رواية
قافلة الضياع
وضاح حاسر
[ همسة ]
قارئي العزيز ...
إن مأساة عائلة يُسْري - التي ستقرؤها بين دِفَّتَيْ هذا الكتاب - ما هي إلا واحدةٌ من تلك المآسي الكثيرة ، الفظيعة ، التي تتكررُ كل يومٍ مع كل موجةٍ من موجاتِ النزوح ، وفي كل منطقةٍ شهدت وتشهدُ حرباً ، بل هناك مآسٍ أكثرُ بشاعةً وفظاعةً ، وأثقلُ وطأة ، وأعمقُ ألماً وأثراً .
كما أنها تُسلِّطُ الضوءَ على قضيةٍ أخرى بالغة الحساسية ، تكشفُ عن وجهٍ آخر - لا يقلُّ بشاعةً - من وجوه الإستغلالية المقيتة لمعاناة وظروف النازحين التي يمارسُها الإستغلاليون الموسومون بموتِ الضمير ، ونضوبِ الإنسانية ، وجفاف الرحمةِ ، وانعدامِ المسؤولية.
إنها وليدة الواقع ، مستوحاة من الواقع ، نابعة من الوجدان ، كتبتها بقلبي قبل قلمي ، وها أنذا أضعها بين يديك علَّها أن تلامسَ شغاف قلبك.
وضاح حاسر
..............................
أرأيتَ قافلةَ الضّياع ؟ أما رأيتَ النازحين ؟
الحاملين على الكواهل من مجاعات السنين
آثام كل الخاطئين
النازفين بلا دماء
السائرين إلى وراء
كي يدفنوا هابيل و هو على الصليب ركام طين
قابيل أين أخوك ؟ أين أخوك ؟
جمّعت السماء
آمادَها
لتصيح كُوِّرت النجومُ إلى نداء
قابيلُ أين أخوك؟
يرقدُ في خيام اللاجئين .
بدر شاكر السياب
........................
[ بدءاً ]
أما قبل :
الحياة هنا - يا صاحبي - أصبحت لا تطاقُ ، جحيمٌ فائرٌ يلتهمُ السعادةَ ، والفرح. حوتٌ عظيمٌ فاغرٌ فاهُ على الدوام ، يتحيّنُ الفرصَ المواتية ، ليلتقمَ الإنسانَ المدحضَ نتيجة استهامِ الفجائعِ ، والإحتراب.
المدحضون - وكلنا مدحضٌ يا صاحبي - كثرٌ ، يملؤون ، أو يكادون ، بطنَ هذا الحوتِ العظيم ( المخيم ). لكنه حوتٌ ثابتٌ لا يتحرك ، وحدنا فقط - نحن الموتى على قيد الحياة - نتحركُ خلالَهُ بملل ، نتحركُ بوجَلٍ وحزنٍ كبيرين ، ندورُ حولَ ذواتِنا في حلقةٍ مفرغةٍ من الأسى ، لا نبارحُ أماكنَنا ، كما لو أننا مقيَّدون ، وفي الواقعِ نحنُ مقيَّدون فعلاً ، مقيَّدون بالتشظّي ، ومقيّدون بالجوعِ والحرمان أيضاً ، محاصرون بالألمِ ، محاصرون بالخوفِ الذي يحيط بنا من كل الجهاتِ ، متْرَعُون بالوجعِ حَدَّ التُّخْمة. أقدامُنا تتحركُ ، لم تنكسر بعدُ ، لكنَّ الذي انكسرَ هي خواطرُنا ، وقلوبُنا. ولم تُبْترْ سواعدُنا أيضاً ، إنّما بُتِرَت أحلامُنا ، وآمالُنا ، بُتِرَت وتحطمت على صخرةِ التيه والشتاتِ والغربة.
نحن مثقلون - يا صاحبي - بالوهم ، تقتلنا المساحاتُ الواسعةُ التي نزحفُ فيها وحدنا إلى النهاياتِ التي تركَها الوقتُ دون أن يضعَ آخرَها نقطةً ، إلى النهاياتِ التي نبقى نراوحُ فيها على الدوام.
صحيح أننا لم نمتْ بعدُ ، إذْ ما زلنا على قيدِ الحياةِ نتنفسُ بضيقٍ أكسجينَ الفقدِ من ثُقْب إبرةٍ صدِئة ، لكننا في كل يومٍ يجيءُ علينا نذوقُ الموتَ مرَّاتٍ ، كل يومٍ يموتُ بعضنا ، يموتُ جزءٌ منا ، نموتُ بالتقسيطِ ، لا نموتُ دفعةً واحدةً كما نشتهي ، أو كما اعتادَ الموت وهو يوزِّعُ أشغالَهُ بالثواني على عالمِه .
إنه الموتُ ، ذلك الكائنُ اللامرئي المفترسُ ، الذي يقفُ لكل حيٍّ بالمرصادِ ، يأتي عليهم واحداً واحداً ، دون أن يأخذ إذناً من أحد ، يلتهمُ أرواحَهم اللامرئية هي الأخرى ويبقيهم جثثاً هامدةً تساقُ إلى المقابر جماعاتٍ وأفراداً .
نحن هنا - يا صاحبي - في سجنٍ اضطراري ، لا نزالُ في بطن الحوت/ المخيم ، لا ندري متى سينبذُنا هذا الأخير بالعراءِ أحراراً غير مذمومين ، متحررين من الأغلالِ والسلاسل التي التفَّتْ حولنا ذاتَ حربِ شعواءَ جاءتنا على قدَرٍ.
أحياناً نكونُ بحاجةٍ لشخصٍ أو أشخاصٍ نبوحُ لهم بأطنانِ الهمِّ التي تتعفنُ في دواخلنا حدَّ الضياع ، حدَّ الفوضى والجنون ، لكننا في ذاتِ الوقتِ نقبرُ حزنَنا كي لا نبدو مثيرينَ للشفقةِ ، رغم حاجةِ أرواحِنا لعابرِ طبطبةٍ يربتُ على كتفِها .
تجتاحُنا رغبةٌ عارمةٌ للعودةِ إلى منازلنا ، إلى حيث كانت أرواحُنا ترفرفُ سعيدةً. تخفقُ قلوبُنا شوقاً إلى المكانِ الذي احتضنَ طفولتَنا ، المكان الذي نشأنا وترعرعنا فيه ، المكان الذي عجنَّا ترابَهُ بعروقِنا وماءِ قلوبِنا وحبِّنا ، المكان الذي خالطَ حبُّهُ بشاشةَ أرواحِنا مُذْ كنا صغاراً نتقافزُ بهجةً بعدَ كلِّ غيثٍ ماطرٍ يغمرُ الأرضَ بالبلل ، نجعلُ من طينِهِ المبتلِّ رسوماً وتماثيلَ وبيوتاً لأحلامِنا العالقة بين جدرانِ المشيئة.
•••
العالَمُ اليومَ - يا صاحبي - عالَمٌ نتنٌ ، عالَمٌ مريضٌ ، عالمٌ جشِعٌ ، نزِقٌ ، يقتاتُ من دم بعضِهِ دونَ اكتراثٍ ، أو شعورٍ بالذنبِ. عالَمٌ موسومٌ بتصحّرِ الوازع ، ومثلوجيةِ الضميرِ ، وإنسانيةٍ تعرَّضت بشدةٍ لعواملِ التعرية.
العالَمُ اليومَ تحكمُهُ شريعةُ الغابِ وقانونُها ، القويُّ فيهِ يأكلُ الضعيفَ ، والغنيُّ يأكلُ الفقير ، والكبيرُ يأكلُ الصغير. العالَمُ اليومَ أصبحَ غابةً كبيرةً يا صاحبي ، غابةً كبيرةً متراميةَ الأطراف.
إنه عالَمٌ موبوءٌ في أخلاقِهِ ، موبوءٌ في تصرفاتِهِ ، موبوءٌ في عدالتِهِ ، يكيلُ بمكيالينِ في كل شأنٍ أو قضية. تراهُ ينحازُ للمظلومِ ، وفي ذاتِ اللحظةِ يقفُ هو والظالم حذوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ على رأسِ المظلوم. يدَّعي أنه سندٌ للضعيفِ ، وفي الوقتِ نفسِه تجدُهُ يساندُ القويَّ بكل فجاجةٍ ، إنه عالَمٌ منافق شديدُ النفاق.
إننا في هذا العالَمِ الكبير المتقدم صناعياً وتقنياً وتكنولوجياً ، لا زلنا نفتشُ عن الإنسان ، ونفتشُ في الإنسانِ عن إنسانيةِ الإنسانِ. نبحثُ عن الرحمة التي تمسحُ بشاعةَ قابيل في ضلوعِ الآدميّةِ. نبحثُ عن سلامٍ يغسلُ غبارَ الحربِ العالقَ فوق جبينِ اللحظة. نبحثُ عن نسيانٍ ينتشلُنا من مستنقعِ المأساةِ الذي انغمسنا فيهِ راغمين ، لا راغبين. نبحثُ عن جذوةِ فرحٍ تصهَرُ هذا الحزنَ المتصلِّبَ في عروقِ المشاعر. نبحثُ عن ترياقٍ ناجعٍ يطفئُ هذا الوجعَ الثقيلَ المنبعجَ من خاصرةِ الأمّة. نبحثُ عن أي شيءٍ يمكنُهُ كسر هذه الرتابةِ ، وهذا الروتين والمللِ الفظيعين.
لم يعد بمقدورنا - يا صاحبي - أن نتوجعَ ، أو أن نتكلمَ ، أو أن نصيحَ ، أو أن نعترض ونحن نتأرجحُ في دوامة الحياة المملةِ كأننا نعيشُ روتيناً واحداً ممتدّاً ، يوماً واحداً طويلاً منذ أعوامٍ نعجزُ عن التحكّمِ بِهِ ، أو التأثير فيه ، أو تغيير نمطيتِه الثقيلة القاتلة.
••••
.......................
أما بعد :
العقدُ الثاني من القرنِ الواحدِ والعشرين عقدُ الروعِ والضياع ، عقدُ الخوفِ والقهر. أيامٌ ثقيلةُ الوطأةِ بما تحملُهُ من فجائع ، وما تحملُهُ من معاناةٍ ، وما تحملُهُ من أوجاعٍ من العيار الثقيل. حالٌ مريرٌ حلَّ على هذه القرى الريفية العديدة ، بعدما كانت تتكئ على الجبال في سكينةٍ لعقودٍ من الزمن ، أصبحت اليوم مهرجاناً مختلطاً من الفوضى والضجيج. يتسابقُ الناسُ مهرولين إلى الجهاتِ جميعها ، بعدما كانوا في قُراهم لا يبارحون منازلَهم. النساءُ والأطفالُ والشيوخ يتأبطون الرحيلَ ، وصُرَرَ الثياب ، والعُرْيَ أيضاً ، يركضون إلى سفوح الجبال والسهول البعيدة ، ضاقت بهم - لكثرتهم - الدروب على اتساعها. ترى صفوفهم اللانهائية مثل النمل حين تدبُّ في العراء ، يصعدون الهضاب ، ويهبطون الأودية ، ويتسلقون السفوح الوعِرة ، يريدون العبور لأبعد نقطةٍ ممكنةٍ في المجهول. يبحثون عن أمانٍ يرمِّمُ ما هشَّمَ الخوفُ من سكينةٍ في أضلاعِهم ، وسلامٍ يُرَتِّقُ ما فَتَّقَتْهُ الحروبُ من أواصرَ وعلاقاتٍ ، وما باعدَتْ من قراباتٍ ، وشتّتت من اجتماعٍ وألفة.
لا أدري لماذا اخترتُ النمل دون سواه ؟، ربما لأنني لا زلتُ أستحضر قصته وأشعر بالشبهِ والتحطم من الداخل كلما داس علينا تجار الحروب ، التحطم الذي يصيبنا كل يوم بالتعاسة والإنكسار دون أن يشعر أحد بنا.
••••
القسم الأول :
(( رحلة النزوح ))
" تترك وطنك فقط .. حين لا يترك لك مجال للبقاء "
- ورسان شاير
•••
(( دخلنا دوامة الأهوال. ها نحن شعوبٌ معلقةٌ إلى أبوابِ القاطرات. ما عاد همّنا إنقاذ الوطن ، كلٌّ منا يريد إنقاذ نفسِه ، الكلُّ يركضُ للحاقِ بفرصتِه الأخيرة ، فقطار الهروب من الجحيم لا ينتظر ))
- أحلام مستغانمي
ــ 1 ــ
على السفح الشرقي لأحد الجبال الريفية الشاهقة ، تربض القرية (ج) ، ذات المنازلِ الكثيرة المنتشرةِ على امتدادِ رقعتِها في غيرِ انتظام. في وسطِ القريةِ يتموضعُ بيتٌ قديمٌ يتميزُ بطابعه المعماري الشعبي الأصيل ، مكوّنٌ من طابقٍ واحدٍ يحوي عدداً من الغرف ( أربع غرف ، تفصل بينهنَّ على امتداد البيت صالةٌ ليست بالعريضة ، بحيث جعلت كل غرفتين ومرفقاتهما على حِدَة ).
الحرب في القرى المجاورة كانت حامية الوطيس ، بل كانت في أشدِّ حالات الإحتدام ، أصوات الإنفجارات تدوي بقوة ، تهتز لها البيوتُ الحديثةُ ، أما القديمةُ فتمطرُ ساكنيها بزخّاتٍ من الحصى والغبار. تلك الحرب المجنونة المسعورة تسير بخطى حثيثة لا يقرُّ لها قرار ، ولا تتوقفُ عند حدٍّ ، لا تدعُ بيتَ مدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا دخلتْهُ. تجعلُ كل قريةٍ أتت عليها كالجحيم ، لا تبقي على شيءٍ فيها ولا تذر. تلك الحرب الملعونة قد لطّخت كل شيء بقبحها غير المحدود.
في محيطِ البيت أصوات كثيرة متداخلة : صراخ ، وعويل ، وهلع شديد.
شغف الطفلة التي كانت قد دخلت مع مطلع العام ( 2019 ) عامها الثالث عشر. وهي فتاةٌ ذاتُ وجهٍ دائريٍّ ، وعينين عسليتين. أما شعرُها فأسودُ كالليل ، ناعمٌ كالحرير ، كثيفٌ كضبابِ الصباح الضارب في الرسوخ، طويلٌ نسبيّاً - بالنظر إلى سنِّها -، إذ يصل إلى منتصف ظهرها ، يتدلى خلفها بانسياب كذيل الحصان. أما قامتُها فتبدو نحيفةً إلى حدٍّ ما ، إلا أنها لم تكن هزيلة.
أطلَّت بعد سماع الضجة ، من باب البيت الموارب ، تنظر إلى الخارج ، تجول عيناها في كل اتجاه باحثة عن مصدر الضجيج ، وأسباب الفوضى والضوضاء العارمة التي وصلت حِدّةُ هيجانها إلى مسمعها وهي في عقر الدار.
ثمة صوت جهوري يهتف محذراً :
– « يا أهالي قرية (ج) ، الحرب تزحف إليكم .. اخلوا القرية »
- صوت : « ماذا يقول ؟»
- صوت آخر : « يقول : الحرب تزحف إلى قريتنا !! »
ثم يعاود الهتاف ثانية بنبرة أكثر صرامة :
– « يا أهالي قرية (ج)، لا مقام لكم فانزحوا ، اخرجوا النساء والأطفال والشيوخ .. اخرجوا جميعاً ..»
- صوت : « إذن .. فلنهرب .. فلننزح »
- صوت آخر : « ولنخرج النساء والأطفال والشيوخ »
– ثم يهتف في المرة الثالثة : « يا أهالي قرية (ج)، الهروبَ الهروبَ .. السماء تمطر لهباً ، والأرض تقذف ناراً ».
- أصوات : « هيا بسرعة .. هيا .. هيا .. »
جرى كل هذا على مرأى ومسمع شغف وهي تقلب ناظريها في سكان القرية وهم يهرولون داخلين بيوتهم أو خارجين منها وقد أحدث الهتاف فيهم جلبة كبيرة. كانت تصغي في عدم استيعاب واضح ، فهي قد سمعت عن الحرب ، لكنها لم تكن عاينتها ، أو عايشتها عن كثب. أما النزوح ، فهي لأول مرةٍ تلتقطُ أذُناها هذه الكلمة أصلاً ، لأول مرة تمر عليها تلك المفردة القاتلة ، فمن الطبيعي جداً أن لا تكون تعرف كُنْهَها ، أو تعلمُ فحواها ، أو ما يقصد منها. لا تدري أنها تعني أن تغادر هائمةً على وجهها ، تاركةً كل شيء خلف ظهرها : القلب ، الروح ، البيت ، المال ، السكينة ، الراحة ، الطمأنينة ، الذكريات ، العواطف ، وكل شيء يخصها ، كل شيء دون استثناء. حاملةً معها : الوجع ، الفقد ، الجرح ، الخوف ، القلق ، القهر ، الحرمان ، التشظي ، الغربة ، الحزن ، والدموع.
استدارت شغف عائدة إلى الداخل مسرعة ، تتملكها الدهشة والإضطراب مما رأت وسمعت ، وراحت لائذةً بملاذها الآمن ( أمها زكية )، وهي تنادي :
– أماه .. أماه ..
كانت الأم زكية منهمكة مع ماكينة الخياطة خاصتها ، حيث غطى الصوت الصادر منها على الأصوات الأخرى؛ فلم تبلغ مسمعها الضوضاء القادمة من الخارج ، ولم تسمع أيضاً نداء شغف .. فكررت شغف النداء ثانيةً وهي تقترب من غرفتها :
– أماه .. أماه ..
رفعت الأم زكية رأسها ، وصوبت عينيها ناحية الباب ، وردت :
– نعم .. نعم .. ما بك يا ابنتي ؟
قالت شغف وهي ترتعد :
– أماه .. سمعت منادياً يقول : إن الحرب تزحف إلينا ، ويطلب من أهل القرية النزوح فوراً ، وإخلاء القرية ..
ثم أردفت :
– ورأيت الجميع يهرعون إلى بيوتهم ، ثم يخرجون متجهين ناحية الشمال. حتى جارتنا أم شيرين رأيتها تخرج هي وشيرين والجدة العجوز.
قالت الأم زكية مندهشة :
– ماذا تقولين ؟! ، أأنت متأكدة ؟!
قالت شغف :
– نعم .. متأكدة. وإذا لم تصدقي ، تعالي؛ لتري بنفسك .
تطل الأم زكية الخمسينية من نافذة الغرفة ، تحملق في أهالي القرية وهم يجوبون الساحات في حركة غير اعتيادية ، يلِجُونَ بيوتهم ، ثم يخرجون إلى الطرقات صغاراً وكباراً مع مواشيهم وما تيسر من أمتعة ، فتقول في سرها وقد تلبَّد وجهها بغيوم الرهبة :
– هذا صحيح !!
تتسارع دقات قلبها ، تدبُّ قشعريرةٌ رهيبة تنتشر في كامل بدنِها كجيشٍ من البراغيث ، تشعر بالقلق والخوف والتوتر ، ولماذا ؟، لأنها تعرف ماذا تعني الحرب ؟، وماذا يعني اقترابُها المكاني ؟. إنها تعني فاجعة كبرى ، تعني نتيجة حتمية لا مناص منها ، تعني أن يظهر ذلك الشبح المخيف واضحاً للعيان ، الظاهرة التي تفرزها الحروبُ دائماً ، ظاهرة النزوح ، تلك المفردة الشبح التي تهدد بكسر الأواصر ، وتحطيم الروابط الإجتماعية ، واجتثاث العواطف المكانية أي إنهاء علاقة الإنسان بالمكان.
فالنزوح كما يعرفه الباحثون : ( هو حركة الفرد أو المجموعة من مكان إلى آخر داخل حدود الدولة ، ويتم النزوح رغماً عن إرادة النازح بسبب مؤثر خارجي مهدد للحياة : كالمجاعة ، أو الحرب ، أو الجفاف والتصحر ، أو أي كوارث أخرى تدفع النازح إلى مغادرة موقعه والتوجه إلى موقع آخر؛ طمعاً في الخلاص من تلك الظروف ).
وكذلك يعرف النازحون وفقاً لتعريف المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة : ( بأنهم الأشخاص ، أو مجموعة من الأشخاص الذين أجبروا ، أو اضطروا على الفرار ، أو ترك ديارهم ، أو أماكن إقامتهم المعتادة فجأةً؛ بسبب صراع مسلح ، أو نزاع داخلي ، أو انتهاكات لحقوق الإنسان ، أو كوارث طبيعية أو من صنع الإنسان ، والذين لم يعبروا حدود الدولة المعترف بها دولياً ).
والنزوح هو مرادف الإزاحة في علم الفيزياء والتي تعني : ( انتقال الجسم من نقطة إلى أخرى بفعل الحركة ). وأضيف : وهو مرادف الشبح أيضاً. فكما أن الأشباح رؤيتها تثير الخوف والرعب ، فكذلك النزوح يثير حضوره الفزع والذعر ، لأنه ينذر بانفصال الشخص عن كل ما يربطه بالمكان : أرضاً وإنساناً ، طيناً وهواءً ومأوى ، مشاعر وذاكرة.
استشعرت الأم زكية هذا الأمر ، وأحست بحجم الخطر المحدق ، وفداحة ما ينتظر سكان القرية من عناء ومشقة ، فازدردت ريقها ، وعادت مسرعة إلى الداخل ، وفوراً طلبت من شغف التوجه إلى شقة أخيها يسري؛ لإعلام زوجته دنيا كي تتجهز للخروج ، بينما انهمكت هي في لملمة ما أمكن من يسيرِ الأمتعة.
هرولُت شغف ناحية شقة دنيا. وقفت لبرهةٍ قبالة الباب ، قبل أن تقوم بطرقه بعنف عدة طرقات متتالية ، أقل ما يمكنُ وصفها بِهِ ، أنها طرقات مثيرة للفزع :
– دق دق دق دق ..
قالت دنيا وهي تهرع نحو الباب :
– نعم .. نعم .. من ؟
ردت شغف :
– أنا شغف ، افتحي بسرعة ..
فتحت دنيا الباب فزعةً ، وجسمها كله يرتجف قائلة :
– شغف .. ما وراءك ؟ قولي ، ما بك ؟
فقالت شغف :
– لقد بعثتْني إليك أمي تطلب منك : أن تلبسي ، وتأخذي طفلك ، وتأتي في الحال .. سننزح !!..
ثم مشت مسرعة دون إبداء أي تفسير ، أو ترك مجالٍ لدنيا لتتمكن من استيعاب ما قالت ، مما أدخلها في دوامة من الحيرة والقلق والمفاجأة وعدم الفهم. بقيت دنيا مبهوتةً عاجزة عن النطق للحظات قبل أن تفتح شفتيها مستدركةً :
– ماذا ؟!
لكن كانت شغف قد غادرت المكان ، فشمرت عن ساقها ، وتبعتها مسرعة إلى الأم زكية؛ لتتبين ماهية الخبر ، قالت :
– عمّتاه .. ماذا تقول شغف ؟
قالت الأم زكية :
– إلبسي ، وخذي طفلك وهيا لنخرج في الحال ، الحرب في أطراف القرية ..
قالت دنيا :
– لكن يسري لم يعد ..
قالت الأم زكية :
– سنتصل به ليلاقينا عند مدخل القرية الشمالي .. أسرعي يا ابنتي .. لا وقتَ لدينا ..
انطلقت دنيا إلى غرفتها ، لبست عباءتها ، وعادت حاملة طفلها الذي لم يبلغ الأربعين نهاراً.
كانت الأم زكية وشغف بانتظارها في كامل الجهوزية والإستعداد ، ليخرجْنَ معاً من البيت ، في موكبٍ منكسر ، مقهور ، وحزينٍ .
تغادر ثلاثتهنَّ البيت ، المكان الذي آواهُنَّ ، البيت الذي نشأنَ فيه ، وترعرعْنَ فيه ، وتفيأنَ ظلاله الوارفة ، واستنشقْنَ أكسجينه الدافئ بغبطة. البيت الذي لم يسبق لهن أن فارقْنَهُ ، أو حدَّثْنَ ذواتهنَّ بمغادرتِهِ يوماً. ها هن الآن مجبراتٍ يغادرْنَهُ دون أن يفكرْنَ ، أو يتأهبْنَ ، أو يخططْنَ لذلك. يغادرْنَهُ إلى العراء ، إلى المجهول ، تاركاتٍ وراءهنَّ كل الذكريات الجميلة التي ربطتهنَّ به على امتداد الزمن.
ترى ثلاثتهن يمشينَ بخطى متثاقلة ، كأن عاطفةً ما ، تفعل بهن كما يفعل المغناطيس بالحديد ، تجذبهنَّ ، تمسك بهنَّ ، تجرهن للخلف ، تثبط اندفاعتهن المجهولة ، كلما مشينَ بضع خطوات ، تلفَّتْنَ إليه كأنما يلقينَ عليه نظرات الوداع الأخيرة ، وللدمع على خدودهنَّ ألفُ حكايةٍ وحكاية.
••••
ــ 2 ــ
.
(( في الطريق إلى خارج القرية ))
الطريق الرئيس الممتد من وسط القرية إلى طرفها الشمالي طريقٌ كئيبٌ. الطريق الذي حملَ خطواتهن المتسارعة مارَّاتٍ من أمام المنازل المنتشرةِ على الجانبين ، وأغلبُ تلك المنازل أحادية أو ثنائية الغرف ، والقليل منها رباعية.
القرية في حدِّ ذاتها كئيبة ، وقد أصبحت تُرى خاويةً على عروشها بعدما كانت آهلةً بالسكان ، خاليةً من كل شيء يشعرك بالوجود الإنساني المألوف عدا من بعض الأمتعة والأشياء التي لم يسمح الوقتُ بحملها أو اصطحابها.
لقد أصبحت غريبةً بالفعل ، مشاهد غير مألوفة من قبل ، كأنها قريةٌ أخرى في مكانٍ ناءٍ بأقصى العالم ، لم تعد تلك التي كانت تعُجُّ بالحياة ، وتنبضُ بالألفة. أصبحت حزينةً ، مخيفةً ، تنذرُ بوجعٍ كبيرٍ قادم. لا شيء يبعثُ على التفاؤل ، ولا شيء يدعو للأمل في البقاء .
في الطريقِ ، وأثناء ذلك المسير المحفوفِ بالخوفِ والحزنِ والقهر والإنكسار إلى مصيرٍ مجهول لم تتضحْ معالمُهُ بعْد. كانت الأمُّ زكية تسيرُ في المقدمة بخطى عجولة ، لم تستطع الفتياتُ الأصغر سِنّاً مجاراتِها ، بالرغمِ من سنِّها الذي جاوزَ الخمسينَ ربيعاً ، وجسمِها المكتنزِ الممتلئِ إلى حدٍّ ما ، وجسدِها المنهكِ أصلاً من تتابعِ النكباتِ والملمّاتِ ، وتراكمِ المآسي والمواجعِ والأحزان على امتدادِ السنين القاحلة. كانت تسيرُ مسافةً مبتعدةً عنهنَّ ثم تتوقفُ حتى يدركنْها ، وهكذا .
تخرج الأمُّ زكية هاتفها النقال لتجري اتصالاً بيسري أكبر أبنائها الأحياء ، بل هو الإبن الوحيد الذي لا يزال على قيد الحياة ، رجل البيت ، والمعيل الوحيد للعائلة ..
– ألوو ..
كان يسري على الطرف الآخر ، فأجاب :
– نعم .. يا أماه
قالت :
– أين أنت يا ولدي ؟
فقال :
– أنا خارج من السوق ..
في هذه الأثناء سقطت قذيفة هاون وسط القرية ، على بُعد أمتار من الطريق التي تسير عليها عائلة يسري .. وصل صوت الإنفجار إلى مسمع يسري من خلال سماعة الهاتف ، فقال :
– أماه .. ما هذا ؟ أماه ....
قالت :
– هذا انفجار من القرية ، الحرب وصلت ، نحن في طريقنا للخروج ..
فقال باستغراب :
– للخروج ؟!.. إلى أين ؟!
قالت :
– لا أدري !..
سحبت نفساً عميقاً ، ثم أردفت :
– إلى أي مكان آمن .. إلى حيث يذهب أهل القرية ..
قال :
– ودنيا .. و .......
فقاطعته قائلة :
– دنيا وطفلها معنا .. لا تقلق .. انتظرنا عند مدخل القرية الشمالي ولا تحاول الدخول للقرية .. أسمعتَ يا ولدي ؟.
أجاب بإذعان :
– سمعتُ .. سمعتُ ..
فقالت وهي تهم بالضغط على زر إنهاء المهاتفة :
– الله يحفظك يا ولدي ..
كان دوي الإنفجارات والأعيرة النارية يزداد مع مرور الوقت ، ويقترب أكثر ، فأكثر. شغف تولول كلما اشتدت وتيرة أصواتِ الإنفجارات. الطفل يبكي ، دنيا تحاول جاهدة إسكاته ..
قالت دنيا وهي لا زالت تهدهد الطفل :
– الإنفجارات تقترب يا عمّتي ..
قالت الأم زكية وهي تتلفت :
– هيا بناتي أسرعنَ أكثر ، لنخرج من القرية قبل أن يصلوا .. هيا .. هيا ..
••••
ــ 3 ــ
.
(( مدخل القرية الشمالي ))
كان يسري قد ذهب إلى السوق صباحاً كعادته معظم الأيام ، وهي عادة دَرَجَ عليها أهل القرية والقرى المجاورة أيضاً ، حيث يذهبون ليبتاعوا ما يحتاجونه من حاجيات ومستلزمات المعيشة لأسرهم. كان يسري في طريق العودة ، خارجاً من السوق ، حينما جاءه اتصال والدته ، لذلك أسرع الخطى؛ ليصل عند مدخل القرية الشمالي أولاً ، وعملاً بتوصيات أمه؛ توقف هناك. وإذا به يسمع دوي الإنفجارات وقد وصلت إلى ذروتها ، ويرى دخانها الكثيف يتصاعد في السماء دليلاً على حجم الكارثة التي تقع الآن ، ليصبح صدر القرية ضيقاً حرَجاً ، فيضيق صدره اختناقاً بحزنه وألمه هو الآخر. لكن هذا الحزن والألم لم يجعله ينسى عائلته ، همه الأكبر، وشغله الشاغل في كل وقت ، وأشد ما يكون في هذا الوقت الإستثنائي. يحدث نفسه متسائلاً: أينهم ؟، ما هو مصيرهم الآن ؟، هل استطاعوا الخروج ، واجتياز الخطر ؟، أم لا ؟.
إنه اختبار. ويا له من اختبار صعب !!.
أخذ يشوِّطُ المكان جيئةً وذهاباً ، يتطلع بتوتر وقلق. عيناه متسمرتان في الطريق الخارج من القرية. بعد برهةٍ من الإنتظار التي مرّت عليه كساعاتٍ ، بل كأيام ، رأى عائلته قادمة ، تسير بخطى متهالكة ، قد أنهكها الهم ، والتعب ، والقهر ، والفزع؛ فتنفس الصعداء ، ثم هرولَ نحوهم؛ ليساعدَهم في حمل بعض المتاع قائلاً :
– هيا ... هيا ..
ثم أردف :
– أأنتم وحدكم ؟!
قالت دنيا :
– يبدو أننا آخر من يخرج ، بل آخر المنضمين للقافلة .
توقفت شغف ثم قالت :
– أنا تعبتُ ..
قالت دنيا :
– وأنا أيضاً ..
قال يسري وقد خفق أيسرُهُ إشفاقاً عليهن ، إلا أن خوفه من أن يصبْنَ بأذى كان أكبر من إشفاقِه :
– هيا بنا .. لا نستطيعُ التوقفَ هنا ، لم يعد هذا المكان آمناً ، يجبُ أن تستحملْنَ حتى نصلَ إلى سفح الجبل بعيداً عن مرمى الأعيرةِ النارية .
مشى الجميع عبر طريقٍ صخريةٍ سفح الجبل متجهين إلى الجهة الأخرى حيث لا تصل إليهم أو تدركهم آلات الحرب الفتاكة القاتلة التي لا ترحم صغيراً لم يعرف الحرب وطرقها وتبعاتها بعد ، ولا كبيراً أنهكته ظروف الأزمنة القاحلة فلم يعدْ يهتدي لعكازِه التي يتوكأ عليها ناهيك عن معمعة الحرب وأساليبها القذرة في أغلب الأحيان .
إنها الحرب ما حلت ببلد إلا دمرته ، ولا مرت بأرضٍ خضراء إلا صيَّرتها جرداء ، ولا دخلت قرية إلا جعلتها حطاماً ، ولا مدينة إلا حولتها أشباحاً .
الحربُ إخطبوطٌ همجيٌّ يمدُّ أذرعَهُ الكثيرةَ في كل الإتجاهاتِ ، تلتهمُ كلَّ شيءٍ ، تصطادُ فرائسَها وجُلُّهم من الأبرياءِ ، من معدومي الحيلةِ ، الذين لا ناقةَ لهم ولا جَمَل .
إذا مررتَ يوماً بركام ، أو بقايا حطام ، أو وجدتَ بلاداً قد هُدِّمَتْ ، وأرضاً خاويةً على عروشها؛ فاعلم أن حرباً شعواء قد مرت من هناك.
وإذا رأيتَ جمال الطبيعة مشوَّهاً ، وجسد الحضارة كقدح مهشم الحواف؛ فاعلم أن حرباً عمياء مرت من هناك .
وإذا وجدتَ أمةً منكوبة ، مشردة ، تتوسّدُ الرمضاءَ ، وتلتحفُ السماءَ ، وتعيشُ على هامش الحياة ، في الشتات؛ فاعلم أن حرباً جائرة مرت من هناك.
وحدها الحربُ التي بإمكانِها أن تجعلَنا نحتسي الليلَ حسرةً وغربة ..
وحدها من تستطيعُ أن تجعلَنا نسير بلا هوية ، ودون وجهةٍ ، نتسكعُ في مجاهلِ الغربةِ ، ونصطلي برمضاءِ التشظيِ. تشيبُ أحلامُنا في أروقةِ التيه ، وتُكسرُ أرجلُنا في طوافٍ طويلٍ حول دائرةٍ مفرغةٍ من المناوراتِ اليائسةِ والبائسة أيضاً. نبحثُ عن ملجأٍ لنهربَ إليهِ من بيوتِنا الدافئة وأرضِنا التي عجنَّا طينَها بعرقِنا ودموعِنا ، ونستميتُ في الدفاعِ عنها.
لسنا كباراً بما يكفي لأن نجدَ ثقباً يمكنُنا من خلالِهِ أن نتسلّلَ متسرّبينَ إلى متنفسٍ من الضوءِ ، ولسنا صغاراً إلى الحدِّ الذي يجعلُنا نتعاملُ معها كلعبةٍ يمكنُها أن تنسينا ، أو تلهينا عن التزاماتنا أو واجبَاتِنا المدرسية.
وحدها الحربُ باستطاعتها أن تخيفَنا من الحياةِ بقدر ما تخيفُنا من الموتِ ..!
••••
ــ 4 ــ
.
" الموتُ لا يُوجعُ الموتى ، الموتُ يُوجعُ الأحياءْ "
- محمود درويش
..... خارج القرية ......
كانت لا تزال أصوات المدافع والقذائف والأعيرة النارية المختلفة تدوي ملء الفضاء ، يتناهى دويها إلى مسامعهم ، يهز الأرض من تحت أقدامهم، وهم يشقون طريقهم الوعر بين الصخور المنتشرة على امتداد الجبل. الكل يودُّ العبورَ إلى الجهة الأخرى ، الجهة الأكثر أماناً ، حيث تخفُتُ أصوات الحرب ، وتخبو ثورتُها التي أقضت سكينتهم وهدوءهم وأمنهم ، وانتزعتهم من منازلهم بغتة دون سابق إنذار. يسيرون في ذهول فظيع ، كأنهم إلى الآن لم يستوعبوا الفاجعة. لم يستوعبوا الحدث البغتة.
أهكذا بكل بساطة يغادرون ؟!، تاركين وراءهم بيوتاً ألفوها وتشرَّبوا حبَّها ، وأرضاً عجنت في دمائهم ؟.
كأنَّما كان عيشهم - في السابق - حلماً جميلاً ، وقد صحوا - الآن - على فاجعة مدوية تعلو على الوصف ، وتفوق كل احتمال.
(( مكان بعيد وسط الجبل ))
في الجهة الأخرى من الجبل ، في مكان يبدو أنه بعيد إلى حدٍّ ما عن متناول الأعيرة النارية. جلست شغف قائلة :
– آه .. أنا تعبتُ ، لم أعد قادرة.
تأوهت دنيا أيضاً من التعب ، وجلست هي الأخرى جوارها. ثم تبعتهما الأم زكية متأوهة ، متنهدة.
فقال يسري :
– إذن .. لنأخذ قسطاً من الراحة هنا ، ومن ثَمَّ نتابع سيرنا.
أخذ كلٌّ منهم يسندُ ظهرَهُ إلى صخرةٍ من صخور المكان. بعد برهة من التقاط الأنفاسِ ، تحاول دنيا أن تخرج طفلها من بين البطانيات والأقمشة التي لفَّتْها حوله؛ خوفاً من البرد حيث كان الجو ما زال شاتياً. تفتشُ ، تبحثُ ، تصرخُ :
– « طفلي ... »
ينتبه الجميع على وقع صرختها مفزوعين ، مذعورين ، فاغرين أفواههم بصوت واحد :
– « ماذا ؟؟ »
تنثر الأقمشة والبطانيات بهستيرية :
– « أين طفلي ؟ »
ينتفض يسري ، ينضم إليها ، ينثر الأقمشة واحداً واحداً :
– « لا شيءَ .. »
انهارت دنيا :
– « ولدي .. طفلي .. حبيبي ..»
الأم زكية وشغف تتسمران مكانهما في ذهول فظيع ، متخشبتينِ كتمثالينِ ، جامدتينِ لا حراك لهما ، كأنما وقعَتا تحت تأثير مخدر ، أو استسلمَتا لقوة من قوى التنويم المغناطيسية. يقول يسري في محاولة منه لإنقاذ الموقف ، وبعث بعض الأمل لدى دنيا موجهاً إليها الخطاب :
– لعله سقط منكِ في مكانٍ ما أثناء السير ..
سكت قليلاً كمن يحاول أن يستجمع أفكارَهُ ، ثم استأنف :
– أو ... « تنهّد » : أو لعله انزلق من بين الأقمشة دون أن تشعري بذلك. سأعود لأبحث عنه.
نهض يسري واقفاً بعد جملته الأخيرة تلك ، وانطلق مباشرة في عملية البحث ، عائداً من نفس الطريق الذي سلكوه سفح الجبل عند مجيئهم ، ثم تبعتْه دنيا .
لم يذهبا بعيداً في عملية البحث. فعلى بُعدِ عشرات الأمتار من المكان الذي كانوا قد جلسوا فيه بغرض الإستراحة. كان الطفل مستلقياً بهدوء لا سابق له في مكان على الطريق الجبلي الذي كانوا قد مروا به ذهاباً. يلتقطه يسري بفرح :
– هذا هو ..
ثم التفتَ ناحية دنيا التي كانت خلفه، تلهث ، قالت :
– أوجدتَهُ ؟.. أينَ هو ؟.. طفلي حبيبي .. هاتِه ..
خطفته بسرعة ، دون انتظار ، أو تمهّل ، من بين يدي يسري ، وضمّتهُ إلى صدرها بلهفة. كأنما التقت بروحها ، نسيت التعب ، والخوف ، والجزع، والفزع ، والذعر ، وكل شيء ، وذهبت في غيبوبة من المرح ، والنشوة ، لم يوقظها إلا صوت يسري الذي كأنما أعادها إلى صوابها قائلاً :
– لكنه لا يتحرك !!.. هل هو نائم ؟؟.
انتبهت دنيا على وقع هذه العبارة التي وقعت منها موقعاً عميقاً ، فاندفعت بسرعة خاطفة. كأن كهرباءَ جسّت روحها ، أو استشرت في جسدها : تتحسس الطفل ، تضع يدها على صدرِهِ ، تتحسس نبضات قلبِه ، تتحسس أنفاسَه ، تمرر يدها على كل أجزاء جسمه ، من أخمص قدميه إلى أن تصل إلى مفرق جمجمتِه ، وهناك تغرق يدها بسائلٍ متخثّر أبيض لزج :
– يا إلهي .. ما هذا ؟ .. أغثْني يا يسري ..
صار يسري ينظر بتمعن إلى جمجمة الطفل ، يتفحصها ، ثم قال :
– يا إلهي .. لقد انكسرَ رأسُهُ وهذا السائل الأبيض .. أظنه دماغُه ..
صرخت دنيا :
– واا حسرتااااه .. لا .. لا ..
ومرة أخرى وفي حالة من عدم التصديق ، يحاول يسري أن يجد خيطاً من أمل ، يتحسس الطفل بدقة ، لكن النتيجة لم تتغير ، فيحشرج قائلاً :
– لقد مات !.
وما إن سمعت دنيا خبر الموت حتى أغمي عليها ، ودخلت في غيبوبة أخرى من اللاوعي. فيتلقفها يسري ، يمسك بها مفزوعاً ، يحركها ، يحاول إيقاظها ، يحتضنها ، يصرخ :
– دنيا .. دنيا .. انهضي يا حبيبتي .. هيا افتحي عينيكِ أرجوكِ .. لا .. لا تتركيني .. لا أريد أن أخسركما معاً .
في هذه الاثناء الأم زكية وشغف تصلان. تقول الأم زكية :
– يسري .. يسري .. ماذا يجري ؟.. هل وجدتموه ؟
قال :
– لقد مات .. و .. دنيا .. دنيا ( بحشرجة ) ...
قالت الأم زكية مقاطعة :
– و دنيا .. ما بها دنيا ؟
قال :
– لم تعد تتحرك ، ولا تكلمني ..
جلست الأم زكية تتحسس نبض دنيا ، ثم قالت :
– إنها ما زالت على قيد الحياة ، لكنها فاقدةٌ للوعي ... هاتِ يا شغف.
أخذت قنينة الماء من يد شغف ، ثم ملأت كفها وراحت تمسح بها وجه دنيا وتفرك براحتها جبينها وتكرر ذلك ، ومع كل مسحةٍ تحاول إيقاظَها ، مناديةً :
– دنيا .. دنيا ..
وحين استعادت دنيا وعيَها ، بعد تكرار المحاولات ، ردّت بصوتٍ غائبٍ ضعيف :
– هااااا طفلي
وما إن تحركت شفتاها حتى اندفع يسري :
– دنيا، .. دنيا، .. قومي حبيبتي .. أرجوك لا تتركيني ..
فقالت دنيا وهي لا زالت في نصف غيبوبة ، تهذي بلا وعي :
– طفلي ... هذا طفلي ..
طفلي لم يمتْ .. أليس كذلك يا يسري ؟
طفلي لم يمتْ .. أليس كذلك يا عمتي ؟
طفلي لم يمتْ .. أليس كذلك يا شغف ؟
طفلي لم يمتْ .. لم يمتْ .. مستحيل .. ثم ضمَّتْهُ بحنوٍّ إلى صدرها ..
فردت الأم زكية وهي تحاول جاهدة أن تبدو أكثر تماسكاً ، بكل ما تمتلك من رباطة جأش :
– لا بأسَ يا ابنتي .. تعالي .. هاتِ الولد أنا سأحملُهُ ..
ثم توجهت إلى يسري :
– وأنت يا يسري ساعدها؛ لتنهض ، وساندها؛ لتمشي ، هيا بنا.
عادوا جميعاً إلى حيث أمتعتهم ، ومن ثم واصلوا المسير في طريق الضياع ، تائهين ، مطأطئين رؤوسهم ، مثقلين بالهموم والأسى ، متعبين ، هائمين على وجوههم ، لا يلوون على شيء ، حتى وصلوا إلى قرية أخرى بعيدة عن الحرب ، والجميع بادٍ عليهم الإجهاد والحزن الشديد .
••••
ــ 5 ــ
.
.... قرية (س) ....
قرية (س)، قريةٌ تقع في الجهة الأخرى أسفل الجبل ، وهي قرية صغيرة بسيطة ، إذ ليس فيها كثير مما يُرى سوى مسجدها الناصع البياض الذي يتوسطها ، والمنازل ثنائية الغرف التي يقطن فيها السكان. يخرج سكانها لاستقبال النازحين ، يفتحون أبواب بيوتهم وصدورهم لهم ، وبكل نبل وشهامة يقومون بتقديم واجب الضيافة والمواساة ، يخرجون هم وعائلاتهم ويدخلونهم مكانهم ، يشعرونهم أنما خرجوا من بيوتهم إلى بيوتهم ، ومن ديارهم إلى ديارهم الثانية. ولسان حالهم قول الشاعر :
« يا ضيفنا لو جئتَنا لوجدتَنا •••• نحن الضيوف، وأنت ربُّ المنزلِ »
أبو راضي وهو أحد سكان القرية ، وزوجته أم راضي وابنه راضي ذو العاشرة من العمر ، يستقبلون عائلة يسري هاشين باشين :
– أهلاً وسهلاً بأخوتنا .. تفضلوا ..
يدخلونهم إلى فناء البيت ، أم راضي تأخذ النسوة، وتدخلهن لغرفتها ، وراضي يقدم الماء والشراب والطعام للضيف.
التفت أبو راضي ناحية يسري وقال :
– ماذا بك ؟ تبدو حزيناً جداً يا أخي، أرجوك ، لا تهتم ولا تحزن .. البيتُ بيتُك .. ونحن أهلك وعشيرتك ..
قال يسري :
– أكرمك الله يا أخي .. اطمئن ..
ثم أضاف مستدركاً :
– أقصد ليس هذا ما يحزنني.
وأفلتت دمعةٌ من عينِه دون أن تأخذَ إذناً منه في هبوطها الإضطراري على وجنتِهِ المتغضّنة الذابلة من هولِ الفاجعة .
قال أبو راضي :
– إذن .. ما الذي يحزنك ؟ أخبرني أرجوك ..
حكى له يسري الحادثة كاملة ، فطأطأ أبو راضي رأسه ، ثم قال :
– لا حول ولا قوة إلا بالله .. عظم الله أجرك وعوّضك خيراً ..
قال يسري :
– الحمد لله رب العالمين ..
ثم أردف :
– لكن ...
وسكت ، فقال أبو راضي :
– لكن ماذا ؟ ..
قال يسري :
– الطفل معنا .. ونريد أن ندفنه و ....
فقاطعه أبو راضي :
– فهمت .. لا تقلق .. سأتدبر الأمر .. سأطلب منهم يجهزونَ الطفل في الداخل غسلاً وتكفيناً .. وسآخذ بعض الأخوة ، ونذهب لتجهيز القبر ..
قال يسري :
– جزاكم الله خيراً ..
ثم أردف :
– وأنا سآتي معكم لأساعدكم ..
قال أبو راضي :
– لا يا أخي .. أنت متعبٌ ويجبُ أن ترتاحَ الآن ، وستشارك في الصلاة والدفن لاحقاً ..
بعد التجهيز ..
عاد أبو راضي إلى البيت ، فاصطحب يسري ، وأخذا الطفل معاً وذهبا به إلى المصلى. وانضم إليهما الباقون .. أدّوا الصلاة جميعاً ، ثم أكملوا مراسيم الدفن.
••••
ــ 6 ــ
.
(( بعد الدفن ))
بعد العودة من المقبرة ، أتى الجميع لمواساةِ يسري ، وتقديمِ واجب العزاء ، ويسري يبكي بصمت. وأبو راضي يطمئنه ويربت على كتفه قائلاً :
– لقد اصطفاه الله في هذا العمر ليكون لك ذخراً وشافعاً يوم القيامة .. فاصبر واحتسب.
فقال يسري بصوت متهدج وعيناه ملأى بالدموع :
– الحمد لله ..
قال أبو راضي :
– تجلدْ يا أخي .. أنت رجل .. لا يجب أن تُرى هكذا حزيناً ..
ثم أضاف :
– أنت سند العائلة ومصدر قوتها ، فلا تضعفْ. يجب أن تتحلى برباطة جأشٍ وجَلَدٍ ، أن تكون مصدر طمأنةٍ ونبراس صبرٍ لأهلك وذويك ..
عندئذٍ مسح يسري دموعه ، وأنشد :
سأعترفُ الآنَ أنّي انحنيتُ
لمرأى الفقيدِ الصغيرِ الموارى بأحبابِهِ ،
لمرأى الفقيدِ .. لأنّي أخافُ من السيرِ
خلف الجنازةِ ، أو من طريقٍ إلى المقبرةْ ..
***
سأعترفُ الآن أني أخافُ من الصيفِ ؛ والبرد،
من عطشِ البحرِ ، من وردةٍ في سريرِ الغيابِ،
ومن شجرِ الأغنياتِ الموَشاةِ بالأملِ المستترْ ..
***
وأعترفُ الآنَ أنّي
أخافُ من الخوفِ ،
من مشيتي عارياً في الظلامِ ..
ومن وقفتي يابساً في ضلوعِ المكانِ
ووجهي كبيتِ الفقير ..
***
وأنّي أخافُ من الموتِ حين يجيءُ كأنثى ،
الزغاريدُ في دمِها تستثيرُ النساءَ
فيأتينَ ينثرْنَ آلامهنَّ على بابِ قلبي ،
ويرحلْنَ من آخرِ القافيةْ ..
•••••
هكذا تكون ثمار الحرب وتبعاتها - يا صاحبي - حين تدب حافية من الضمير ، عارية من الرحمة والإنسانية ، عمياء لا تفرق بين أحد لا صغير ولا كبير ، ولا رجل ولا امرأة ، صماء لا إحساس لها ، بكماء إلا من دوي الموت الصارخ في كل ناحية وفي كل آن.
حين تجيء بريحتها النتنة ، بوجهها الكالح البشع القبيح ، تزحف كتنين مفترس ، تكشر عن أنيابها ، تنقض على فرائسها بلا هوادة ، تلتهم القرية تلو القرية ، والمدينة تلو المدينة ، دون أن تشبع أو تكتفي.
تحبل ولا تلد إلا الموت ، والخوف ، والضياع ، والتشرد ، والألم ، والجراح الغائرة في ضلوع الزمن والإنسانية.
****
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق