مجنونُ ليلةٍ
وضاح حاسر
( مجموعة قصصية )
عنوان الكتاب : مجنونُ ليلةٍ
اسم الكاتب : وضاح حاسر - اليمن
مجال الكتاب : مجموعة قصصية
الإهداء
إلى كل مطحونٍ برحى الحروب ..
إلى كل مكدود سأم الحياة ..
إلى كل متشظٍّ في دهاليز الشرود ..
إلى كل غريبٍ في وطنِهِ ..
إلى كل مشنوقٍ بأسياخِ الغياب ..
إلى كل جريحٍ وجُرْحُهُ وطنُهُ ..
... إن بعد العسر يسراً ...
وضاح حاسر
قصص قصيرة
ــ غريبٌ .. في الزمن الغريب ــ
في شريعةِ الغابِ لا بقاءَ للضعيفِ يا غريب. جميعُ الطرقِ قد تؤدّي إلى روما، لكنها لن تؤدّي إلى قلوبِ (الهوامير) .
كانت يدُ النورِ قد امتدَّت تمسكُ بعنقِ الظلام ، تخنقُهُ ، تكتمُ أنفاسَه، لم يستطعْ مقاومتَها ، فهوَى مصروعاً ، منهزماً ؛ إيذاناً ببدايةِ يومٍ جديد.
تستيقظُ العصافيرُ باكراً، تعتلي أغصان أشجار اللوز المزهرة، تكسرُ حاجز الصمت بنَوْتَاتِ الزقزقة البديعة التي تروق لذائقة الصباح ، فيُشْرِعُ أبوابَ صدرِهِ لانشراحٍ عميق .
ومع ساعات الفجر الأولى ينطلقُ الفلاحون - كعادتِهم - إلى حقولِهم ، يتفقدونَها ، يقطفونَ ما يمكنُ قطافُهُ من محصول، إلا غريب لم يستيقظْ باكراً هذا الصباح لانشغالِهِ طيلةَ الليلِ بتمريضِ طفلتِهِ البكر ذاتِ الأعوام الأربعة التي تعاني من داءِ السلِّ الرئوي. لم يستطعْ غريب تأمينَ علاجٍ للطفلة أو إيصالَها إلى المشفى؛ لقلّةِ ذاتِ اليدِ ، حتى استفحلَ الداءُ، وتمكَّنَ منها، فأوهنَها، وتحوَّلَ مع الوقتِ إلى سعالٍ حادٍّ مزمنٍ ، تكحُّ .. تكحُّ بشكلٍ متواصل ، لكنها في الليلةِ الأخيرةِ هذِهِ صارت تكحُّ دمَاً.
جُنَّ جنونُ غريب ، فلم تكتحلْ عيناهُ بالنومِ حتى أوشكَ الفجرُ على البزوغِ ، فغفت عيناهُ من شدة الإرهاقِ والتفكير.
وغريب هو أحدُ الفلاحين وأقلُّهم حظاً فهو لا يملكُ إلا حقلاً صغيراً. بالكاد يكفي محصولُهُ لإعالةِ أسرتِهِ الصغيرة.
كان حقلُ غريب قد أصبحَ جاهزاً للقطافِ ، وكان ينوي أن يصحو باكراً ليقومَ بقطفِهِ ، وبيعِ المحصولِ ليستعينَ بثمنِهِ في نقلِ ابنتِهِ للمشفى وعلاجها .
كانت الشمسُ قد ضربت الأرضَ بأشعتِها الذهبيةِ حينما استيقظَ غريب بعد غفوتِهِ اللا إرادية ، ففزَّ مذعوراً ، وقامَ أولاً - على عجل - بتحسُّسِ ابنتِهِ الممدَّدةِ على سريرِ الألم :
– ما زالت تقاومُ المرضَ بوهنٍ وضعفٍ .. يتمتمُ : يا الله أمدَّها بالقوة والتحمل .
لم يتناولْ وجبةَ الإفطار ( الصبوح )، بل هرعَ متوجّهاً صوبَ حقلِهِ الصغيرِ الذي يتوسطُ حقولَ الآخرين الواسعةَ التي قد أوشكت هي الأخرى على القطاف .
شقَّ غريبٌ طريقَهُ وسطَ الحقولِ الشاسعة. وصلَ إلى حقلِهِ. وجَدَهُ مقطوفاً. صُعِقَ مصدوماً :
– يا الله .. ما الذي يجري هنا ؟؟
تلفَّتَ إلى الحقولِ حولَهُ؛ فرآها واقفةً بمحصولِها ، لم تصبْ بأذى. حقلُهُ وحدهُ المقطوفُ. أحلامُهُ تحطّمت على صخرةِ المفاجأة. أملُهُ في شفاءِ ابنتِهِ انتهى. أصابَهُ الدوارُ فجلسَ. يصرخُ بهستيرية :
– من قطفَ حقلي ؟؟
– اللصوص ..
– ولماذا حقلي أنا فقط ؟؟، وكيف وصل اللصوصُ إليه من بين كل هذه الحقول السليمة المحيطة به؟؟
– .......
هكذا إذن! يا غريب ..
عندما يتحوَّلُ الأقوياءُ إلى ذئابٍ فإنَّهم حتماً سيحوِّلون الضعيفَ إلى شاةٍ تُؤكَلُ متى شاؤوا .
عاد غريب إلى بيتِهِ خائباً، مكسوراً، محطماً، مقهوراً، بلا أملٍ، لا يلوي على شيءٍ ، يتفصَّدُ قلبُهُ وجعاً وحسرةً .
جلسَ إلى جوارِ ابنتِهِ على سريرِها. كلما نظرَ إليها ذرفت عيناهُ عبراتِهما الحارة ؛ فتمدُّ يدَها الواهنةَ لتمسحَ الدموعَ من على وجنتيهِ الذابلتينِ فيزدادُ حسرةً وقهراً.
قبيلَ الظهيرةِ كانت تنظرُ إليهِ ، وتمسكُ بيدِهِ ، كأنما كانت تودّعُهُ. بعد لحظاتٍ لفظت أنفاسَها الأخيرةَ. سجَّاها بحنانِهِ، وقالَ :
– لقد قتلوكِ يا ابنتي .. لقد قتلوكِ ..
وزفرَ آهةً مريرةً طويلة، ثُمَّ دخلَ في نوبةِ حزنٍ شديدة .
ـــ 10 / 7 / 2021 ـــ
.......................................
ــ فوضى شعور ــ
في العادة
كنتُ كلما تعبتُ من التسكّعِ على رصيفِ الوقتِ الشاردِ ، وبعد كدحٍ مضنٍ في التعاسةِ ، أرجعُ كل مساءٍ إلى بعضي ميمّماً شطرَ روحي الموزعة على الجهاتِ الأربعِ ، أحاولُ أن أقرأَ ما تيسرَ من كتابِ مشاعري المفتوحِ على امتدادِ الوجعِ حيناً، وأحياناً أحاولُ أن أخطَّ ما يمليهِ الدمعُ من همسٍ مترنح يفرغُ آهاتِهِ المكبوتةَ على سِفرِ قلبي .
لكنني في هذا المساء عندما آويتُ إلى بعضي عائداً من شرفةِ الوقتِ المترهلِ ، وجدتُ كل شيءٍ على غير حالِهِ. وجدتُ كتابي مهترئَ الكلماتِ ، كقدحٍ مهشمِ الحوافِّ ، وأقلامي جامدةً بُكْماً كأعوادِ قمحٍ يابسةٍ ، وسجادتي التي أجلسُ عليها، أتلصّصُ مشاعري جاثيةً في الغبارِ كسفينةٍ غريقةٍ.
فانثنيتُ على وجهي هائماً في غياباتِ الصقيعِ، لا وجهةَ تقتادُني، ولا هدفَ يستحثُّ خطايَ، أسيرُ بلا وعيٍ ودونما شعورٍ ؛ لأجدَني - أخيراً - على قارعةِ الفراغِ أتأملُ حالي المقلوبَ رأساً على عقبٍ. أحاولُ التشبّثَ باليقينِ، مع أنني لم أفارقْ دائرةَ الشكِّ أصلاً .
لكنَّ هذا التشظي القائم على مفترقِ الشعورِ واللاشعورِ لازال يكِزُني ليقضي عليَّ أو بعضي، وأنا أستقبلُ إرهاصاتِهِ المُرّة بمزيدٍ من الذهول والإعياءِ .
***
في ذات عبورٍ تصَفُّحيٍّ ...
لاح أمامي بالفضاء الأزرق إعلانٌ لمسابقةٍ أدبيةٍ ممولة. أردتُ المشاركة، فشرعتُ أشحذُ أقلامي، وأهيئُ الأوراقَ. أمسكُ بتلابيبِ أفكاري الجامدة ، أجرُّها جرّاً محاولاً تحريكها حيناً ، وحيناً أصهرُها على لهبِ الإنتظارِ في محاولةٍ بائسةٍ لإسالتِها ..
عدتُ مرّةً أخرى لعادةِ التسكع ، لكن هذه المرة لم تكن كسابقاتها، فسابقاتها كانت بلا هدفٍ سوى مضيعة الوقت لا غير. أما هذه المرة فكان الهدفُ كسرَ أيامٍ طوال من الصمت. في محاولةٍ لإثارة مزاجي الكتابي. أريدُ الخروجَ من هذا الجمود ، أريدُ أن أكتبَ فحسب ..
فثمَّةَ فكرةٌ ظمأى تتحرشُ بتلك المنطقة الواقعة في قشرة الفصِّ الجبهي (القشرة المخية ) بالدماغ المسؤولة عن التفكير. تلحُّ في استثارتها بشتى الوسائل الكيميائية والبايلوجية ، لكنها أصبحت باردةً ، جامدةً ، شبهَ معطلةٍ ، عاجزةً تماماً، غيرَ قادرةٍ على الإستجابةِ لأي مؤثرٍ أو مثير، أو القيام بأي نشاط .
***
إنني لستُ على ما يرامُ يا أنا ...
إنَّ وجعَ الإنتظارِ يقتلُني أكثرَ من وجعِ الإحتضارِ وجفاف المشاعرِ يؤلمُني أكثرَ من هطولِ الدمعِ الغزيرِ على صحراءِ ظمأي العتيق ، وانكساري على طللِ الروحِ أنكأ من طعنةِ خنجرٍ مسمومٍ تخترقُ خاصرتي ، وأشد على النفس وأقسى من هذا كلِّهِ مشاعرُ عاريةٌ تتسحّبُ على إسفلتِ اللاضمير .
وللهروبِ من هذا التشظي الممسكِ بتلابيبِ أخيلتي ولجتُ إلى فراشِ القدَرِ الممهّدِ لأغطَّ في نومٍ عميقٍ ؛ سعياً لنسيان هذه الفوضى الشعورية ، أو التخفف من هذا العبءِ الجاثي على مخيلتي .
........................................
........................................
ــ مجنون ليلة ــ
كانت ليلةً حالكةً ظهَرَ الهلالُ في أوَّلِها قليلاً ثم اختفى، لكنَّ القريةَ بدَتْ تعانقُ أضواءَ المصابيحِ المضاءَةِ بالطاقةِ الشمسيةِ التي تنتظمُ على أركانِ وأسطحِ المنازل .
الأطفالُ على أضواءِ المصابيحِ يلعبونَ (الغُمَّيضة)، تعُجُّ الطرقاتُ بالرجالِ الذاهبين إلى السُّمّار ، ومهتارِ المجنون يتلصَّصُ على مُؤخّراتِ النسوةِ المارات إلى بيتِ أمِّ علي الحَكَوَاتيّة الثمانينيةِ لتسمعهنَّ شطراً من حكاياها الشعبية الماتعة والأساطير القديمة التي لا تُملُّ .
الساعة العاشرة والنصف مساءً ..
موعدُ انفضاضِ مجلسِ أمِّ علي الحَكَوَاتيّة. مهتارُ يترصَّدُ. تخرجُ النسوةُ عائداتٍ إلى منازلهنَّ، إحداهنَّ تحملُ كيساً فيهِ طعامٌ، عينا مهتار تحملقانِ في مؤخراتهنَّ. يتفحَّصُهنَّ واحدةً تلوَ الأخرى. تناولُهُ الكيسَ. لم يشفعْ لها من عينيهِ اللتينِ انْدلقَتَا خلفها، تمشي وهو وراءها كأنَّما تجرُّهُ من عينيهِ حتى ولجَتْ دارَها.
الساعة الثانية عشرة في منتصف الليل..
تتهيأُ القريةُ للنوم، تغيبُ الأحاديثُ والثرثراتُ تدريجياً، تصمتُ الأفواهُ، يتفرقُ السمّارُ. تنطفئُ آخرُ المصابيحِ المضاءَةِ على أسطحِ المنازل، يُسدَلُ الستارُ على بقايا الأضواءِ الخافتةِ المنبعثةِ من بعضِ الشرفات .
الساعة الواحدة والنصف صباحاً..
القريةُ تغطُّ في نومٍ عميقٍ. ظلامٌ جاثمٌ تحتَ الأنجمِ الساهرة، مهتارُ يتسكعُ وحدَهُ في الظلام. سكونٌ ضاربٌ لا يشوبُهُ إلا أصواتُ نباحٍ متقطعة تتبادلُها كلابٌ تقبعُ في طرفِ القريةِ الجنوبي وأخرى في طرفِها الشمالي.
الساعة الثانية والنصف صباحاً..
فتحَ مهتارُ الكيسَ فوجدَ داخلَه طعاماً، أخذَهُ إلى مكان أكلِهِ المعتاد، حيثُ ينتظرُهُ صديقُهُ. جلسَ. نادى:
– بحبح.. هلُمَّ إلى الطعام يا بحبح.
– جاء بحبح يرفعُ ذيلَهُ ويخفضُهُ احتراماً، تبادَلا النظرات، قرفصَ إلى جانبِهِ، وشرَعَا يأكلانِ معاً .
الساعة الثالثة صباحاً..
مهتارُ يواصلُ التسكعَ بخطى متهالكة: خطوة للأمام، وأخرى للوراء، يترنَّحُ، يوشكُ على السقوطِ، يرتدُّ واقفاً، ثم يسقطُ. الكلابُ تنبحُ، تزدادُ وتيرةُ النباحِ عند الطرفِ الشمالي، تتحركُ الكلابُ إلى داخل القرية، النباحُ يقتربُ أكثر، تتموضعُ في وسطِ القرية، يشتدُّ النباح، تتوافدُ الكلاب، تتزاحمُ، تنبحُ بهستيرية، تفزعُ النوَّامَ. يستيقظُ الحاج حمدان الساكنُ في وسطِ القريةِ فزعاً، يفتحُ النافذة، فينبعثُ منها ضوءٌ باهتٌ، يطلُّ؛ الظلامُ يخيمُ على المكان، يسمعُ وقْعَ أقدامٍ تتحركُ بسرعة، تبتعدُ، تتبعُها الكلابُ إلا كلباً واحداً لم يبرحْ مكانَهُ، ينبح دون توقفٍ، يسلطُ الحاج حمدان ضوءَ مصباحِهِ اليدوي الباهت على المكان فلم يستوضحْ إلا خيالَ الكلبِ يدورُ حولَ نفسِه. بعد برهةٍ نبحَ نباحاً طويلاً مصحوباً بعواءٍ ثُمَّ سكَت .
الساعة الرابعة والنصف صباحاً..
لا زالت القريةُ تضجُّ بالظلام وصياحُ الديكةِ يشقُّ الصمت، ينطلقُ من مكبرات الصوت أذانُ الفجر صدّاحاً مجلجلاً تُرددُ صداهُ الوديانُ والجبالُ مستكينةً خاشعةً.
الحاج حمدان يتوضأ استعداداً للصلاة، يفتحُ بابَ بيتِهِ ويخرجُ، تتعثرُ قدماهُ في شيءٍ ما على الباب، كان على عجلٍ فلم يتبينْ ماهيةَ الشيء خوفاً من أن يفوِّتَ الجماعة .
الساعة السادسة إلا ربعاً فجرًا ..
مزَّقَ الظلامُ آخرَ خيوطِه، بينما النهار يغزلُ خيوطَ النورِ في كل اتجاهٍ، تشتعلُ التنانيرُ. تفوحُ رائٔحةُ الخبزِ المقمَّرِ تفتحُ مغاليقَ الشهيّةِ. تخرجُ النسوةُ لكَنْسِ أفنيةِ وباحاتِ بيوتهنَّ. تصرخُ امرأةُ الحاج حمدان مستغيثةً. يهرعُ الجميعُ إلى المكان. الحاج حمدان عائدٌ من المسجد.
رأى الناس يهرولون نحو وسط القرية، اندفعَ معهم:
لا بُدَّ أنَّ أمراً هاماً قد حدث، رأى جمهرةً أمام منزلِه: همهمات، تحركات، حوارات، أسئلة، تهليلات، حوقلات. اشتدَّ فزعُهُ.
اندفعَ كالمصروع يخترقُ الجموع. رأى جسداً هامداً ملقى على الأرض وإلى جانبِهِ كلبٌ ميتٌ. يسألُ :
– من هذا؟
– مهتار المجنون، لقد مات.
– كيف مات؟، وما أوصله إلى هنا؟.
– لا ندري.. كأنك لا تعرف!!..
– وكيف أعرف؟!.. تذكرتُ!.. هل سمعَ أحدُكم حركةً مريبةً ليلةَ أمس؟
– مثل ماذا؟
– أيقظني من نومي نباح الكلاب الشديد، فتحتُ النافذة، فسمعتُ وقْعَ أقدامٍ تتحركُ بسرعة، لكنني لم أستطعْ تمييز شيءٍ من العتمة.
– نعم ، أنا سمعتُ
– وأنا سمعتُ..
– وأنا...
– لكن لا أثَرَ لجرحٍ أو ضربٍ أو خنقٍ أو غيره عليه.
– لا بُدَّ أنَّهُ مات مسموماً.
– ربَّما، لا ندري، الطبيب الشرعي سيكشفُ ذلك.
في الليلة التالية..
رأى الحاج حمدان في منامِهِ أنَّ شخصاً مهيباً، نظيفاً، جميلاً أبيضَ الوجهِ، كثَّ اللحيةِ، ناصعَ الملبسِ، حسنَ المظهر. وقفَ قبالتَهُ يسألُ :
– أين مهتارُ يا حمدان؟
– لقد مات
– بل قُتِلَ!..
– قتِل؟!
– نعم قُتِلَ مسموماً .
– وما أدراكَ؟، ومن أنتَ؟!.
– أنا ملَكٌ موكَّلٌ بكشفِ الحقائق .. كنا نعرفُ من قتلَه، فحملناهُ ووضعناهُ على بابِ قاتلِهِ .
– لكنَّني لم أقتلْهُ ..
– القاتلُ في بيتِكَ يا حمدان ..
صَحَا الحاج حمدان مذعوراً، جمعَ العائلة في الحالِ، وقصَّ عليهم رؤياهُ، فصاحت إحدى بناتِهِ :
– أنا أعطيتُهُ طعاماً مسموماً، أنا مَنْ قتلَهُ .
– ولمَ؟
– كي تستريحَ عيناهُ من الطَّرْقِ على.............
سقطتْ مغشيّاً عليها. ماتتْ.
...........................................
ـــ 20 / 5 / 2021 ـــ
............................................
ــ صحوة ــ
مرغماً وقفتُ على قارعةٍ في الطريق المؤدِّي إلى الهدف الذي رسمتُهُ لنفسي ذات طموح ، وعملتُ جاهداً من أجل الوصولِ إليهِ ، أو تحقيقِهِ. بعد أن أوهمَني المارَّةُ العراةُ من الضميرِ ، الحفاةُ من المسؤوليةِ ، المنتعلونَ الخيانةَ والغدرَ ، المنسلخونَ من المبادئ ، الحاملونَ مكرَهم سراويلَ على الأكتافِ. أنَّ الدربَ الذي أسلكُهُ لا يوصِلُ للهدفِ المنشودِ ، ولا الغايةِ المرجوَّةِ. وأنَّ الأحلامَ لا تُؤتَى من هنا .
مضى وقتٌ طويلٌ وأنا هناك على حافةِ الإنتظارِ غارقٌ في شرودٍ وحيرةٍ فظيعين ... مشتتاً حدَّ التيهِ ، أتبصَّرُ مصيري الذي أصبحَ ضبابيّاً معتماً حدَّ الظلمة .
كنتُ قد قطعتُ شوطاً لا بأسَ بِهِ في هذا السبيلِ ، ولذلك أحسستُ بخيبةِ أملٍ كبيرةٍ جداً ، ولم يكنْ أماميَ حينئذٍ سوى خيارينِ :
الأول : أن أستسلمَ للأحباطِ متخلياً عن كل شيء .
الثاني : أن أنسى هدفي الأول وكل جهدٍ قد بذلتُهُ في سبيلِهِ، وأرجع لأرسمَ هدفاً آخرَ وأبدأ من جديد .
والحقيقة أنني كنتُ أميلُ للخيارِ الأول ؛ لأنَّ اختيارَ هدفٍ جديدٍ مختلف يُعدُّ في حدِّ ذاتِهِ أمراً بالغَ الصعوبةِ. فكيف بالشروعِ فيه من درجةِ الصفرِ ؟.
وبينما أنا غارقٌ في التفكيرِ بالخيارينِ، وقبلَ أن أحزمَ أمري. قطعَتْ حبلَ أفكاري صفعةٌ قويةٌ من كفِّ الضميرِ زلزلت كياني، وهزّت كل أركاني ، فانتبهتُ إليهِ صارخاً في وجهي :
– أتصدقُ هؤلاء ؟!.. استيقظْ من وهمِكَ ..! وقل لي من رسم هذا الهدف؟ أنتَ أم هم ؟
– بل أنا ..
– أهااا! بما أنك قلتَ أنتَ؛ فهل هم أعرفُ بهدفِكَ منكَ؟
– لا .. طبعاً ..
– إذن .. عدْ إلى رشدِك، ولا تلتفتْ لأحدٍ مطلقاً .
لا أدري كم من الوقتِ - قبلَ الصحوةِ - قد تحطم على صخرة الثقةِ الممهورةِ بالضياعِ. لا شك أن وقتاً ثميناً ذهبَ ضحيةَ أوهامٍ مغلّفةٍ بالحرص على الصوابِ، ومزاعمَ توجيهٍ كاذبةٍ ، وإرادةٍ مبيَّتةٍ لانحراف الهدف .
لكنني أعرفُ الآنَ - بعد الصحوةِ - أنني بمطرقةِ العزيمةِ والإصرارِ ، ها أنَذا أدقُّ آخرَ مسمارٍ في نعشِ الثقة .
ـــ 6 / 4 / 2021 ـــ
...........................................
...........................................
ــ شعورٌ باليُتْم ــ
كان لا يزال جنيناً في بطن والدته عندما ألمَّ بوالدِهِ داءٌ عضال ، لازمَهُ أياماً ، حاول كثيراً مقاومتَهُ متشبثاً بتلابيب الحياة، والأمل في استمرارية العيش والبقاء. لكن الموت كان منه أقرب، فابتلعته الأرض قبل أن تطأها أقدام الوليد. وقبل أن تكتحل عيناه برؤيته ، أو تنطلق صرخاته الأولى ، يتردد صداها في زوايا قلبه، تتسرب في أركان النفس بمشاعر الأبوة من جديد ، وتغمر المكان براءة وجمالاً .
تقيأتْهُ الظلمةُ ليرَى النورَ يتيمَ الأبِ ، محروماً من تلك العاطفة الحميمة التي دائماً ما تُشْعِرُ بالأمان .
عاش طفولته الأولى تحت مظلة أمِّهِ التي أمدتْهُ برعاية أبعدتْه عن أسباب الفقد ، والشعور بالوحدة والإهمال ، أعطته كل الذي اشتهت شهوة الطفولة ، ولم تدعْ للحرمان إليه سبيلاً .
كان طفلاً نظيفاً، هادئ الطباع ، مرتباً في هندامه ، أنيقاً في ملبسه. ترعرع كغيره من أطفال الحي ممتلئاً بالحيوية، مولعاً باللعب مع أقرانه في باحات المنازل ، وساحات الحي الرحيبة. إلى أن تجاوز سن السادسة ، وهذا يعني أنه بلغ السن القانونية للإلتحاق بالمدرسة . وما إن طلعَ صباح أول يوم دراسي ، وأرسلت شمسُهُ أشعتها الذهبية تداعب أطراف الغيوم المتناثرة على امتداد الأفق، حتى حمل حقيبته وهرعَ إلى ذلك المبنى العتيق الذي يفتحُ أبوابَهُ كل عامٍ لاستقبالِ طلبةِ العلمِ الصغار وهناك استقبلَهُ أحد المعلمين وأدخلهُ فصلَه، وفي الفصلِ وجد عدداً من أقرانِهِ وآخرينَ لم يلتقِ بهم قبلاً. لاحقاً تعرَّفَ عليهم وألِفَهم مع مرورِ الوقتِ .
في نهاية أحد الأيام الدراسية، انصرفَ وأحدَ رفاقِهِ جنباً إلى جنبٍ، فصادف أن جاء رجل واصطحبَ رفيقَهُ. كان والدهُ ، أمسكَ بيدِهِ ومشى ، وبقيَ هو وحيداً يتلفتُ يمنةً ويسرةً. يبحثُ عن من يمسكُ بيدِهِ. انتظرَ فلم يأتِ أحد. هنا فقط شَعَرَ باليتمِ ، وأحسَّ بغيابِ الأب ، فهروَلَ إلى الدار، منكسراً، حزيناً، يجررُ أذيالَ الحسرةِ، مرتمياً في حضنِ أمِّه .
................ 2021 ................
................... .........................
ــ انتحار ــ
صحا على احتساء الخيبةِ أقداحاً ، فخيَّمَ على حياتِهِ ظلامٌ دامسٌ لازمَهُ طوالَ مسيرتِهِ المضنية في البحث عن وظيفةٍ تليقُ بمستواهُ وتفوقِهِ التعليمي ، أو فرصةِ عملٍ تحفظُ له كرامتَهُ وشرفَهُ .
كان طالباً مجتهداً مثابراً. استطاع أن يجتاز كل المراحل التعليمية بتفوق باهر. كان آخرها المرحلة الجامعية حيث تكللت بالتفوق مع مرتبة الشرف .
تلك السنوات الطوال العجاف التي قضاها في محاولة التغلب على شظف الحياة وكدر العيش، مازجاً مرارة الواقع بحلاوة الأحلام التي نسجها على مائدة الطموح العتيقة قبل أن يكتشف مؤخراً استحالتها إلى خيوط عنكبوت مهترئة.
نال جميع الشهادات بكفاءة واقتدار عاليين . جعلا منه أيقونة ومثالاً مرموقاً تشرئبُّ نحوَهُ الأعناق . إلا أنَّهُ عندما تقدم بها لنيل الدرجة الوظيفية المناسبة قوبلت بالرفض القاطع.
– لماذا ؟؟
– ..........
لم يكن يعلم أنها في عالم البشر البعيد عن المسؤولية والضمير والكفاءة لم تكن كافية أبداً. إذ لا بد من شهادات أخرى. مثلَ أن يبايع الرداءة ، ويعتنق الرياء ، ويظفر بشهادة الولاء والمحسوبية .
نام على أملٍ كبير ، لكنه استفاقَ على فاجعة أكبر بكثير .
لقد تبخرت آماله وطموحاته ليجد نفسه عالقاً في فخِّ الإحباط ، عاطلاً ، منفياً على قارعة البطالة الفظَّة. مما جعلَهُ يقررُ أن ينفي نفسَهُ من الوجودِ ، ليكونَ الحاضرُ شاهداً على ضياعِ الغدِ والمستقبل معاً بغيابِهِ المفاجئ .
.............. 2019 ..............
........................................
ــ مقارنة ــ
مُطرِقاً طأطأَ رأسَهُ نحو الأرض ، وسَبَّابَتَاهُ تعبثانِ بالترابِ، ترسمانِ على صفحةِ الرملِ خطوطاً طوليةً متباينةً ، وأخرى عرضيةً مائلةً ، ودوائرَ كثيرةً متشابكةً ، وأقواساً متقابلةً وأخرى متعكاسة، وأشكالاً مبهمةً متداخلةً في بعضِها البعض، في حالةِ شرودٍ رهيب .
مشهدٌ مثيرٌ استوقفَني عندما كنتُ أتسكعُ بين منازلِ القريةِ في ليلةٍ صائفة. هلالُها عانقَ المغيبَ مبكراً ، لكنَّ النجومَ التي تبدو لألاءةً. لا زالت تزركشُ السماءَ الصافية. وأنا أسيرُ، أترنمُ شعراً بصوتٍ لا يكادُ يسمعُهُ سواي :
يا غابةَ الليلِ قد هيّجْتِ ناياتي
وها أنا فيكِ صعّدْتُ الفراشاتِ
صعّدْتُها في جنونِ الليلِ باحثةً
عن كسرةِ الضوءِ في تلك المداراتِ
يا غابةَ الليلِ مدّي جبرَ أجنحتي
لا تتركي القلبَ مكسورَ الجناحاتِ
لا تتركيني وحيداً وسطَ محلكةٍ
فأنثني وجعاً ... أطوي معاناتي
عندها أثارَ انتباهي حديثٌ شيّقٌ يدورُ بين شيخٍ عجوزٍ وصبيٍّ في سنِّ العاشرة تقريباً. يجلسانِ أمامَ مصباحٍ صغيرٍ طاعنٍ في الضوءِ ، في مساحةٍ رمليةٍ تحتلُّ فناءِ منزلِهما الريفي البسيط المكوَّن من غرفتينِ ملتصقتينِ ببعضهما البعض، وإلى جوارهما خيمةٌ من قش ، اتخذت مأوى للأغنام .
استهوى سمعي الحديثُ الشيّقُ الذي ذكَّرَني كثيراً بجدّي عليه رحمَةُ الله ، وأحاديثِهِ الماتعة. وددتُ الإنضمامَ لمجلسِهما ، لكن خشيتُ أن تنقطعَ المتعة؛ فجلستُ على مقربةٍ أستمعُ بصمتٍ دون أن يشعرا بي .
كان فراس يصغي إلى جده - الحاج سعيد - فاغراً فاهُ في دهشةٍ وذهول ، وعيناه مسمرتان في وجه جده ذي التجاعيد البارزة التي تلخص سبعين عاماً من المعاناة، والتقلبات الزمنية المريرة .. وهو يسردُ في سلسلةٍ من الوقائعِ مقارنةً قاتلةً جدّاً بين الماضي القريبِ ، والحاضر المعاش ، قائلاً بعد آهةٍ مريرة كقذيفةٍ انطلقت من مدفع قلبِهِ ، تنثرُ شظايا الحسرةِ وتقذفُ حِمَمَ اللوعة على امتداد السنين القاحلة :
– ( آااااه يا بُنيَّ .. رعى الله أيام زمان ) .!!.
كان أحدُنا لا يشبعُ وجارُهُ جائعٌ ، ولا يدعُ صديقه ينوءُ بأثقال الحياة وحيداً، ولا يبيع أخاه بأي ظرفٍ ولا تحت أي طائل.
كانت الحياة بسيطةً لكنها جميلة. كانت حياة اجتماعية مائزة.
أما اليوم فالغلُّ، والحسد، والحقدُ ، والبغضاء ، ولؤمُ الطباع والأنانيةُ ، والقطيعةُ ، والكراهية، والظلم والإستعلاء.
كل واحد يعيش لذاته ، دون اكتراثٍ بسواهُ ، لا يكلفُ نفسه حتى بالسؤال عن جيرانه وأقرب الناس إليه.. يبحثُ فقط عن الثراء الفاحش ولو كان ذلك على حسابِ المطحونين فقراً ، المكدودين فاقةً. سيخونُ أصدقاءَهُ وشركاءَهُ، وسيبيعَُ أخاهُ، لا يهمُّ، ما دام الفيدُ مضموناً، فرَيعُ الجيوب أولى من رَيْعِ القلوب .
واقعٌ تعرَّى من القيم ، والمبادئ ، والأخلاق ، والنبل ، وكل الخصال الحميدة، واستعاضَ عنها بالمدنية الموغلة المتخمة بالأنا المفرطة حدَّ التقيؤ ، المبنية أساساً على المادة التي أقفرت عدا في تلك المساحة الممتدّة من قعرِ الخزانةِ إلى أغوارِ الكروشِ الناتئة .
هذا ما جعل ابن العاشرة يتسمرُ مكانَهُ ، هاجساً :
– حَقَّاً .. لقد تغير كل شيء ..
ونَدَّتْ منهُ آهةٌ طويلةٌ مكبوتةٌ. وفي بالِهِ تحْتشدُ أسئلةٌ كثيرةٌ، خلَّفَتْها المقارنةُ التي أرهقتْهُ ، وأثقلتْ فكرَهُ .
............... 2019 ...............
............... ...........................
ــ موت الحب ــ
– كيف الحب ؟!
– الحب مات !!
هكذا ردت باقتضاب على غير عادتها على سؤال رفيقاتها أولئك الفتيات الطافحات أنوثةً وفتنةً ، وهن يستعرضْنَ معاً مشاريعهنَّ الغرامية والعاطفية كالعادة ..
لقد صُدمْنَ حقاً بردِّها الغير متوقع .. فهي التي كانت تطارحهنَّ أحاديث الغرام .. وتضع بين أيديهن تجربتها الناجعة حد قولهنَّ ، حيث يعتبرنها الفتاة الأوفر حظاً في الحب بينهن ..
إنها "ميار" فتاة في العشرين من عمرها أحبت شاباً يدعى "ثامر" وهو يكبرها بخمسة أعوام.أحبته بصدق، وهوالآخر بادلها نفس الحب الصادق، ثم ما لبث أن تقدم لخطبتها التي تُوِّجت بالقبول والرضا ثم عقد القران ..
لقد بدأت هذه القصة فعلاً حينما التقيَا ذات فجأة واصطدمت نظراتهما ببعضٍ لتتحول إلى إعجاب ، ليستمرا بعد ذلك في ترصد بعضهما ليتبادلا نظرات الحب دون أن يبوح أيٌّ منهما بمشاعره للآخر. إلى أن استجمع ثامر شجاعتَه وقرر أن يفصحَ لها عن مكنون قلبه، فأخذ قصاصةً ورقيةً صغيرةً وكتب عليها العبارة: ( لم أكن أعرف ما الحبُّ؟ حتى رأيتُكِ..) عبارة واحدة فقط .. ويا لها من عبارة!.. لقد لخّصت كل مشاعره .. ثم طوى القصاصة ورماها في حين غفلةٍ من الناس إلى ميار التي غافلت الناس هي الأخرى والتقطتْها بحذر، وهرعت لتتوارى عن العيون. أخرجت القصاصة، فتحتها .. قرأتها.. لم تصدق عيونها .. عبارة واحدة لكنها شاملة.. صادقة.. وقاتلة في الوقت نفسه.. احتارت ميار بماذا ترد، وبعد تفكير أزمعت أن ترد بعبارة أكثر جرأةً ، فكتبت في خلف القصاصة ( أحبُّكَ أيها الحب ) ورمتها إليهِ ... ومن ذلك الحين أطلقت عليه اسم الحب في رسائلها إليه وفي أحاديثها عنه ..
ولكون ثامر ينتمي لأسرة بسيطة محدودة الدخل كان يحتاج مبلغاً من المال كافياً لتجهيز عش الزوجية ونفقات الزفاف لهذا قرر الإنضمام إلى جبهات القتال ليتحصل على مكافآت مالية نظير رباطه القتالي ليوفر المبلغ الكافي، لكن ميار كانت معترضة للفكرة برمتها ، فحاول إقناعها؛ مرةً بأنه لن يمكث طويلاً إذ فور حصوله على المبلغ سيعود ليَسعَدا ببعض ، ومرةً بأن كل الشباب يذهبون، وليس هو الأول، وبعد محاولات عديدة استطاع أخيراً إقناعها ، فذهب ، وفور وصوله انضم للمعسكر ، وأنهى فترة التدريب ليتم تحويله ضمن كتيبته إلى جبهة الحدود ، وبدأ يتواصل مع خطيبته ميار ليطمئنا على بعضهما ، وكان تواصلهما ببعضهما شبه يومي طيلة الشهور التي قضاها بالجبهة .
كان ثامر في تلك الشهور قد جمع مبلغاً مالياً كافياً فأخبر ميار أنه ينوي العودة خلال الأيام القليلة القادمة ؛ فابتهجت ، وكانت فرحتها لا تسعها الدنيا .. وأخيراً سيجتمع شمل الحبيبين المخلصين ..
مضى أسبوع كامل بعد آخر مكالمة بينهما، ظنت ميار أن ثامراً أو الحب كما يحلو لها أن تسميه هو الآن في رحلة العودة وأن تليفونه مغلق لدواعٍ أمنية كما يفعل الجميع أثناء عودتهم حيث يمرون بمحطات يهيمن عليها الخصوم .
كانت ميار العاشقة الوفية في غمرة من الحنين والأمل تجلس على شرفة الإنتظار سارحة .. تهجسُ ..
– سيصل قريباً.. لكن !.. يا ترى كيف أصبح اليوم؟ ، هل ما زال كما هو أم تغير؟ وهل ما زال نحيفاً رشيقاً أم أصبح بديناً؟؛ وهل شاربه أصبح كثيفاً أم هو كما هو؟، ولحيته هل يحلقها أم يطيلها؟، وأسئلة كثيرة تدور في بالها والتي تحاول من خلالها أن ترسم له صورة في مخيلتها .. فاستسلمت لأمر الواقع قائلة: كيفما كان، وبأي شكل أو هيئة يصل.. حسبي أنه الحب وكفى.. وفجأةً وهي غارقة في أحلامها تدنو منها أمها، تربت على كتفها،
– ابنتي .. لقد استشهد ..
– من ؟
– ثامر !!
– الحب ؟! لا .. لا هذا كذب .. مستحيل
لم تصدق، لم تستطع استيعاب الأمر لقد نزل عليها النبأ كالصاعقة.
– كيف يحدث هذا؟ مستحيل. قبل لحظات كنت أحاول تخيله، لم أكمل رسم صورته في مخيلتي بعد. أهكذا بكل بساطة ينتهي كل شيء؟ الأحلام..الأمل..الإنتظار..الترقب..كل شيء.. كل شيء في لحظة واحدة؟
تخدرت مكانها في ذهول وصمت رهيبين .. لم تنتحب ولم تذرف دمعة، ولو أنها بكت وذرفت الدموع لكان ارتاحت بعض الشيء، لكنّ حزنها كان أكبر من أن تذرفه دموعاً، لأن حزنها كان على الحب؛ الحب الذي مات ومات معه كل شيء ..
إنه الحب !! اللفظة التي أحيتْها فجأةً ذات يومٍ ثم ما لبثت أن قتلتْها بنفس الطريقة ..
بعد مرور أكثر من عام وفي 14 / 2 / 2020م تحديداً ..
كانت قد ظنت أنها لم تعد تذكر شيئاً، لكنها اكتشفت في الحقيقة أنها لم تنسَ شيئاً بالمطلق ، ما زالت تذكر كل شيء، كل شيء، من النظرة الأولى إلى النبأ الصاعقة .. إلى موت الحب .
.............. 2020 ..............
........................................
ــ المظلة السحرية ــ
في ذات صباح
حمل مظلته ذات اللون البني الغامق ، التي لم تفارقْه لحظة ، والتي عرف بها وعرفت به ، وكان له فيها مآرب جمة .. فهو يتقي بها حرَّ الشمس ، ويحتمي بها من البلل إذا بكت السماء وأفرغت دموعها ، ويتوكأ عليها حيناً ، ويهشُّ بها على أشيائه أحياناً أخرى ..
ينام وهي بجانبه كالسيف ، ويصحو وهي في يده كالعصا ، ويسير وهي معه كالخيمة المتنقلة ..
في إحدى الليالي الحالكة كان سائراً في مكان خالٍ .. في يمينه مظلته يتوكأ عليها ، وفي يساره مصباحٌ صغيرٌ طاعنٌ في الضوء، سمع قرع أقدام تقترب منه شيئاً فشيئاً ، تلتها حمحمة صوت مخيف كأنه صوت وحش ... وجَّهَ مصباحه صوب اتجاه الصوت فلمعت عينا الوحش على ضوء ِالمصباح الخافت عن كثب، فحمحم أخرى وتحرك استعداداً للإنقضاض عليه .. وبحركة تلقائية خاطفة ودون أدنى فكرة وجه حمدان مظلته صوب الوحش ؛ فانطلقت رصاصة اخترقت رأس الوحش وأصابته بمقتل ، أخذ حمدان يتلفت حوله يبحث عن مصدر الرصاصة ، صارخاً :
– من هناك ؟
انتظرَ قليلاً .. لم يجب أحد ..
– هل من أحد هناك ؟
انتظرَ أكثر .. لا أحد في المكان إلا هو والوحش الغارق في دمِه.
فمشى يجرر حيرته .. غير مستوعب لما حدث ، بل لا يعرف كيف حدث ؟ ،
آوى إلى فراشه فجافاه النوم من كثرة التفكير دون أن يهتدي إلى تفسير واضح ، وبعد ما تعب من التفكير ، وقد أوشك الليل أن يسحب بساطه، والفجر أن ينشر خيوطه الفضية، غفت عيناه فلم يستيقظ في الموعد ككل صباح ، ولم يوقظْه إلا اهتزازات متتالية تحت ذراعه مصدرها مظلته، فقام مصعوقاً.. مبتعداً عنها متوجساً من لمسها خيفةً .. وفجأةً خاطبتْه :
– خذني ولا تخف، أنا رفيقتك التي منذ أن ضممتني إليك وأنت تحميني وتحافظ عليَّ، ولم تتركني لعبث عابث، ولم تسمح لأحد سواك أن يمسني، وها أنا اليوم وكردٍّ لبعض الجميل .. لا أحميك من الحر ، والقر ، والقطر فحسب ، بل من كل شر يحوم حولك، أدري أنك الآن غير مستوعب ولا مصدق لما أقوله ، لكن دعني أثبت لك: أنا التي أطلقتُ الرصاصة التي قتلت الوحش البارحة حين وجهتني إليه ، وأنا التي أيقظتُك الآن حين استغرقتَ في النوم ولم تستيقظ في موعدك المعتاد. وأنا أيضاً أستطيع القيام بأشياء كثيرة لم تخطر لك ببالٍ ، فقط اطلب وأمر ..
هيا .. ( شبيك لبيك مظلتك بين يديك ) ..
– أأطلبُ أيَّ شيء ؟!
– نعم .. أيَّ شيء ..
– إذن .. أطلب منكِ أن تحميني من الموت ..
– أوووه!.. ليتني أستطيع.. إنه الشيء الوحيد الذي لا أستطيعه.
كان هذا الحوار قد أخذ من حمدان وقتاً كافياً لتأخيره عن موعده فنهض وارتدى ملابسه مسرعاً وأخذ مظلته وخرج من باب داره، ثم ضغط زر فتح المظلة ، ومشى بضع خطوات ..
– قالت المظلة : لقد تأخرتَ ؛ سأوصلك .. استعد ..
فحلقت به في الجو ، ولم تمر سوى بضع دقائق وإذا به يهبط في مقر عمله ..
إنها ليست عصا موسى ، ولا بساط علاء الدين ...
إنها مظلة حمدان السحرية ..
ـــــــــ 2019 ـــــــــ
......................................
ــ مؤامرة كونية ــ
في العام 2200م
هناك في وسط القارة الأفريقية كان يعيش رجل أعمال موهوب جداً. تدرج في سلم النجاحات التجارية إلى أن أصبح الملياردير الأول في العالم واسمه ماركوس ..
كان زملاؤه من رجال الأعمال يحسدونه ، ويتميزون غيظاً من نجاحاته. إلا أن الرجل كان خيّراً وكريماً ، فقد استطاع بأعماله الخيرية أن يكسب قلوب الجماهير في معظم أصقاع العالم حتى صار شخصاً مرموقاً ، وأصبح ناراً على علم ..
لقد فاقت شهرته أكبر الزعماء السياسيين، ورموز العالم ونجوم الطرب والسينما لدرجة أنه في أحد الأيام أقام مهرجاناً تزامن بالصدفة مع خطاب لزعيم عالمي فترك الجماهير خطاب الزعيم وذهبوا لحضور المهرجان مما أثار غيظ الساسة ليتحالفوا مع خصومه من رجال الأعمال كي يحيكوا مؤامرة ضده بدأوها بالتشويه عن طريق اتهامه بتهم لا أخلاقية من ضمنها أنه يدير أعمال دعارة ؛ حيث يقوم باستقدام الحسناوات من كل البلدان واستخدامهن لذات الغرض. ولم يكتفوا بذلك، بل استأجروا عدداً من الفتيات لتقديم شكاوى ضده يدّعين فيها أنه قام باغتصابهن لتتم بعد ذلك محاكمته ويحكم عليه بالنفي خارج الكوكب .
كان ماركوس قد أنشأ وكالة " مار " الفضائية على غرار وكالة " ناسا " التي كانت قد تجاوزت الأغراض الإستكشافية إلى الترفيهية آنذاك .
اختار ماركوس كوكب الزهرة ليكون منفى له ، فقصده ، وحالما استقر هناك قام بإنشاء مدينة ترفيهية واسعة مزودة بفنادق مهيأة بكل وسائل الراحة للنزلاء ، والزوار الذين يأتون للتنزه ، والسياحة .
أنشأ ماركوس أيضاً سلسلة من الفنادق على امتداد الكوكب لغرض الإستثمار وإنعاش السياحة مما أثار حفيظة الزهريين فدعت جيسيكا حاكمة الزهرة وزعيمة الزهريين إلى مؤتمر كوني تشاوري لمناقشة هذا التمدد الأرضي على الكوكب وإثبات أحقية السكان الاصليين في استثمار كوكبهم دون سواهم من القادمين من الكواكب الأخرى .
تقاطرت الوفود من جميع أنحاء المجرة تلبية للدعوة، حيث قدم وفد الزحليين يرأسهم جالو حاكم كوكب زحل ، ووفد المريخيين يرأسهم فاكو حاكم المريخ، ووفد المشتريين يرأسهم كاكي نائب حاكم المشتري ، ووفد العطارديين ترأسهم قورا حاكمة عطارد ، ووفد الأرضيين برئاسة جورجس الأمين العام للأمم الأرضية ، ثم تتابعت الوفود بعد ذلك حتى آخرهم .
انعقد المؤتمر على سطح الزهرة حيث افتتحته الزعيمة جيسيكا حاكمة الزهرة والكوكب المستضيف ...
– (السيدات والسادة زعماء وحكام الكون ، الوفود المشاركة في هذا المؤتمر، الحاضرون جميعاً ، أهلاً ومرحباً بكم ، وشكراً لكم على تلبية الدعوة ... أيها الاخوة الكرام إنني دعوتكم لعقد هذا المؤتمر الإستثنائي لمناقشة أمرٍ مهمٍّّ وطارئ؛ لنبحث معاً عن الحلول والتدابير واتخاذ الإجراءات اللازمة والقرارات الحاسمة مجتمعين ، حيث لا يجب أن نتخذ قرارنا دون اللجوء إليكم .. أيها السيدات والسادة لعله لا يخفى عليكم ما يقوم به إخوتنا الأرضيون من تمدد كبير ، وخطير ، ومتسارع على كوكبنا هذا وبعض الكواكب الأخرى .. وغير مستبعد أبداً أن يطال هذا التمدد كل الكواكب ، لذا يجب علينا وقبل فوات الأوان أن نتخذ قراراً حاسماً حيال الموضوع، ونضع بروتوكولات يتقيد بها جميع سكان الكواكب بما فيهم إخوتنا الأرضيون ، والآن وقبل أن نقرر؛ نود أن نتعرف على موقف إخوتنا الأرضيين في هذا الشأن .. فإلى سعادة الأمين العام للأمم الأرضية جورجس ):
– (الأخت رئيس المؤتمر، الاخوة حكام الكون، الحاضرون جميعاً أولاً : شكراً لكم على كرم الضيافة ، ثانياً : لقد استمعنا إلى كلمة سيادة رئيس المؤتمر وحاكمة الزهرة الأخت جيسيكا الموقرة ، ووفقاً لذلك نود أن نوضح لكم موقفنا نحن الأرضيين ، فنقول : إننا نشعر بآلامكم ونشعر بمسؤوليتنا أيضاً .. وإننا نلمس من كلامكم أنكم تتهموننا بأننا وراء هذا التمدد، والحقيقة أننا ضده.. قد يكون أشخاص أو بالأحرى شخص أرضي واحد وراء هذا الأمر ، لكن هذا لا يعني أن الأرضيين كلهم يوافقونه ، والدليل أن ما قبل تأريخ 2200م كانت كل الرحلات الفضائية التي يقوم بها الأرضيون هي رحلات علمية واستكشافية وترفيهية وتواصل بين الأمم الكونية وهي في حدود القوانين الكونية المتعارف عليها والمسموح بها ، لكن بعد هذا التأريخ وتحديداً بعد وصول الملياردير الأرضي ماركوس إلى كوكبكم بدأ أمر التمدد هذا. لكن الذي لا تعرفونه أيها الاخوة أن ماركوس هذا قد نفي من الأرض بفعل جرائمه التي ارتكبها بحق الأرضيين .. ولقد اختار كوكبكم هذا ليكون منفاه ، وإننا نعطيكم الحق كل الحق في أن تتصرفوا معه بما يناسبكم وسياساتكم ، ونشد على أيديكم .. وشكراً ..)
لقد كان جورجس أحد أركان المؤامرة الأرضية على ماركوس لهذا انتهز الفرصة أمام زعماء الكون ليوقع به هنا أيضاً ..
وبعد مناقشات، ومشاورات ، قرر المؤتمرون مصادرة كل الفنادق والمنشآت الأخرى التي تنتشر على امتداد الكوكب لصالح الحكومة الزهرية ، مع الإبقاء فقط على المدينة الترفيهية وما يجاورها من فنادق، وإصدار قانون جديد لا يسمح بإقامة أي منشأة لأي شخص على أي كوكب آخر إلا بمصادقة حكومة ذلك الكوكب .
عاد جورجس ووفده مغتاظاً بعد أن رأى حجم النشاطات التي يقوم بها ماركوس والتي توحي بعدم تأثره بعقوبة النفي فاجتمع برجال الأعمال والمسؤولين الضالعين في مؤامرة إخراج ماركوس من الأرض ، ليقرروا معاً إخراجه من الوجود كلياً هذه المرة.. ووضعوا خطة محكمة لذلك، حيث أغروا شريكه وصديقه السابق " توني " ليقوم بالمهمة والتي تتضمن ثلاث مراحل ..
المرحلة الأولى : يقوم توني بزيارة ودية لماركوس في محل إقامته على كوكب الزهرة :
– كيف حالك يا صديقي ؟
– بخير وعافية وسلام ..
– إنني في غاية الأسى لما حدث لك ..
– لا عليك يا صديقي .. فأنا هنا في أتم الراحة كما ترى ...
– أنا متأكد تماماً أنك بريء ومظلوم ..
– شكراً لك يا صديقي ... لا تدري كم أنا سعيد بزيارتك !!
– أنا الأسعد ..
– أتمنى أن تتكرر الزيارة مرات أخر ..
– سأحاول بالتأكيد .
المرحلة الثانية: يزور توني صديقه ماركوس للمرة الثانية ولكونه منفي ومحظور من ممارسة أي نشاط على الأرض وبأي شكل من الأشكال ، اقترح عليه توني أن يشركه معه في تجارته سراً دون أن يعرف أحد من الخصوم بذاك، وذلك كردٍّ لبعض جمائله .. كل هذا ليوهمه أنه بجانبه وفي صفه ، ليطمئن إليه فتتوطد ثقته به أكثر فأكثر .
المرحلة الثالثة : تم صنع قفازات بلون الجلد خصيصاً للمهمة وتم تحضير مادة فتاكة عندما تلامس الجلد تتغلغل عبر المسامات إلى جميع أجزاء الجسم دون الشعور بأي ألم سوى الشعور بنعاس يقود إلى نوم لا يقظة بعده .
يصل توني إلى الزهرة متأخراً ، يلبس القفازات ، ويمسح عليها بالمادة الفتاكة ثم يتوجه إلى حيث يقيم ماركوس الذي كان في استقباله ليصافحه بحرارة ، لكن توني قبل ذلك كان قد نسي فلامس أنفه بكفه دون شعور. وجلسا يتحدثان قليلاً ، فأحس توني بالنعاس أولاً ، ولاحظ ماركوس ذلك فنهض ...
– لقد تأخر الوقت، يبدو أنك بحاجة للراحة.. سأدعك الآن لترتاح وسنتحدث في وقت لاحق .. تصبح على خير ..
– تصبح على خير .
شعر ماركوس بالنعاس هو الآخر ، فذهب كل منهما إلى فراشه، ليخلد الإثنان إلى نومتهما الأبدية .
............... 2020 ................
............................................
ــ خيانة غير مقصودة ــ
كانت كلما وقفت أمام نفسها عاودتْها تلك اللحظاتُ المفعمة بالمرارة والأسى الفظيعين .
كان قدرها أن تعيش متخمةً بخيانةٍ حاكها لها القدرُ دون مشيئتها، ودون أن يكون لها ذنب فيها. ظلت الذكريات تجلدها بسياطها. وهي مستكينةٌ للآلام لا حول لها ولا قوة.
كان قد مضى على زواجها منه ثلاثة أعوام حينما اتسعت رقعة الحرب ، واقتضى واجب الدفاع عن الوطن أن يخوض ورفاقه المعمعة. كانت المواجهة على أشدها، وفي الثلث الأخير من إحدى الليالي حلّقت طائرة نوع ( F16 ) أمطرت موقعهم بوابلٍ من القنابل العنقودية حتى تحول إلى جحيم. قليلون هم من استطاعوا الخروج سالمين ، وكثيرون - وهو أحدهم - لم يعرف مصيرهم بعد. وما إن ساد الهدوء حتى هرع الجميعُ إلى الموقع ليجدوهم جثثاً متفحمة وأشلاء متناثرة .
وصل نبأ استشهاده إلى العائلة قبل أن يزفَّ إليهم أشلاءً في صندوقٍ ملفوفٍ بعلم الوطن في موكب جنائزي مهيب. صورُهُ تملأ الميدان ، وتلوّنُ جدرانَ المكان .
بعد أشهر من استشهاده قررت العائلتان تزويجها لأخيه الأصغر، فتزوجا ولم يكونا يعلمان ما تخبئ لهما الأقدار.
استمرت في هذه الزيجة عامين كاملين قبل أن تحل الفاجعة التي لم تكن في حسبانها قط : سمعت طرقاً على الباب وحين فتحت كان واقفاً أمامها من لم تتوقع رؤيته بتاتاً. من هذا الواقف ؟، ماذا تسميه الآن؟! أتدعوه زوجها أم أخا زوجها؟!. تسمرت فاغرةً فاها، شخصت عيناها، بهتت مشدوهة، شلت حركتها، تخشبت كعمود إنارةٍ في زاوية قصية من شارع مظلم، أو كقطعة خرسانية يضعها المرور لمنع عبور المارة من إحدى الأزقّة .
كانا ينظران أحدهما إلى الآخر ، هي انعقد لسانها من هول الموقف، وهو منذهل من هيئتها ووضعها الغريب، لكنه استطاع أن يتحرر من ذهوله قبلها فبادرها باستغراب ...
– هذا أنا سعيد .. ألم تتعرفي عليَّ بعدُ يا منى ؟
تبتلع ريقها ويدها على قلبها ، وتهرول إلى الداخل وهي تنتفض:
– وائل .. يا وائل ..
– نعم .. ما بك؟ ما الذي يفزعُك؟
– تعال .. انظر من بالباب ..
توجّه إلى الباب مباشرة ليجده على عتبة الباب وهو يهمُّ بالدخول، وقف قبالته واجماً مشدوهاً لبرهةٍ قبل أن يتمكن من سؤاله متلعثماً :
– ممممن أنت ؟
– أنا أخوك سعيد .. يا وائل !
– لكن أخي سعيد استشهد منذ سنوات ..
– استشهد؟! .. من قال ذلك ؟ وكيف؟ وهل رأيتم الجثة؟
– لا .. وصلتنا أشلاء قيل أنها أشلاء سعيد ..
– هذا غير معقول.. أنا جرحتُ وتم أسري جريحاً، واليوم أطلق سراحي في صفقة تبادل أسرى .. أنا أخوك سعيد، انظر إلي، ألا تعرف أخاك ؟
– بلى .. لكن عقلي يكاد يطير .. تفضل بالدخول .. تفضل .. دلف إلى الداخل، لا يدري ما الذي ينتظره ؟ لم يجد الحفاوة التي كان يتوقعها من أهله لعودته إليهم بعد غياب لأكثر من عامين ، بل بعد موت لعامين كما كانوا يعتقدون .
أبواه اكتفيا بالسلام عليه ببرود والإصغاء إليه وهو يروي قصته. أما وائل فقد طأطأ رأسه غارقاً في شرود فظيع. يتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعه .
أما الزوجة العالقة بين ميتٍ حي، وحيٍّ ودَّ لو يموت؛ لأن الموت أرحم من هول المشهد الغريب الذي أوقعه فيه القدر، فقد انزوت إلى حجرة أخرى متكورة على نفسها تبكي بحرقةٍ على حالها وما آلت إليه.
لم يكن هناك أي مظهر من مظاهر الفرح والإستبشار ، كل الذي رآه سعيد ليس سوى نظرات غرابة يكتنفها الغموض ، وملامح باهتة لم تستطع إخفاء السر، بل استثارت فضوله أكثر ليسأل :
– ما الأمر يا أبي؟ أراكم متغيرين كثيراً .. كأنكم تخفون شيئاً ..
– لقد تغير كل شيء يا ولدي وليس نحن فقط ..
– كيف ؟
– الحقيقة المرة يا ولدي أنه بعد تأكيد خبر استشهادك ودفنك لم نشكَّ قط في أمر وفاتك، لذلك تغير كل شيء على هذا الأساس .. حتى زوجتك زوجناها لأخيك ...
– الآن فهمتُ ..
غادر المنزل على الفور متحسراً، لا يلوي على شيء، فقد أحس أنه لم يعد ينتمي لهذا المكان، ولا المكان يتسعُ له؛ فهو بالنسبة لهم ميت، ذهبت ممتلكاته إلى غيره، وأما بالنسبة له فقد أصبح فائضاً على الحياة.
وثانيةً توجه إلى مواقع القتال ، يريد الموت لا سواه. اقتحم أحد مواقع العدو واستولى عليه بمفرده قبل أن يلحق به رفاقه، لكنه كان قد أصيب إصابة بالغة نقل على إثرها للمستشفى ليلقى ربه شهيداً قبل أن يصل .
ـــــــــــــ 2020 ــــــــــــ
.............................................
ــ خذلان ــ
مشى على طريق متشعب، ينهبُ المسافة، مستعيراً عزمَ التائهِ وبصيرةَ الهائمِ على وجهِه. غير هيابٍ ولا آبهٍ بما سيواجهُهُ من مجهول .
لم يكن على الدرب بمفردِه، بل شاركَه الدربَ آخرون يسيرون جوارَه. ما انفكَّ وخزُ ضجيجهم يلامسُ أطرافَ ذهنِهِ كلما حاول الإمساكَ بتلابيبِ أفكاره؛ فتفلت منه؛ فيقف واجماً متشبثاً ببقايا فكرةٍ شاردة. الكل يسير إلى هدفٍ ما، أو وجهةٍ هو موليها، إلا هو َلا هدف ، ولا وجهة له، كل همِّه أن يبتعدَ عنها فحسب .
كانت ابنة ربِّ عمله ذات القوام الرشيق، والمشاعر الرقيقة. حصلَ أن جمعَ بينهما الحبُّ. تناقشا في أمر الإرتباط وكان ذلك ممكناً، لكنه دأبَ على اختلاق الأسباب مؤجلاً يوماً بعد آخر، كما أتقنَ رصفَ الوعود على امتداد الثقة الكبيرة التي تكنُّها له .
كانا قد تعاهدا أن لا يتخليا عن بعضهما مهما كانت الظروف وأن يقهرا الصعاب في سبيل تحقيق أحلامهما التي بذراها معاً في حقل الحب .
أتتْهُ يوماً متحمسة، وقد نفدَ صبرُها، مزمعة في قرارة نفسها عدم قبول أي نوع من أحلامٍ مؤجلة أخرى بعد اليوم قائلةً :
– لقد تقدّمَ أحدُهم لخطبتي !
– ورفضتِ كالعادة ؟!
– وماذا تتوقع مني أن أفعل ؟!
– وسألوكِ عن أسباب الرفض كذلك !!
– بالتأكيد قد حصل !
_ واختلقتِ لهم عذراً ما !!
– لا .. لم أفعل !
– ولمَ ؟!
– لم أجد ! لقد استنفذتُ كل الأعذار قبلاً، حتى أنني تعبتُ .
– وماذا فعلتِ ؟
– أخبرتهم الحقيقة.. أخبرتهم عن علاقتنا ، وعن حبنا ، وأنني يستحيل أن أرتبط بغيرك ، أو أعيش بدونك .
– لا .. لم تفعلي. لا بد أنك تمزحينَ .
– بل فعلتُ .. وأقسم لك بكل ما تحب أنَّ هذا قد حدث .
– أجننتِ ؟؟
– لا .. بل تعبتُ ..
– وكيف كانت ردة الفعل ؟
– الكل تفهم الأمر.. إلا أنهم استغربوا عدم تقدمك لطلب يدي حتى الآن ، وشككوا في جدّيتك.
– وأنتِ ؟!
– أنا دافعتُ عنك ، وأخبرتُهم أنك مستعدٌّ لخطبتي مساء اليوم، ومهدتُ أمامك كل الصعاب، ولم يتبقَ سوى أن تخطو خطوتك، وتطرق الباب ، ولا عذر لك هذه المرة .
– لم أفهم.! كيف مهدتِ الصعاب ؟
– أخبرتُهم بأسباب تأخيرك فتكفل أبي بكل شيء. والآن دورك.. عليك مواجهة الأمر الواقع إذ لا خيار آخر .
– خيراً ...
وقبل حلول المساء تلفّعَ جبةَ الخذلان منسلخاً من كل وعودِه، وحملَ حقائبَ الهروب فقط تاركاً وراءَهُ كل أشيائه التي تربطُهُ بها. ترك حنطة الأمل ، وقمح الأحلام التي أوشكت – أو كادت– على الحصاد، والثقة المشنوقة على حبل الغسيل .
غادرَ إلى اللاعود حاملاً جذعَ خيانة ، وتركها وحيدةً مخذولةً تقفُ أمام جدار الوهم شاخصةً علَّها أن تحْدِثَ ثقباً فيه يتسللُ خلاله بصيصُ أمل. تركها بمفردها تواجهُ قدرَها، والواقعَ المكشّرَ عن نابِهِ، مصلوبةً على قارعةِ الوقت. كل يومٍ تقضمُ كسرةَ الندم، وتحتسي الخيبةَ قدَحينِ من الإنتظار .
ــــــــــــ 2020 ــــــــــــ
..................................................
ــ شرود ــ
بتلك الزاوية، على ذلك الكرسي الخشبي العتيق. في غرفة جدرانها الإسمنتية مهشمة الجوانب قليلاً. لها نافذتان خشبيتانِ متعاكستانِ ( إحداهما باتجاه شروق الشمس، والأخرى باتجاه غروبها )، وبابٌ حديدي صَدِأٌ ( باتجاه الجنوب )، أمامه على بُعْدِ ثلاثة أمتار شجرةُ سدرٍ بلا ظلال.
اعتدتُ المكوثَ بتلك الزاوية ( الواقعة على يسار الباب ). ألِفْتُها. فبها أرتاح نفسياً وجسدياً أكثر من أي مكان آخر. مشبعاً بالتشظّي حتى النخاع؛ النخاع المصاب بالشرود والذهول. أجلس مسترخياً واضعاً قدماً على الأخرى. تلك السمراء الجميلة الساخنة تتخذ مكانها على طاولتي الخشبية المستديرة. تقفُ بقوامها الممشوقِ قبالتي. تراودُني عن نفسِها :
– هيتَ لك!.
– أتناولُها. أرشفُ منها رشفةً ثم أضعُها مكانَها. أسرحُ طويلاً قبل ارتشافِ الرشفة التالية. خيوطُ دخانِها المتصاعد تخيطُ أفكاري. أحلِّقُ بعيداً في الشرودِ. أقلِّبُ أوراق الماضي. أهيمُ فيه وعينايَ ترقبُ أمواجَ الحاضر العاتية وهي ترغي وتزبد في بالِ أحلام اليقظة.
في أقلِّ من ثانيةٍ ..
وجدتُني أسبحُ في خيالٍ. أبحثُ عن موسمٍ ربيعيِّ الفرَح، فكلُّ ما عهدتُهُ قبلاً أنَّ جميعَ مواسمي صيفيةٌ عابسةُ السحنةِ : طرُقٌ كئيبةٌ، مبانٍ متجهمةٌ، عروشٌ خاويةٌ، أشجارٌ ذابلةٌ، قيعانٌ يابسةٌ، أوهامٌ فارغةٌ قاتلهٌ، ألبابٌ من شدَّةِ الهولِ ذاهلةٌ، قلوبٌ من كثرة الطَّرْقِ على كلِّ الأبوابِ منهكةٌ، أحلامٌ مشنوقةٌ بأسياخِ الغياب. كلُّ شيءٍ هناك بؤسٌ باذخٌ ..
وحدَها عاطفتي تحاولُ إطلاقَ سراحِ عصافيرِ ابتساماتٍ جذلى. تهدهدُني كطفلٍ كلما خيّمََ على روحيَ حزنٌ طاغٍ، أو أحكمَ قبضَتَهُ عليَّ فزَعٌ، أو هبطَ على صدريَ وجعٌ اضطراري.
بعدَ برهةٍ ..
توقفتُ. تلفتُّ حولي. أبحثُ يمنةً ويسرةً. لم أجدْ سوى ضحكاتٍ متشفيةٍ تخترقُ مسامعي .
......................................
......................................
ــ دَيْدَنٌ ــ
(( لكلِّ امرئٍ من دهرِهِ ما تعَوَّدا ))
المتنبي
مارسيليا صيف 2008م ..
أصبحتُ لا أطيقُ نفسي يا جاك ..
هل ترى هذه القصور والشركات والأموال التي لا أستطيع حصرها؟
– نعم، شارل .
– برغم ذلك أصبحتُ أمقتُ نفسي كثيراً. أكرهُها بشدة.
– ولِمَ ؟
– لأنني لم أستطع التخلص من عادتي القديمة .
كان شارل قد اعتاد اللصوصية منذ أن بدأ التسكع في شوارع مارسيليا؛ مذ كان يسرق الفطائر من فرن العجوز باتريس، والعصائر من كافتيريا مدام أنجيلا، والمشروبات الغازية من دكاكين المدينة، والنبيذ من بار (لا كارافيل)، أو (لو مارينغو) أو غيرها من البارات المنتشرة في الشوارع والمتنزهات، وشطائر اللحم المشوي من مطعم (لو غرين دي سيل)، أو (شيز فونفون Chez Fonfon) ، والكباب من مطعم (لو سوق Le Souk) ذي الطابع المغربي.
مع تقادم الأيام تطوَّرَ شارل في اللصوصية؛ فأصبح ينتشل بخفةٍ ومهارةٍ عاليةٍ كل محفظة تلوح لناظرَيهِ في جيوب المارة، أو تلك التي تتدلى على خواصرهم في الأماكن المزدحمة : كالحانات، ومحطات القطار، والأسواق، والحفلات،..الخ. لاحقاً اكتسب خبرةً وجرأةً أكثر فصار يسطو على المتاجر، والبنوك، والمصارف، ومحلات المجوهرات، وغيرها.
ورث شارل عن والديه ثروةً ماليةً لا بأسَ بها. نمّاها. اشترى عقارات. بنى قصوراً. شيَّدَ أبراجاً. أسس شركات كبيرة. أصبح مليارديراً. لكنه لم يستطع التخلص من عادتِهِ تلك.
يوماً شكى لصديقه جاك :
– إنني أملك ما تعلم من الأموال الطائلة يا جاك ، لكنني عندما أرى شيئاً يعجبني تمتد يدي إليه دون شعور. أفعل ذلك وأنا أستطيع شراءَ المئات منه. وبعد كل فعلة أعود لنفسي. أحتقرها. ألومُها. أوبِّخُها. فكيف يمكنني التخلص من هذه العادة؟، كيف؟؟
– لا أدري .. لكن .. ربما لديَّ حل !!
– ما هو؟! هاتِه ..
– أن تبتعد عن كل ما يدعوك للسرقة.
– وكيف؟؟
– أن تغادر الأرض !
– ماذا؟! أتريدني أن أموت؟
– لا، بل أن تنتقل من هذا الكوكب إلى الفضاء الخارجي فترة من الزمن. حيث لا تجد ما يدعوك للسرقة. وبذلك تتخلص من عادتك السيئة نهائياً. فقد قيل : « من مارس شيئاً أربعين يوماً، أصبح عادة». وكذلك من حبس نفسه عن شيءٍ أربعين يوماً، نسيَهُ.
سارَعَ شارل للحجز في أول رحلة فضائية ستنطلق. تلك الرحلة ستستغرق شهرين كاملين من وقت الإنطلاق إلى وقت العودة. كل فرد في الرحلة يجلب معه ما يكفيه طيلة هذه الفترة من المؤونة: الطعام والشراب ونحوه.
في أول يوم بالفضاء ..
فَقَدَ أحدُ أفراد الرحلة جزءاً من مؤونتِه.
في اليوم التالي ..
فَقَدَ آخرُ شرابَهُ المفضل.
في اليوم الثالث ..
فقَدَ ثالثٌ؛ وهو باحثٌ فلكي، كاميرتَهُ الخاصة.
في اليوم العاشر ..
فُقِدَتْ ساعةُ قائدِ الرحلة؛
فوراً قرَّرَ الطاقمُ العودةَ للأرض .
.....................................
ـــ 28 / 7 / 2021 ـــ
.....................................
...............................................
تمت ..
الكاتب
وضاح حاسر
...........................................
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق