيْكُم.. حَافِيَ الأَشْوَاقِ، لا 
 أَرْجُو سِوَى صَفْحٍ.. لِكيْ يُحْيِيْنِي  

 قَدْ جفَّ طينِي.. والرِّضَا مِنْكُم نَدَىً 
 يَروي الجفافَ المُرَّ في تكوينِي  
 صُبَّا عَلَيَّ مِنَ الرِّضَا كَأساً، فمَا 
 أَحْتَاجُ بَعْدَ الرَّيِّ أَيَّ مَعِينِ 
 سَأَظَلُّ أُهْدِي الكَوْنَ مِنْ نَفَحَاتِكُمْ 
 عِطْرَاً.. وَأَغْرِسُ حُبَّكُمْ بوَتِينِي 

..........................
..........................

[سِفْرٌ مِنَ الضَّوْءِ] 

عَلَى مَرْفَأِ الأَيَّامِ نَهْرٌ تَبَجَّسَا 
وَفِي مَلَكُوتِ الرُّوحِ صُبْحٌ تَنَفَّسَا 
سَقَى شَجَرَ المَعْنَى فَأَوْرَقَ طَاعَةً 
وَآبَتْ إِلَيْهِ الرُّوحُ كَيْ تَتَشَمَّسَا 
سَقَانِي وِدَادُ الوَالِدَيْنِ سُلَافَةً 
وَمِنْ ظَمَأٍ قَلْبِي تَرَشَّفَ وَاحْتَسَى.. 
هُمَا نُقْطَةُ التَّكْوِينِ فِي لَوْحِ غُرْبَتِي 
وَمِشْكَاةُ ضَوْءٍ كُلَّمَا الكَوْنُ عَسْعَسَا 

تَرَاءَتْ لِيَ الأُمُّ الرَّؤُومُ غَمَامَةً 
تَصُبُّ زُلَالَ الحُبِّ وَالدِّفْءِ أَكْؤُسَا 
إِذَا ابْتَسَمَتْ جَلَّتْ هُمُوماً كَثِيفَةً 
وَإِنْ نَطَقَتْ أَنْسَتْ أَسًى وَتَوَجُّسَا 
تَفِيضُ بِمِحْرَابِ التَّجَلِّي سَكِينَةً 
بِهَا خَشِنُ الأَيَّامِ أَصْبَحَ أَمْلَسَا 
تُهَدْهِدُ أَوْجَاعَ السِّنِينَ بِصَبْرِهَا 
إِذَا مَوْجُ أَهْوَالِ الحَيَاةِ تَغَطْرَسَا 

وَأَمَّا أَبِي.. نَخْلٌ يُظِلُّ عَزِيمَتِي 
وَمِنْ هَيْبَةِ الإِجْلَالِ فِي الرُّوحِ هَسْهَسَا 
عَلَى وَجْهِهِ خَطَّ الكِفَاحُ شُؤُونَهُ 
وَمِنْ كَفِّهِ نَبْعُ النِّضَالِ تَبَجَّسَا 
تَوَضَّأَ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ جَبِينُهُ 
فَأَسْكَتَ إِعْصَارَ الزَّمَانِ وَأَخْرَسَا 

هُمَا القِبْلَةُ الأُولَى، مَطَافُ جَوَارِحِي 
إِذَا مَا هَجِيرُ النَّفْسِ قَامَ وَوَسْوَسَا 
تَسِيْلُ جِرَاحُ العُمْرِ بَيْنَ يَدَيْهِمَا 
فَيَغْدُو اللَّظَى بَرْداً، وَيَبْتَسِمُ الأَسَى 
تَجَاعِيدُهُمْ سِفْرٌ مِنَ الضَّوْءِ، كُلَّمَا 
قَرَأْتُ مَدَاهَا، أَسْفَرَ الصُّبْحُ، وَاكْتَسَى 

هُمَا السَّبَبُ المَوْصُولُ بِاللَّهِ حَبْلُهُ 
وَمَنْ قَطَعَ الأَسْبَابَ خَابَ وَأَفْلَسَا 
بِبِرِّهِمَا نَيْلُ العُلَا وَبُلُوغُهُ 
وَمَنْ عَقَّ عَاشَ الدَّهْرَ نِكْساً مُنَكَّسَا 

أَمُدُّ لِأَقْدَامِ العَظِيمَيْنِ خَافِقِي 
وَلَوْ كَانَ جَمْراً فِي الوَلَاءِ.. وَلَوْ قَسَا 
سَأَحْمِلُ عَنْهُمْ ثِقْلَ عُمْرٍ وَكَاهِلٍ 
وَأَغْدُو لَهُمْ فَجْراً إِذَا وَلَجَ المَسَا.. 
وَإِنْ وَهَنَ العَظْمُ اسْتَوَيْتُ لَهُمْ عَصَا 
وَأَفْدِي بِظَهْرِي ظَهْرَهُمْ إِنْ تَقَوَّسَا 
وَأَسْكُبُ رُوحِي فِي جِفَانِ حَيَاتِهِمْ 
لِيُورِقَ فِيهِمْ كُلُّ غُصْنٍ تَيَبَّسَا 
فَلَا الصَّدْرُ صَدْرٌ إِنْ تَنَاءَى رِضَاهُمَا 
وَلَا الفَجْرُ فَجْرٌ إِنْ دُعَاهُمْ تَحَنْدَسَا 
هُمَا مَنْسِكُ الأَرْوَاحِ فِي حَجِّ طُهْرِهَا 
وَمَنْ جَاءَ مَقْصُورَ الجَنَاحَيْنِ أَبْلَسَا 
وَمَا البِرُّ إِلَّا نَزْعُ ذَاتِكَ عنْوَةً 
لِتَبْقَى لَهُمْ أَرْضاً، وَدَرْباً، وَمَجْلِسَا 
فَخَفْضُ جَنَاحِ الذُّلِّ سِرُّ عُرُوجِنَا 
وَمَنْ لَمْ يَذُبْ فِي طِينِهِمْ لَنْ يُؤَسَّسَا 
فَيَا خَالِقِي لَا تَقْبِضِ الرُّوحَ قَبْلَهُمْ 
وَمُدَّ لَهُمْ مِنْ نُورِ عَرْشِكَ مُؤْنِسَا 
وَأَجْرِ عَلَى أَيَّامِهِمْ سُبُلَ الرِّضَا 
لِيَغْدُو سَنَاهُمْ فِي عُلَاكَ مُغَمَّسَا 
وَيَا رَبِّ أَكْرِمْهُمْ بِفَيْضِ مَثُوبَةٍ 
وَخَيْرٍ عَمِيمٍ لِلنُّفُوسِ تَفَرْدَسَا 
فَقَدْ جَعَلُوا دُنْيَايَ فَجْراً شُمُوسُهُ 
خَلِيجُ رِضًا.. قَلْبِي عَلَى شَطِّهِ رَسَا 

........................
........................

6ـ 
[مِعْرَاجُ البِرِّ] 

عَلَى ضِفَّةِ الأَجْفَانِ نَهْرٌ مُقَدَّسُ 
يُطَمْئِنُ أَرْوَاحاً مِنَ الرَّوْحِ تَيْأَسُ 
وَمِنْ فَيْضِ بِرِّ الوَالِدَيْنِ رَوَى الحَشَا 
بَسَاتِينَهُ الظَّمْأَى؛ فَأَزْهَرَ نَرْجِسُ 
هُمَا جنَّةُ الوجدانِ خالدةُ الرؤى 
وَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ بِرُوحِي وَسُنْدُسُ 
هُمَا لُغَةُ الأَرْضِ الَّتِي مَا تَبَدَّلَتْ 
وَمِعْرَاجُ صِدْقٍ حِينَمَا الكَوْنُ يَخْرَسُ 

أَبِي سُلَّمُ الغَايَاتِ، ظِلٌّ مُعَتَّقٌ، 
إِذَا جَفَّ رِيقِي نَهْرُهُ يَتَبَجَّسُ 
حَمَى سُنْبُلَاتِ العُمْرِ مِنْ كُلِّ عَاصِفٍ 
وَفِي كَفِّهِ قَمْحٌ.. وَفِي القَلْبِ مَغْرَسُ 

وَأُمِّي مَدَارُ الوَجْدِ، أُولَى لُغَاتِنَا، 
مَلَاكٌ حَنُونٌ.. صَمْتُهَا العَذْبُ أَقْدَسُ 
رَضَعْتُ مِنَ التَّسْبِيحِ فَيْضَ حَنَانِهَا 
فَصِرْتُ بِمَعْنَاهَا أَقُولُ وَأَهْجِسُ 
إِذَا انْحَنَتِ الآفَاقُ تَلْثِمُ خَطْوَهَا 
رَأَيْتُ السَّمَا تَدْنُو، وَبِالبِرِّ تَهْمِسُ 

هُمَا قِبْلَةُ الإِحْسَانِ فِي كُلِّ كُرْبَةٍ 
وَفِي رِئَةِ المَعْنَى رُؤًى تَتَنَفَّسُ 
تَشِيخُ جِهَاتُ الأَرْضِ إِلَّا دُعَاءَهُمْ 
شَبَابٌ بِأَطْوَاقِ الأَقَاحِي يُنَرْجِسُ 
إِذَا مَا تَعَرَّى الْبَالُ مِنْ ذِكْرِيَاتِهِ 
فَثَوْبُهُمَا دِفْءٌ عَلَى الْعُرْيِ يُلْبَسُ 
إِذَا قَبَّلَتْ كَفِّي جَبِينَ انْكِسَارِهِمْ 
فَإِنِّي لِأَبْوَابِ السَّمَاوَاتِ أَلْمَسُ 
أُفَتِّشُ فِي كَفَّيْهِمَا عَنْ هُوِيَّتِي 
فَأَلْقَى جِنَانَ اللهِ بِالقُرْبِ تَجْلِسُ 
وَأَرْجِعُ طِفْلاً كُلَّمَا شَابَ مَفْرِقِي 
فَفِي حِجْرِهِمْ نَبْضِي مِنَ المَوْتِ يُحْرَسُ 
خَفَضْتُ جَنَاحَ الذُّلِّ حُبّاً وَرِفْعَةً 
فَكُلُّ مَقَامَاتِي لَدَيْهِمْ تُقَدَّسُ 
وَمَا كُنْتُ لَوْلَا كَفُّهُمْ غَيْرَ ذَرَّةٍ 
تَذُوبُ هَبَاءً، أَوْ رَمَاداً يُكَدَّسُ 
هُمَا "الأَلِفُ" الأُولَى لِكُلِّ حَقِيقَةٍ 
وَمَا دُونَهُمْ وَهْمٌ وَحَرْفٌ مُدَلَّسُ 
تَسِيلُ "الأَنَا" فِي نَهْرِ طَاعَتِهِمْ، فَلَا 
تَرَانِي نَفِيساً.. وَالمَحَبَّةُ أَنْفَسُ! 
فَيَا رَبِّ لَا تَجْعَلْ حَيَاتِي يَتِيمَةً 
فَإِنَّ بَقَائِي فِي بَقَاهُمْ مُؤَسَّسُ 
فَمَا لَذَّةُ الدُّنْيَا وَقَدْ غَابَ وَجْهُهُمْ 
سِوَى مَأْتَمٍ فِيهِ المَسَرَّاتُ تُحْبَسُ 
أُعِيذُهُمَا مِنْ لَوْعَةِ الدَّهْرِ، إِنَّنِي 
بِأَهْدَابِ عَيْنِي عَنْهُمَا البُؤْسَ أَكْنِسُ 
أَطُوفُ بِهِمْ، وَاللَّيْلُ مِحْرَابُ هَيْبَةٍ، 
وَأَمْشِي لِأَقْصَىٰ الرُّوحِ حُبّاً.. وَأُغْمَسُ 
فَقَدْ جَعَلَا دُنْيَايَ بَحْراً... كَأَنَّنِي 
عَلَى مَوْجِهِ -أَزْهُو وَأَخْتَالُ- نَوْرَسُ 
فَلَا خَوْفَ يَغْشَى مُهْجَتِي فِي لُجَاجِهِ 
وَلَا خَافِقِي فِي لَيْلِهِ يَتَوَجَّسُ 
هُمَا المُنْتَهَى قَبْلَ الرَّحِيلِ وَبَعْدَهُ 
وَبَابٌ إِلَى الفِرْدَوْسِ لِي يَتَفَرْدَسُ 
مَتَى أَرْتَمِي مَا بَيْنَ كَفَّيْهِمَا ارْتَقَى 
مَقَامِي، وَصَارَ القَلْبُ بِالقَلْبِ يَأْنَسُ 

.........................
.........................

7ـ 
أبجديات البرّ 

عَلَى ضَفَّةِ الْأَحْلَامِ نَهْرَانِ رَقْرَقَا 
وَفِي مَلَكُوتِ الطُّهْرِ رُوحَانِ حَلَّقَا 
هُمَا أَبْجَدِيَّاتُ الضِّيَاءِ إِذَا انْزَوَى 
مَدَارُ سِنِينِي، وَالْمَدَى كَانَ مُغْلَقَا 
تَوَضَّأَ صُبْحِي مِنْ نَدَى صَلَوَاتِهِمْ؛ 
فَكُنْتُ أَنَا الْمَعْنَى.. وَكَانَا هُمَا النَّقَا 
هُمَا رَحْمَةُ الرَّحْمَنِ صَاغَتْ كِيَانَنَا، 
وَعِطْرٌ بِأَثْوَابِ الْوُجُودِ تَعَتَّقَا 
فَأُمِّي الَّتِي دَلَّتْ عَنَاقِيدَ عَطْفِهَا، 
لِأَنَّ جَنِيناً فِي حَشَاهَا تَخَلَّقَا 
أَهَالَتْ نَضَارَ الْعُمْرِ فِي كَأْسِ صِحَّتِي، 
وَذَابَتْ شُمُوعاً فِي دُجَايَ لِأُشْرِقَا 
إِذَا نَظَرَتْ؛ شَقَّ الْغَمَامُ جُيُوبَهُ 
وصبَّ سَنَاهُ فِي الشَّغَافِ فأبْرَقَا 
تُجَفِّفُ فِي مَهْدِي الدُّمُوعَ بِبَسْمَةٍ، 
وَتَسْهَرُ كَيْ أَغْفُوَ إِذَا الْخَوْفُ أَرَّقَا 
ووَالِدِيَ الْمَحْنِيُّ خَلْفَ سِنِينِهِ 
كَقَوْسِ صَلَاةٍ لِلْجَمَالِ تَشَوَّقَا 
يَشُقُّ فِجَاجَ الْأَرْضِ يَبْحَثُ عَنْ غَدِي 
وَيَبْنِي مِنَ الْآَمَالِ صَرْحاً مُؤَنَّقَا 
تَقَاسِيمُ كَفَّيْهِ خَرِيطَةُ رِحْلَتِي 
وَفِي شَيْبِهِ ضَوْءُ النُّجُومِ تَأَلَّقَا 
يَشُدُّ عَنَانَ الرِّيحِ، لَوْ مَالَ زَوْرَقِي؛ 
يَشِيدُ مِنَ الْأَضْلَاعِ وَالْحُبِّ زَوْرَقَا 
لَقَدْ زَرَعَا فِي الْقَحْطِ قَمْحَ طُفُولَتِي 
بِمَاءِ الرِّضَا حَتَّى تَسُنْبَلَ مُعْذِقَا 
وَقَدْ بَذَرَا الْوِجْدَانَ فِي تُرْبِ مَنْبَتِي، 
فَأَزْهَرَ طِينِي يَاسَمِيناً وَزَنْبَقَا 
سَأَقْرَأُ فِي عَيْنَيْهِمَا سِفْرَ نَشْأَتِي 
وَكَيْفَ اسْتَحَالَ الرَّتْقُ كَوْناً تَفَتَّقَا! 
أُرَمِّمُ أَوْجَاعَ الْحَيَاةِ بِقُبْلَةٍ 
عَلَى قَدَمٍ كَانَتْ لِعُمْرِيَ خَنْدَقَا 
فَقُبْلَةُ طُهْرٍ فَوْقَ كَفٍّ مُجَعَّدٍ 
تُسَاوِي جِنَانَ الْخُلْدِ طِيباً وَرَوْنَقَا 
أُذِيقُهُمَا حُبِّي، وَأَسْقِيهِمَا دَمِي 
فَمَا الْبِرُّ إِلَّا أَنْ نَذُوبَ وَنُحْرَقَا 
خَفَضْتُ لَهُمْ جُنْحَ الْمَذَلَّةِ هَيْبَةً، 
وَذُلّاً عَزِيزاً فِي النُّفُوسِ تَعَمَّقَا 
"وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً".. فَمَنْطِقِي 
بِغَيْرِ جَلَالِ الْوِدِّ لَنْ يَتَشَدَّقَا 
"وَصَاحِبْهُمَا.." -سَمْعاً فَهُمْ صُحْبَتِي، وَ"لَا 
تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ.." -وَكَيْفَ؟ وَهُمْ وِقَا! 
فَأَصْغَرُ "أُفٍّ" قَدْ تُحَطِّمُ جَنَّةً 
بَنَاهَا تَعَالَى لِلَّذِي بَرَّ وَاتَّقَى 
دُعَاؤُهُمَا حَبْلُ النَّجَاةِ لِغُرْبَتِي 
إِذَا مَوْجُ أَهْوَالِ الزَّمَانِ تَعَمْلَقَا 
فَكُلُّ نَجَاحٍ فِي حَيَاتِيَ دَعْوَةٌ 
سَرَتْ فِي جَنَاحِ اللَّيْلِ حَتَّى تَحَقَّقَا 
فَيَا رَبِّ وَفِّقْنِي إِلَى الْبِرِّ طَاعَةً، 
كَمَا رَبَّيَانِي ارْحَمْهُمَا مُتَرَفِّقَا 
سَأَبْقَى أُصَلِّي لِلْوَفَاءِ لَعَلَّنِي 
أُوَفِّي مَقَاماً بِالْقَدَاسَةِ أَغْدَقَا 
فَكَيْفَ أُجَازِي مَنْ ذَوَى غُصْنُ عُمْرِهِ 
لِيَخْضَرَّ غُصْنِي فِي الْوُجُودِ وَيُورِقَا؟ 
إِذَا طَلَبَا رُوحِي بَذَلْتُ رَخِيصَةً؛ 
فَمَا أَنَا إِلَّا بَعْضُ فَضْلٍ تَدَفَّقَا 
أَنَا الْعَيْنُ إِنْ غَامَ الضِّيَاءُ بِنُورِهِمْ، 
وَأَقْدَامُهُمْ إِنْ أَصْبَحَ السَّيْرُ مُرْهِقَا 
سَأَغْرِسُ فِي صَمْتِ الْقَصِيدِ عِبَارَةً: 
بِأَنَّ وُجُودِي مِنْ ضِيَائِهِمَا اسْتَقَى  

.........................
.........................

 
8ـ 
– تَرَاتِيلُ البِرّ – 

أَقَبِّلُ تُرْبَاً تَحْتَ أَقْدَامِكُم، نَدَى 
يُطَهِّرُ نَفْسِي كُلَّمَا الكِبْرُ عَرْبَدا 
إِذَا مَا دَعَا الدَّاعِي، فَصَوتُكُمَا النِّدَا.. 
وَإِنْ عَتمَ الدَّربُ، اِستَحَلْتُم لِيَ الهُدَى 
بَنَيْتُمْ كِيَانِي مِنْ عُرُوقِ دِمَائِكُم 
فَكَيْفَ أُوَفِّي قَطْرَهُ اليومَ أو غدا 
فَمَا نَحنُ إِلّا نَبضَةٌ مِن حَيَاتِهِم 
وَمَا العُمرُ إِلّا دَينُهُم كي نُسَدِّدا 

أَرىٰ وَجهَ أُمِّي كَونَ طِيبٍ مُعَتَّقٍ 
يُقَطِّرُ فِي كَأسِ الـمَجَرَّةِ مَوعدا 
لَقَد عَجَنَتْ أوجَاعَهَا بِنُعَاسِهَا 
لِأَغفُوَ فِي حِضنِ الأَمَانِ مُغَرِّدا 
إِذا ابْتَسَمَت؛ جَفَّ السَّرَابُ بِخَاطِرِي 
وكَانَت لِيَ الدُّنيَا رَبِيعًا مُخَلَّدا 
تخَبِّئُ أوجَاعَ السِّنينَ بَبَسْمَةٍ 
تُطَمئِنُ خَوْفِي كُلَّمَا اليأسُ أَرْعَدا 
أَرَىٰ تَعَبَ الخَمْسِينَ فِي راحِ كَفِّهِا 
جِبَالاً مِنَ الإِيثَارِ، نَهراً تَجَسَّدا 

وَأَمَّا أَبِي.. سِفرٌ مِنَ الصَّبرِ شَامِخٌ 
نَخِيلٌ طَوِيلٌ بالنقاء تفرّدا 
حَنَىٰ ظَهْرَهُ كَي يَستَقِيمَ تَقَلُّبِي 
وَجَاعَ لِيَسقِي رُوحِيَ العِزَّ مَورِدا 
يُطَرِّزُ لِي الأَحلامَ مِن نَبضِ قَلبِهِ 
وَيَغْرِسُ فِی دَربِي الشَّبَابَ المُجَرَّدا 
خُطَاهُ مَنَارَاتٌ، وَظِلُّ نَشِيدِهِ 
يَقِينٌ، إِذَا مَوجُ التَّلَعثُمِ أَزبَدا 
أَرَى شَيبَهُ نُوراً يَشُقُّ غَيَاهِبِي 
وَيَمْحُو عَنِ الدَّرْبِ الشَّقَاءَ المُؤَبَّدَا 

أَمُدُّ يَدِي لِلفَجرِ… أُمِّي نَهَارُهُ 
سَنَاهُ أَبِيْ… رُوْحِي وعُمْري لَهُمْ فِدَا 
هُمَا البَدءُ، وَالـمَعنَىٰ، وَآخِرُ رِحلَتِي 
إِذَا مَا ضِيَاءُ الرُّوحِ لِلوَصلِ أُرشِدا 

خُذَا كُلَّ أَيَّامِي عَصِيراً لِعُمرِكُم 
فَمَا كَانَ عُمرِي ما عداكم سوى صَدَى 
أَبِرُّكُمَا؟ لا.. بَلْ أُعِيدُ لِجَوهَرِي 
بَرِيقاً، وَأَسْتَسْقِي الرَّجَاءَ المُؤَكَّدا 
فَخَفْضُ جَنَاحِي لَيْسَ ذُلَّاً، وَإِنَّمَا 
هُوَ الطَّيَرَانُ الـمَحْضُ جواً تصعّدا 
هُوَ الصَّمتُ إِجلالاً، هُوَ البَذْلُ رِقَّةً 
وأنْ تَستَقِي مِنهُم يَقِيناً مُؤَيَّدا 
أَغُوصُ بِأَعْمَاقِي فَأَلْقَاكُمَا هُنَا 
نَقَاءً مَشَى فِي الطِّينِ حَتَّىٰ تَوَرَّدا 
وَمَا البِرُّ أَنْ أُعطِي، فَمَا كُلُّ مَا مَعِي 
سِوَىٰ بَعْضِ فَضْلٍ مِنْ نَدَاكُم تَعنقدا 
يَمُصُّ رحيقَ العُمْرِ كَيْ يكْبُرَ الفَتَىٰ 
وَيَحْمِلُ ثِقْلَ الصَّخْرِ كَي يتَمَدَّدا 
فَيَا قَلْبُ ذُبْ حُبًّا، وَيَا نَفْسُ فَانْحَنِي 
فَمَا تَحْتَ أَقْدَامِ الجِنَانِ سِوَىٰ المَدَى 
سَأَحْمِلُ عُمرِي فِي يَدَيَّ قُرَنفُلاً 
لأَمسَحَ عَن أَقدَامِهِم ما تجمّدا 

فَهُم بَرَكَاتُ الأَرْضِ، مِلْحُ حَيَاتِنَا 
وَأَوَّلُ مِيثَاقٍ مِنَ اللهِ عُمِّدا 
فَيَا رَبُّ هَب لي مِن رِضَاهُم غَمَامَةً 
تُطَهِّرُ ذَنبِي كُلَّمَا الوَجْدُ أوْقَدا 

..............................

وضاح حاسر 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق