السبت، 30 يوليو 2022

قافلة الضياع//ق2 //// وضاح حاسر

قافلة الضياع

.
.

القسم الثاني :
.

(( في مخيم النازحين ))

.

.

.


(( أتساءَلُ هل سيرمِّمُ الزمانُ ما خلّفَتْهُ أو تخلِّفُهُ كلُّ هذه الحروبِ والدماء ؟؟ هل سنعيدُ طفولةً ضاعت إلى أطفالِنا ؟ وحتى نحن أنفسنا هل سنستطيعُ أنْ نخلصَ من كل ما خلّفَتْهُ بنفوسِنا الحروبُ من خوفٍ وعزلةٍ ودمار؟؟ ))

- واسيني الأعرج      
•••

(( معظم مآسي العالم وبؤس الشعوب مصدرها الحروب ولا يعلم أحد سبب اندلاعها ، ولا على ماذا يتقاتلون؟ ))

- مارغريت ميتشل    







•••••
   اليوم الأوّل ليسري في الشتاتِ كانَ أشبهَ بالكابوس ، كلُّ لحظةٍ تمرُّ عليه كأنها دهرٌ بما تحملُهُ من صدماتٍ ومفاجآت. لقد انتُزعَ فجأةً من قلبِ بيتِهِ الهادئ الوديع ، وألقيَ بِهِ في أتونِ خيمةٍ قصيةٍ في العراء. تركَ الحياةَ الهانئةَ المكتظة بالطمأنينةِ ، وراحةِ البال ، والعملِ ، والأمل ، إلى حياةٍ لا سلامَ فيها ولا راحة ، ولا إحساسَ بالأمانِ والطمأنينةِ ولو لبضعِ لحظات يسيرة.

   الليلةَ الأولى قضاها مستغرقاً في همومِهِ ، لم تكتحلْ عيناهُ بالنومِ ، يسامرُ النجومَ المسافرةَ خلالَ السماءِ ، منذُ أنْ تقَيَّأَها الشرقُ ، إلى أن ابتلَعَها الغربُ نجمةً تلوَ أخرى ، ولم يغربْ لَهُ همٌّ ، ولم تشرقْ في ذاتِهِ سكينة.
   لطالما كانت الذكرياتُ نقاط تفتيش صارمة وحازمة ، لا تسمح بعبور الفرح ، وتعتقل كل نبض لمجرد الشك أن عابر بسمة تسلل ذات غفلة من شرطي الكآبة المتمترس على تلال الشعور.
   تلك الذكرياتُ الأليمةُ لكل تلك الأحداثِ والمآسي التي عاشها قبلاً والتي كانت مكبوتةً بذاكرتِهِ من سنوات ، انهالت عليه تباعاً في هذه الليلة ، كما لو أنَّهُ في حَلْبَةِ سباقٍ كثيرِ التعرجاتِ والمنعطفاتِ ( منعطفات بعدد تلك المآسي ) ، لكنه بمجرّدِ اجتيازِهِ أوّلَ المنعطفات أحسَّ باختلالٍ في التوازن ، وصارَ يتأرجحُ ، وبدأَ شيئاً فشيئاً يفقدُ السيطرة ، فلم يعدْ باستطاعتِهِ التحكُّمَ بمقْوَدِ مشاعرِهِ ، ولا بإمكانِهِ فرملةَ انفعالاتِه ، فانزلقَ مباشرةً عند دخولِهِ ثاني المنعطفات إلى بحيرةِ الوجعِ والدموعِ باكياً ، محطّماً. لقد اكتشفَ للتوِّ أنَّهُ لم يكنْ سائقاً بارعاً في مضمارِ الذكرياتِ الأليمة.
  الليلةُ تلك ليلةٌ طويلةٌ ممتدّةٌ إلى مالانهاية ، ظلامٌ ضاربً في السوادِ تحت النجوم الساهرة ، حالكٌ وراسخٌ. والهمُّ كائنٌ ليليُّ لأنَّهُ هَمٌّ أسْوَدُ كالحُ السحنةِ ، هَمٌّ كثيفٌ وثقيلٌ. إنَّهُ ابنُ الليلِ ، يعشقُ الظلامَ كطائرِ الوطواطِ يقتحمُ شرفاتِ الصدرِ متوَلِّجاً ، أو يتسرَّبُ من خلالِ ثقوبٍ أو شقوقٍ أحْدَثَها الألمُ في جدارِ الروحِ ذات أسى دون استئذان ، ليقضَّ المضجعَ ، ويسرقَ النومَ من العيونِ ، ويغمسَ القلقَ في كؤوسِ السكينة.
  إنها ليلةٌ في طولِها وقسوتِها تشبِهُ ليلَ النابغة الذبياني ، الذي وصفَهُ في مطلع إحدى قصائده الشهيرةِ قائلاً :

( كليني لهَمٍّ - يا أُمَيمةُ - ناصِبِ
               وليلٍ  أقاسيهِ  بطيءِ  الكواكبِ
تَطاولَ حتى قلْتُ ليس بمنقضٍ
              وليس الذي يرعى النجومَ بآيبِ
وصدرٍ أراحَ   الليلُ  عازِبَ هَمِّهِ
            تضاعفَ فيهِ الحزنُ من كلِّ جانبِ)

حقاً كانت ليلةً قاسيةً موحشةً بكل تفاصيلها ، فلا نومَ يأتي ، ولا قلبَ يهدأ ، ولا عقلَ يكفُّ عن التفكير .
••••




ــ 7 ــ 
.

(( داخل خيمة في المخيم ))

    استيقظت دنيا باكراً قبل طلوع الصباح. وقد كان يسري صاحياً فهو لم يستطعْ النوم ، وكان يشعرُ بوهنٍ وتعبٍ في كامل جسدِهِ وروحِه بسبب الهمِّ والتفكير الملازم ومجافاة النوم. شاحبةٌ ملامحُهُ ، مرهقٌ جسدُهُ ، يوشوشُ نفسَهُ كأنه خيالٌ مشَوَّشٌ ، ضجيجٌ يصطخبُ في جوفِهِ ، هدَّ حيلَهُ ، وأضنى حيلتَه ، وسلبَهُ ابتسامتَهُ عمداً ، وتركَهُ في العراءِ يحاولُ لملمةَ ما تبقّى منه علَّهُ يرتوي ، فيستعيد عافيتَهُ الذهنية.
   كان قد بارحَ بساطَهُ وجلسَ في جانبٍ من جوانبِ خيمته التي نصبت بالطرف الجنوبي للمخيمِ. إنه في كاملِ وعيِهِ - كما يبدو - رغم آثار التعبِ والإرهاقِ والقلقِ الظاهرة على ملامحه .
  رنَّ تليفون يسري وهو ساهم في التفكير ، وقد وضعَ يده اليسرى تحت خده الأيسر ، مطرقاً داخل الخيمة. قامت دنيا: أخذت التليفون وناولتْه إياه. أمسك يسري التليفون بيده اليمنى ، بينما اليد اليسرى لا زالت تسند خده. وهو يهجس: من الذي يتصل بي الآن ؟، من يا تُرى ؟. ثم يلقي نظرة على شاشة التليفون؛ للتعرف على هوية المتصل. يااااه !!.. إنه "نصري" ابن الجيران ، صديق الطفولة والأيام الخوالي. نعم، هو نصري لا سواه ، هو الوحيد الذي يسأل عني ، برغم انتقاله وإقامته بالمدينة منذ سنوات ، لكنه لا يزال يحاول الإطمئنانَ علي بين الحين والآخر ، نعم هو فقط. وهل كنتُ سأنتظر غيره مثلاً ؟. لا أدري كيف نسيتُ ؟!. وكيف غاب هذا عن بالي ؟. وبخفة ضغط زر الإستقبال مستبشراً مرحباً :
– يا ألف أهلاً وسهلاً
كان نصري على الطرف الآخر ، فقال محيياً :
– السلام عليكم ..
رد يسري :
– وعليكم السلام والرحمة ..
ثم أردف :
– سبحان الله .. أتعلمُ ؟  كنت أفكر  بك للتو !!
ضحك نصري ضحكة خفيفة ، ثم قال :
– القلوب عند بعضها يا صديقي، المهم ، أين أنت؟ 
قال يسري :
– أنا في المخيم كالعادة ..
قال نصري :
– ما أخبارك ؟ ..
رد يسري :
– الحمد لله على كل حال !
قال نصري :
– وكيف المخيم ؟
قال يسري :
– سجنٌ مفتوحٌ
قال نصري مستغرباً :
– سجنٌ مفتوحٌ ؟ .. كيف ؟!
فقال يسري :
– لأنك هنا تعيش في جوٍّ من البطالة ، عاطلاً إلا من الملل ، لا تجد عملاً يشغلك ، تحاول نسيان همومك بلقاء الأصدقاء والجيران ، فتجدهم لا يستنشقون إلا المعاناةُ ، ولا يزفرون إلا الألم .. فتعود مثقلاً بهمومٍ أخرى أشد فوق همومك ..
ثم أضاف :
  الحياة هنا - يا صديقي - صعبةٌ جداً ، مريرة جداً. هنا لا صوت يعلو فوق صوت المعاناة. لا شيء يعلو على الخوف. الخوف من كل شيء : من الحاضر الذي يخنقُنا جاثياً على صدورنا ، من المستقبل ذلك المجهول الذي ينتظرُنا ، من الحرب التي تحيط بنا من كل الجهات ، من الموت الذي يغازلنا في كل وقت ، بل من الحياة نفسها .. كل شيءٍ هنا بؤسٌ باذخ .. باختصار يا صديقي .. نحن هنا نعيش على هامش الحياة ..
قال نصري :
– والمساعدات الإغاثية والإعانات ...
قال يسري :
– لا تصل ... وإن وصلت لا تسدُّ الرمق ..
فقال نصري :
– حسبنا الله ونعم الوكيل .. صبراً جميلاً يا أخي ، فبعد العسر  يسرٌ لا محالة ..  وعلى العموم .. هل تحتاج شيئاً ؟ قل ولا تخجل رجاءً ..
قال يسري :
– نعم .. أحتاجك أن تساعدني في الحصول على فرصة عمل إن أمكن ..
قال نصري :
–  سأحاول إن شاء الله .. وسأبلغك ..
قال يسري :
–  وأنا سأكون في انتظارك ..
فقال نصري :
– والآنَ .. أستأذنك ... إلى لقاء ..
رد يسري :
– إلى لقاء  ..
  ثم وضع التليفون ونادى على دنيا التي كانت قد خرجت أثناء استغراقه في المكالمة ، فردت عليه أمه زكية :
–  نعم .. يا ولدي .. ماذا تريد ؟
قال :
–  أمي .. أين دنيا ؟
قالت :
– دنيا وشغف ذهبَتا لجلب الماء ..
قال :
– من أين ؟
قالت :
– من بئر الوادي .. لأن البئر القريبة شحَّ ماؤها ..
  كان واضحاً أن كل كلمةٍ من كلماتها تزخرُ بانفعال قوي وتأثر عميق. ولم يملك هو أيضاً حين استمع إليها أن يمسكَ عن إظهار بعض العواطف التي هزت نفسه. فإذا رأسُهُ يطأطئ ، وإذا شفتاه تنقبضان قليلاً ، وإذا صوتُهُ يخبو حدَّ الهمس ، وإذا لسانُهُ تُفلتُ منه هذه العبارة على غير إرادةٍ منه متمتماً متحسراً :  
– متى ستنتهي هذه المعاناة يا رب ؟
قالت :
– ماذا قلتَ ؟
قال :
– كان اللهُ في عونهنَّ ..
••••••















ــ 8 ــ
.

(( بعد أيام .. وعائلة يسري مجتمعة في خيمتهم ))

الأم زكية (أم يسري) ترنو إلى يسري ، تحدّقُ فيه ملياً ، وهو منهمك في تفكيره ، غارق في شروده الفظيع ، فسألته : 
– مالي أراك سارحاً ، شارد الذهن ؟!.. لم أرَكَ هكذا متغيراً من قبل ، بماذا تفكر يا ولدي ؟
ويسري ممتلئ بشروده حتى النخاع ، يحملق في الفراغ الممتد أمامه ، كأنه في عالم آخر ، فنادتْه أخرى بصوت مرتفع  ملوحةً بيدها أمام وجهه :
– يسري .. يسري ..
عندئذ فز يسري منتبهاً من شروده :
– هااااه ..
قالت :
– ما بك ؟ .. ما الذي يشغل بالك ؟
قال :
– هااااه ..  لا شيء .. لا شيء ..
قالت :
– لا تحاول .. لستُ غبية .. إنني إلاحظك منذ أيام وأنت بهكذا حال .. هيا قل لي بمَ تفكر ؟
قال :
– بصراحة .. لقد مللتُ من الجلوس هنا حبيساً .. الوضع كل يوم يزدادُ سوءاً .. يجب أن أجد عملاً ما، يساعدنا في اجتياز هذه المحنة.
أثار هذا الجواب فضول دنيا فسألت :
– عمل ؟! وأين ستجد عملاً والإقتتالُ في كل اتجاه ؟
قال بنبرة الواثق :
– سأجد ..
قالت :
– أين ؟ ..
قال :
– الجبهة ..
قالت بدهشة كبيرة :
– الجبهة ؟! .. ماذا ؟!  ماذا تقول ؟!!
فقال والجميع من حوله فاغرون أفواههم ، قد كست ملامحهم الدهشة والإنزعاج :
– ما بالكم ؟ الأمر بسيط .. سأنضم للجبهة وأحصل على راتب شهري يساعدنا في أمور المعيشة ..
غطت دنيا وجهها بيديها ، بينما صرخت أمه في وجهه بتجهم :
– لا .. مستحيل أن أسمح لك بذلك .. إنني أفضل أن نموتَ جوعاً على أن تذهب للجبهة .. أتفهم ؟
قال بتعجب :
– ولماذا يا أمي ؟
قالت بحزن :
– قبل تسع سنوات فقدنا أباك ( مهيوب ) في الحرب ، وقبلها أخاك الأكبر ( عبدون ) الذي ذهب ولم يعد ومن حينها ونحن لا نعرف عنه شيئاً .. ولا ندري أحيٌّ هو ؟، أم ميت ؟.. والآن - كما ترى - لم يبقَ لدينا إلا أنت .. وإننا لسنا مستعدين أن نخسرك ..
ثم أردفت :
  أنت يا يسري ما تبقّى لنا في هذه الدنيا ، أنت الذي نستند عليه ، ونحتمي به. أنت العصا التي نتوكأ عليها ، ونهش بها على آلامنا وأحزاننا ، ونمدها كي نتناول أحلامنا ، ونتقوّى بها في عبور مجاهل الحياة.
قال وقد أخفض رأسه إذعاناً :
– لكن .. لا خيار أمامي ..
قالت :
– لا نريد شيئاً .. انسَ ذلك .. ولا تفكر في شيء .. هي أيام وستنتهي الحرب وسنعود لبيتنا وحياتنا ..
قال في سره :
– سنعود ؟!! ..
  إنني موقنٌ حقَّ اليقين - يا أمي - أن لا شيء يعودُ كما كان ، لا شيء يبقى على حاله. إنني أشعر بأن أملاً قد تحطّمَ في صدري ، وانطفأ للأبد. بيوت المسرة التي كانت تقينا من الحزن هدمت ، ومأوانا الذي كنا نشرئبُّ نحوه اندثر ، تأسرنا المعاناة ، وتتحرر منا عَبَراتُنا ، ونبقى في منتصفِ الضياعِ مقطوعين ، كأننا لم نكنْ يوماً سعداء في تربتنا وديارنا .
  ساد الصمت ، والحزن معاً ، وخيَّما على الجميع .
  كيف لا ؟، وقد اندلق سيل الذكريات الذي جرفهم إلى مكان سحيق من الألم.
  وكيف لا أيضاً؟، وقد نُكِأَ الجرح الذي لم يندمل بعْدُ.
  تطاول الصمت ، وشيئاً فشيئاً تحوّل إلى صمتٍ كثيف مثل ضباب الصباح ، صمت كثيف وراسخ. فسكون والدة يسري المثقل بالجراح والعناء ، وسكونه هو أيضاً ، كانا - بلا ريب - يثقلان هذا الصمت ، ويحولانه إلى رصاصٍ يخترقُ الصدور ، وجراحٍ عميقةٍ تُعَلَّقُ على مشجبِ الذاكرة.
••••















ــ 9 ــ
.

قصة فقْد ( 1 )

  "مرهقٌ هو الوداعُ ، مرهقٌ حينَ يأتي على شكلِ ورقةِ نَعْي " 
- أدهم شرقاوي  
مهيوب (أبو يسري) ..
  مسؤول عمليات الدعم والإسناد ، ثم قائد كتيبةٍ تعرف بكتيبة التدخل السريع في المنطقة العسكرية الخامسة برتبة عقيد.
  يعتبر واحداً من أهم القادة ، وذراعاً من أكبر أذرع ﺍلجيش الذين كان يعتمد عليهم آنذاك ، والذين كانت تُوكَل إليهم أصعب المهام.
  إنه رجلٌ أربعيني حادُّ الطباعِ وجريءٌ ، لكن جرأتهُ تلك لم تكنْ عن جنونٍ أو لامبالاة ، بل كانت عن حَذقٍ وحكمة. 
  التحق مهيوب بالجيش منذ سنوات ، عمل مساعداً ، ثم ترقى في السلك العسكري ، ونال عدداً من الرتب ، وتولى عدداً من المهام.
  لقد كان واحداً من مقاتلي القبائل البواسل الذين شاركوا في الحروب التي اندلعت بين الدولة ممثلة بالجيش وأبناء القبائل من جهة ، والحوثيين من جهة أخرى.
  كان مقاتلاً من طراز نادر ، لفت انتباه قادة الجيش ، فضموه إليهم ، ومنحوه رتبة عسكرية ، وموقعاً قيادياً ، وظل واحداً من أشجع الجنود ، وأكثرهم بطولة ، وأشدهم قتاليةً.

   في وقت قياسي وقصير جداً أصبح مهيوب أيقونة للبسالة والشجاعة والفداء. تم تكليفه بكثير من المهام العسكرية ، لم يرجع من أيٍّ منها إلا بانتصار كامل ، بفضل خبرته وشجاعته النادرة. حظي باحترام قادته وأفراده على السواء ، وأصبح يشار إليه بالبنان كأسطورةٍ رائعةٍ من أساطير الفداء.

   ظل مهيوب (أبو يسري) لأعوام ، رمزاً من رموز البطولة ، وحين اندلعت الحرب السادسة ( أغسطس 2009 – فبراير 2010) ، أو ما تعرف " بعملية الأرض المحروقة ". تم تكليفه بالهجوم على موقع كان قد حاول قبله الكثير من القادة ، وقدموا الضحايا ، وخسروا الخسائر الكثيرة ، ولم يستطيعوا السيطرة أو الإستيلاء عليه.
    تحرك مهيوب بمجموعة من أفراد كتيبته ، وقاد هجوماً على ذلك الموقع واستطاع أن يسيطر عليه ، لكنه لم يكد يستتب بهم الأمر ، وتهدأ المواجهة الشرسة ، حتى فوجئ وأفراده بالتفاف مباغت ، فقاتل قتال الشجعان الأبطال دون أن يُسَلِّم ، أو يجبن ، أو يتراجع حتى أصيب إصابةً بالغةً ، ارتقى على إثرها شهيداً مجيداً.
  خاض في تلك الليلة معركته الأخيرة كأي بطل استثنائي ، أحاط به الخصوم من كل الجوانب ، طوقوه من كل الجهات. طلبوا منه الإستسلام والتسليم ، لكنه وهو الذي كان قد أذاقهم الويلات لسنوات ، عز عليه أن يقع أسيراً بيدهم ، فقاتل حتى لقي الله بذات الشموخِ الذي عاشه في حياتِهِ.
 
أما في القرية ...
   فقد أسفر الليل عن النبأ الفاجعة ، نبأ استشهادِهِ ، فاكتست القرية ثوب الحداد ، واتشحت بالسواد ، وتنفس صبحها آهة طويلة مجلجلةً ملء الفضاء ، فقد هوى الطود الأشم ، الذي امتلأت بشذاه تلالها وربواتها ، وسهولها وأوديتها ، واستظل بظله الكثير من أبنائها. وصل النبأ الفاجعة إلى أهله ، فنزل عليهم كالصاعقة. أصمَّ آذانهم ، وغيَّر صباحهم رأساً على عقب ، فكان في أبصارهم وبصائرهم مساءً حالك الوجه مظلماً.
•••• 

















ــ 10  ــ 
.

قصة فقْد ( 2 )
(( ‏الإنتظار مؤلمٌ والنسيانُ مؤلمٌ أيضاً، لكن معرفةُ أيهما تفعلُ هو أسوأُ
أنواعِ المعاناة ))
- باولو كويلو     

عبدون ( أخو يسري ) ..

عبدون هو الأخ الأكبر ليسري. كان قد أخذ من أبيه الشجاعة ، والرجولة ، والإقدام ، والإباء ، والنزعة الثورية القتالية. إلا أنه لم يكن قد أخذ الحنكة والحكمة بعد.
  كان من أول المنخرطين في المعمعة ، من أول السباقين الراكضين في ميدان القتال.

  كان حينئذٍ في باكورة شبابه ، إبان اندلاع الصراع ، لبى نداء "حي على القتال" وعمره (18) عاماً .

في ذات ليلة ...
  حينما كان يرابط ورفاقه في موقع بالمقدمة ، شن عليهم الخصوم هجوماً من ثلاثة محاور : هجوماً من الأمام يزحف إليهم وجهاً لوجه ، وهجوماً من الميمنة ، وآخر من الميسرة يهدفان إلى قطع خطوط الإمداد وإطباق الحصار ، ومن ثم الزحف من المحاور الثلاثة جنباً إلى جنب للسيطرة على الموقع.
  قاتل عبدون ورفاقه ببسالة نادرة واستطاعوا صد الزحوف مرات ، ولم يستطع الخصوم الوصول إليهم إلا من بعد نفاد ذخائرهم ومؤنهم ، وتعذر وصول المدد. استشهد منهم البعض ، والبعض الآخر استطاعوا الخروج من الموقع - بعد نفاد ذخائرهم - متسللين تحت جنح الظلام. لكن عبدون لم يكن بينهم.
في الليلة التالية ..
  شنت المجاميع الأخرى هجمة مرتدة هدفت لاستعادة الموقع وانتشال الجثث ، وتمكنوا من استعادته ، ووجدوا جثث كل من استشهد من الجنود المرابطين ، ما عدا عبدون لم يجدوا له أثراً ، لا في الناجين ولا في الشهداء.

سنوات مرت وأبو يسري يتحسس من ولده ، دون يأس ، يبحث عنه في كل اتجاه ، بكل الوسائل ، وشتى الطرق ، خاض الحروب جميعها ، وهو يبحث ، وقضى أوقات السلم أيضاً وهو يبحث ، ولم يمل حتى لقي الله قبل أن يلاقي ولدَه عبدون.
••••





ــ 11 ــ
.

  " ‏الأحزان الصغيرة ثرثارة ، أما عظيمها فأبكم "     
- سينيكا        

  بعض الذكريات تحتاج وقتاً لتُنسى ، وبعضها تتجدد مع مرور الوقت ، لا تغادر ، ولا تمَّحي ، تسير معك ، تلازمك ، لا تنفك عن ملازمتك طوال مسيرة حياتك. تبقى جرحاً أبدياً غائراً في الحنايا ، كلما حدثت حادثة جديدة ، نكأت ذلك الجرح القديم ، وأيقظت سابقاتها؛ لتكون أشد إيلاماً ، وأثقل وطأة. حادثة واحدة بسيطة فقط بإمكانها أن تبعثرَ الركامَ المكدّس بالداخل لسنواتٍ ، أن تحييَ ذكرياتٍ شُيِّعَت منذ عقود ، أن توقدَ في الروحِ حريقاً هائلاً كحريق الغابات ، يصعبُ إطفاؤهُ بسهولة.

   قال يسري وهو يتململ قابعاً في مكانه : « لقد كنتُ أحببتُ الحرب دائماً ، لقد كنت طفلاً أثناء الحرب الأولى ، وما كنت أفكر فيه وقتذاك ليس له اعتبار ، ولكنني على أية حال أحببتها في ذلك الوقت ، لكن ذلك كان عن بعد ». ومضت فترة قصيرة قبل أن يقول بنبرة مريرة ، بطيئة ، مثقلة : « ولكنني كرهتها من بعد ، كرهتها كما لم أكره شيئاً مثلها. كرهتها بسبب أخي ووالدي ثم ولدي وما نحن فيه الآن ».
••••
  عمر يسري الآن (25) عاماً ، فقد أخاه عبدون وعمره (10) أعوام ، واستشهد والده مهيوب وهو في السادس عشرة(16) ، ليتحمل على عاتقه - تحت وطأة هذه المآسي - مسؤولية العائلة في هذا السن المبكر. كانت هذه المآسي المتتابعة قد كوت يسري ، واستنفدت كل ما لديه من قدرة الإحتمال ، وطاقة الصبر المخزونة. ولما بلغ من العمر (23) عاماً أراد أن يدخل السرور للعائلة بعد تلك السنوات العجاف التي عاشتْها في غياهب الحزن؛ فاقترن بدنيا التي كانت تصغره بثلاثة أعوام ، ولهذا الإقتران حكاية سأحكيها لاحقاً. المهم ، تزوّجا ، وحملت منه ، ثم وضعت ذلك الطفل الذي أعاد البسمة للعائلة ، وفتح نافذة للأمل والمستقبل معاً. لكن ذلك الأمل ما لبث أن خبَا ثانيةً بعد أقل من أربعين نهاراً بفقد ذلك الطفل في تلك الحادثة سالفة الذكر؛ ليفقد معه السرور والأمل والصبر أيضاً. ثم تجد من يجيء بكل صفاقة ليقول : اصبر ..

  يقولون لي : اصْبرْ
  ولا صبرَ للمتخمينَ هموماً
  - كمثلي -
  ولا النازفين المعاناة غمّ
  ••
  يقولون لي : اصْبرْ
  وقد ضاق بي الصبر ذرعاً، وضقتُ بِهِ،
  وأصبح عنديَ محضَ ألمْ
  ••
  يقولون لي : اصْبرْ
  وجرحي كبيرٌ كهذا المدى
  شديدٌ وقاسٍ كقلب العدا
  وحزني عميقٌ
  وفرْحي عدمْ .
•••
اصبر ..
    مفردة بتُّ أسمعها كثيراً ، يرددها الجميع على مسمعي باستمرار. الكل يقول لي : اصبر ، سهلة جداً هي حين تقال ، لا تكلف قائلها سوى ثانية واحدة ، بينما تكلف من يكتوي بنيران الظروف القاسية ، والمآسي الجمة ، والأوجاع المتراكمة ، والآحزان المحدقة من كل حدب وصوب ، جهداً ووقتاً كبيرين.
اصبر ..
   مفردةٌ خفيفةٌ جداً في نطقها ، ثقيلةٌ جداً في ميزان الإمتثال والتطبيق.
  يقولون : اصبر ، وقد ملني الصبر ، وضاق بي ذرعاً ..
  يقولون : اصبر ، وكيف أصبر ؟، والصبر أصبحَ شكلاً آخر من أشكال الألم.
  إن محاولة نسيان الألم أو إسكاته بالصبر ، كمن يضع فلفلاً حاراً في ثلاجة التجميد؛ فلا هو جمده ، ولا برَّده ، ولا حتى خفف من حرارته.

  لن يعيَ أحدٌ مطلقاً حجم المعاناة التي أرغمتْك على تحملها الظروف وتلك النظرات الأليمة التي تسحقُك من الداخل. لن يعي أحدٌ كم من الأشياء ماتت في داخلك وأنت تحاول أن تبدو بكُل هذا الثبات والصمود. لن يحس أحدٌ بك غيرك ، ولن يشعر أحدٌ بمدى معاناتك سواك. نعم ، لا أحدَ بمقدورِهِ أن يكونَك ، ولا أحدَ بإمكانه أن يتقمصَ دورك شعورياً على الأقل ، أنت وحدك من تشعرُ بك ، وتعيشُ في جسدِك ممتلئاً بك روحاً وألماً وحزناً وخوفاً وتعباً ومعاناة. أنت وحدك تعيشُك ، وأنت وحدك مَعنيٌّ بك لا سواك.
••••

ــ 12 ــ
.

.. اقتران يسري بدنيا ..

   دنيا هي بنت عُبَيد ، أمُّها زينب أخت مهيوب وعمة يسري. وحيث كانت العائلتان تتبادلان الزيارات كانت تجيء مع والديها لزيارة عائلة يسري باستمرار ، كان مهيوب يقول لوالديها مازحاً : « أريد دنيا لولدي يسري ». كانت دنيا تسمعهم لكنها كانت صغيرة؛ فلم تفهم ما يقصدون. وعندما بلغت الخامسة من عمرها ، حيث كان يسري في الثامنة آنذاك ، كانت دائماً تنهمكُ في اللعب معه في كل زيارة ، حتى ألِفَتْهُ وألِفَها ، وتعلَّقا ببعضهما بشدةِ. لكن هذا التعلق لم يكن عشقاً بمعناه الكبير ، بل ألفةَ طفولة ، لا ترتاح ولا يكتمل استمتاعها باللعب إلا به ، وهو كذلك. حتى أنه - لاحقاً - كان يتعلل ويختلق الأعذار الكثيرة لكي يذهب إلى بيتها.
  مضت الأعوام ، وكبرا معاً وهما لا يكادان يفترقان جل الوقت ، ومع مرور الوقت تحول هذا التعلق إلى حبٍّ كبير.
  عندما بلغت دنيا ال ( 12 ) من العمر افترقا عن بعضهما ، ليس جفاءً أو مللاً أو كراهية ، ولكن هكذا كانت تقتضي عادات وتقاليد المجتمع الريفي المحافظ. أي أن الفتاة في هذا السنِّ يجب عليها أن تغطي وجهها ، وتتجنب مخالطة الذكور. لكن هذا لم يمنعهما من استراق النظرات لبعضهما ، وتتَبُّع كلٍّ منهما أخبار الآخر. فكانت تحس به ، وتتألم لآلامه ، وتحزن لحزنه دون أن يراها أو يشعر بها أحد .
 
   شَبَّتْ دنيا ، فكانت ذاتَ جمالٍ صارخ ، تملكُ وجهاً ملائكياً كالحليب الذي لا تشوبُهُ شائبة ، سوى حبّة خالٍ رمادية تزيّنُ خدَّها الأيسر. عيناها بحران زرقاوان يموجان أضواءً تنير الظلمة. جسدُها الممشوقُ يفيضُ أنوثةً ودلالاً.
  في العشرين ( 20 ) من عمرها خطبها يسري رسمياً حينما كان عمره هو الآخر ( 23 ) عاماً ، كما ذكرنا سابقاً ، وحُدِّدَ موعد الزفافِ ، وزُفَّا إلى بعضهما في حفلة زفافٍ كبيرة ، شهدَها الجميع ، وتجاوزَ الفرحُ قلبيهما إلى كل القرية والقرى المجاورة أيضاً.
   احتفل الجميع ، وانطلقت مكبرات الصوت صداحةً بالأغاني ، وانبجست الأهازيج ، وتعالت الزغاريد ، وحضر الشعر ، واندفع محتفياً :
سناهُ   ،  وأنوارُهُ    موكبُ   ▪••▪   ففرَّ    بجلدِكَ   يا  غيهبُ
فيسري    وأفراحُهُ   حولَهُ   ▪••▪   سماءٌ   توَسَّطََها    كوكبُ
ويسري  وللوردِ  من  حولهِ   ▪••▪  عقودٌ من الأنسِ تستجوبُ
عريسٌ لهُ الحبُّ والأغنياتُ   ▪••▪   تفيضُ  ينابيعَ   لا تنضبُ
هواهُ   شجيٌّ  ،   و غرِّيدُهُ   ▪••▪  يغنّي ،  يغنّي ،  ولا يتعبُ
تسيلُ الأماني  على راحتيهِ  ▪••▪  وسربُ المنى حولهُ يطربُ
ويبسمُ! قلتُ لمَ الإبتسامُ ؟!  ▪••▪   أجابَ  :  لأنَّ  اللقا  أقربُ
دهشتُ  لهذا  الجوابِ  وكم   ▪••▪  سيدهشُنا العاشقُ  الطيِّبُ
سلامٌ عليكَ .. لقد فاضَ بي   ▪••▪   حنينٌ   إليك   ولا مهربُ
وحبٌّ  كبيرٌ  .. كهذا  المدى   ▪••▪   رقيقٌ كقطرِ الندى يسكبُ
  أزفُّ  التهاني  إليك  نشيداً   ▪••▪   وشعراً يروقُ ، ويستعذبُ
تباريكنا    روضةٌ     أينعتْ   ▪••▪   يعانقها   الوابلُ   الصيّبُ
فطابَ الهناءُ ، ودامَ السرور   ▪••▪   وزالَ العناءُ، صَفا المشربُ
كما كان للشعر الشعبي حضوره البارز أيضاً :

  الفرَح خيَّمْ ، وجمر  الحزن  ذابْ
                      وانطرح  راس الهموم  المستميتْ
   وانطلق  نور  المسرة   كالشهابْ
                      وانغرس في خافق الياس المقيتْ
   العنا  مشنوق   باسْياخ  الغيابْ
                      والضنا   محروق   بمْياه  الأسيتْ
   الغموم الموحشة  قفرةْ .. يبابْ
                       والمرح  في  داركم  أخضر  نبيتْ
   المشاعر أمطرت  عذب  الشرابْ
                       والبشاير   زغردت  في   كل  بيتْ
   والأغاني  لحنها   بك  مستطابْ
                       والأماني  لك  تنادي : هيت  هيتْ
   السرور  العذب  ينسيك  العذابْ
                       والوصال   يلملم   الشمل  الشتيتْ
   يا عريس(ن)  لو أطق  بكل بابْ
                       ولو  أدوّر  عن  مثيله  ..  ما  لقيتْ
   لو   تعبّى  ألف   دفتر  أو  كتابْ
                      وانكتب  في  وصفكم  مليون  بيتْ
   ما وفاك الشعر  يا  زين  الشبابْ
                       ولا حوى بعض الخصال اللي حويتْ
   قريتك حولك وأهلك والصحابْ
                       وانْت  مثل  النجم  فيهم  قد بديتْ
   بالثرى رجلك  وراسك بالسحابْ
                       في   سماء   العز    بالعز    اعتليتْ .

•••••        











ــ 13  ــ
.

يسري ..

   فرحْنا ، وأفرحْنا ، واحتفلْنا ، واحتُفِلَ بنا. لكن تُرى : هل فعلاً وجدنا الفرحَ الكاملَ ؟!، أم أننا نكذبُ على أنفسِنا ؟!، وهل سيستمرُّ هذا الفرحُ إلى أبعد مدى ، أم نغالطُ أنفسَنا ؟!.
هل سنعيشُ السعادة الدائمة ؟!.
هل نسينا، أو سننسى الحزنَ ؟!.
   كل المحاولات باءت بالفشل. لأننا لم نعدْ نمتلكُ أيَّ مشاعرَ أخرى. لقد هيمنَ عليها كلها الحزنُ ، الحزنُ يسيرُ بيننا كوحشٍ مفترس. جرَّبْنا الفرح ، وما زلنا نجرِّبُ ، لكنَّنا لم نفهمْهُ وحيداً. صحيحٌ أنَّ الفرحَ يضيءُ دهاليزَ الروح المظلمة ، ويسقي مجاهيلَها العطشى. لكنَّ الحزنَ يأتي قريناً للمآسي ، يأتي قريناً للشدائد ، يأتي قريناً للحروب ، يأتي قريناً لحوادث الفقْدِ ، يأتي قريناً لأشياء كثيرة ، فهو دائماً لا يسير وحيداً.
•••
   في صغري تعلَّمتُ أنَّ الكذبَ حرامٌ ، وأنَّ الحرَّ لا يكْذبُ مهما كان ، ولا يُكَذِّبُ غيرَهُ ولو كان كاذباً. تعلّمتُ أنَّ الصدقَ منجاةٌ ، والكذبَ مهلكةٌ. لكنني اليوم مضطرّاً تعلّمتُ أن أكْذبَ وبكامل إرادتي. أكذبُ وأنا أعرفُ أنني لن أصدِّقَ نفسي ، ولو صدَّقَني الآخرون ، أو تظاهروا بتصديقي على الأقل.
إنَّ حوادثَ الفقدِ تُعلّمُنا أموراً كثيرة !...
تُعلّمُنا كيفَ نوزِّعُ الإبتِساماتِ الكاذبة ؟..
كيف نقبضُ على صدورِنا ألماً وحسرة ؟..
كيفَ ندوسُ على مشاعرِنا ؟..
كيفَ نستوعِبُ أنَّ الدُنيا ليسَت آمنة ، وأنها لنا دوماً بالمرصاد ؟!.
   حدثٌ واحدٌ يكفي لإحداث تغيُّرٍ هائل في عمومِ الملامح ، لإحداث حربٍ كبيرةٍ في المشاعر ، ولأمدٍ طويل. حدثٌ واحدٌ يكفي لإحداث ثقبٍ واسعٍ في طبقةِ أوزونِ القلبِ يؤثرُ سلباً في مناخاتِهِ الداخلية. فكيف سيكونُ الحالُ حيالَ حزمةٍ من الأحداث المتسارعة ؟!، لا شكَّ أنها ستحرقُ طبقةَ الأوزون بكاملها ، وتحوِّلُ المناخَ الداخلي 180 درجة.
••••
  نتظاهر بالقوة ، بينما كل شيء بداخلنا محطم ، مظهرنا الخارجي يوحي بأننا لا نحس ، بينما ينغمس الألم في أفئدتنا. كل خلايانا تتألم ، نتصنع الإبتسامات لنخفي ذلك الطفل الباكي القابع خلف هذا الوجه الشاحب. كأن لا ألم فينا ، بينما نحن أشد من يتألم ، نتهرب من الحديث ، ودائماً تبقى إجابتنا : " نحن بخير " لسؤال مضمونه كيف حالك ؟؟..
  إن من أغرب الأمور التي نمارسها نحن كبشر المكابرة والتظاهر أن كل شيء على ما يرام ، بينما نكون قد فقدنا حتى القدرة على المضي قدماً وصرنا نزحف لا شعورياً نحو الأعماقِِ. ليست الأمور على ما يرام ، ولسنا بخير ، ولا شيء هنا كما نتمنى ، والحياة هنا أصبحت مخيبة للآمال.
••••





ــ 14 ــ
.

ذكريات ..

   لا تزال عائلة يسري تتذكر ذلك اليوم المشؤوم ، الذي زف إليهم الخبر الفاجعة ، خبر استشهاد والدهم. ذلك اليوم الذي هب نسيم صباحه الحار ، يكوي بحرارته القلوب قبل الجلود ، ويلامس الأرواح قبل الأجساد. لأول مرة يهبُّ على العائلة بتلك القسوة. ذلك لأنه حمل نبأً عصف بهم ، وقصم ظهورهم ، واستمطر مدامعهم فسالت ثجاجاً.
   لم يكسر ذلك الصمت الرهيب المطبق عليهم إلا صوت جرس تليفون يسري يرن تنبيهاً بوصول رسالة .. يسري يفتح .. الرسالة من صديقه نصري .. نصها :
"لقد وجدنا لك عملاً في إحدى المنظمات الإغاثية ، جهز نفسك لمزاولة العمل" .
قال يسري بفرح :
– الحمدلله .. وأخيراً حصلتُ على عمل ..
فاستشاطت أمُّهُ غضباً عندئذٍ ، وصرخت في وجهه ، وقد عُقِدَ حاجباها ، وتسحَّنت ملامحُ وجهِها :
– قلتُ يكفي .. لا أريد أن أسمع لفظ " عمل " .. انسَ ذلك ..
فقال مستغرباً ، متفاجئاً من ردة فعلها الإنفعالية :
– ما بك يا أماه ؟ ما الذي يغضبك ؟
قالت :
– يكفي .. ماذا يريد منا هؤلاء ؟ .. قل لي مع من تتواصل ؟ 
ثم قامت وخطفت التليفون من يده ، وأردفت : 
– لن تذهب إلى أي مكان .. أتفهم ؟
قال :
– ماذا تقولين يا أماه ؟ .. الأمر ليس كما تظنين إطلاقاً .. حصلتُ على عمل في المنظمة ، وليس في الجبهة .. كوني مطمئنة.
قالت :
– أتريد أن توهمني بالعمل في المنظمة وتذهب إلى سواها؟، أتستغفلني؟، كيف تجرؤ ؟.
قام واحتضن أمه ، ثم طبع قبلة على رأسها ، وقال :
– لا والله .. اهدأي يا أمّاه .. سأشرح لك :  قبل أيام اتصل بي صديقي «نصري» وهو يعمل بالمنظمة ووعدني بأن يبحث لي عن عمل فيها ، وإذا تيسر الأمر سيبلغني ... والآن وصلتني رسالة منه إعلاماً بذلك .. هذا كل شيء ..
قالت :
– لا أصدقك ..
قال :
–  اسألي دنيا .. فلعلها سمعت تلك المكالمة ذلك اليوم ..
توجهت نحو دنيا ، وقالت :
– أهذا صحيح يا دنيا ؟!
هزت دنيا رأسها للأعلى في إشارة منها بالإيجاب .. ثم أردفت مستدركة : 
– سمعتُ طرفاً منها ..
قالت الأم زكية :
– ولو .. انتهى ..
يسري باستعطاف وقد أحس أنه سُقِطَ من يده :
– يااا أمي ..
  فتأثرت دنيا بعد أن رأت تأثره الشديد من ردة فعل والدته؛ لأنها تعرف أن العمل غاية رغبته ، وأن فيه راحتَه ، كما تعرف أيضاً أنه لا يمكن أن يقدم رغباته على رغبات والدته مهما كان. لذلك تدخلت قائلة :
– الآن سنتبين صدق كلامه .. هاتِ التليفون يا عمتي، سأرى آخر رسالة ..
  أمسكت التليفون ، ذهبت إلى ملف رسائل sms ، فتحت الصندوق الوارد ، ضغطت آخر رسالة ، وراحت تقرأ بصوت مسموع :
– " لقد وجدنا لك عملاً في إحدى المنظمات الإغاثية .. جهز نفسك لمزاولة العمل " .. المرسل «نصري»
فقال يسري وقد أحس أنه قد أثبت براءته :
– والآن وقد عرفتم كل شيء .. أرجوكم أن تسمحوا لي بالذهاب لاستلام العمل .. لا أريد أن أفوّت الفرصة ، فهي فرصة لا تتكرر ، وقلما تأتي في مثل هذه الأيام ، ثم إنني لا أريد أن أذهب دون رضاكم ..
قالت الأم زكية :
– سنسمح لك .. 
وسكتت قليلاً؛ فتفتحت أسارير وجهه ، ثم أردفت مستدركة :
– لكن بشرط  ..
  فتقلصَ وجههُ وتغضّنت أساريره ، وكست ملامحه الدهشة والخوف. الدهشة من هذا التحول الفجائي الخاطف بعدما ظن أن الأمر قد انتهى. والخوف مما يختبئ في طيات الشرط المنتظر. تقلّصَ وجهه ، وانعقد لسانه ، فلم يستطع أن يسأل ، أو يستفهم عن ماهية الشرط ، بل توقف تاركاً لها فسحة من الأمر؛ علها تعدل فلا تكمل. ثم أخذَ يحدّقُ في وجهها بنظراتٍ جامدةٍ منتظراً حركة ثغرها المؤذنة باندلاق ذلك المنتظر ، وحين حركت شفتيها فاتحةً فاها؛ سَرَت قشعريرة رهيبة في كامل جسده ، ملؤها الخوف والرهبة ، وبدا مضطرباً يحرك يديه حركاتٍ عصبية، وعلى وجهه علامات الأسى وخيبة الأمل. ثم قالت بصوت عميق:
– بشرط أن تعطينا موثقاً من الله أن لا تذهب إلى الجبهات ..
عندئذ سكن خوفه ، وتنفس الصعداء ، وعادت ملامحه تتبلّج مرة أخرى ، قائلاً :
– موافق .. وأعاهدكم على ذلك ..
  ولعلهم يتساءلون يا يسري : لماذا تصر كل هذا الإصرار على العمل ؟، إنهم لم يدركوا ما تصبو إليه ، لم يعرفوا أهمية العمل بالنسبة لك خصوصاً في هذا الوقت العصيب. معذورون هم يا يسري ، فهم لم يدخلوا إلى قلبك ، كي يعرفوا مشاعرك ، ولم يعبروا مخيلتك ، كي يبلغوا حدود تفكيرك. لم يعرفوا أنك جئت من أسرة كريمة تأنف أن تمد يدها لأحد ، أو تكون عالة على أحد أياً كان. إن الكريم يكره نظرات الإشفاق حين ترسل من عيون الآخرين لتلف حبائلها حول قامته؛ فتفقدها شموخها وكبرياءها.
  إننا نحاول أن نتجاوز الألم باللجوء إلى العمل ، عندما يكون هناك من لا يستطيع أن يتفهم ضعفنا ويحتوي لحظات الإنكسار دون أن يشعرنا بأننا قد انكسرنا .
  نعمل لنهرب من الشعور بالضعف الذي يقتات من ماء حيائنا وينبش ملامح وجوهنا ، لنهرب من الجو الذي يخنق أنفاسنا حد الضيق ، حتى كأننا نتنفس من ثقب إبرة. نهرب من هذا الواقع الكئيب الذي يغمرنا حد الوجع ، من الذكريات التي أدمنت الإتكاء على أدمغتنا ، من هذا الألم الذي يعتصر الأفئدة ، فقد قيل : " العمل يساعد على نسيان الألم ".
••••








(( في المنظمة ))










ــ 15  ــ
.

" في المنظمة "

   استلم يسري عمله أميناً لأحد المخازن التابعة لمنظمة الإغاثة وخلال مزاولته للعمل هناك اكتشف أن المساعدات الغذائية التي تصرف لأسر النازحين أكبر بكثير من تلك التي كانت تصل إلى سكان المخيم ، إضافة إلى مساعدات مالية نقدية أيضاً .
   ظن يسري للوهلة الأولى أن ما صادفه ليس إلا تحسنٌ مستجد في عمل المنظمة .. لكنه أراد أن يتأكد؛ فأجرى عدة اتصالات بسكان المخيم ، ليتفاجأ بأن الوضع لا يزال كما هو عليه سابقاً ، وأنه لم يتغير شيء .. أثار هذا الأمر فضوله واهتمامه في آن واحد ، فأزمع أن يطرح القضية بين يدي مسؤولي المنظمة ، وأن يضعهم أمام الأمر الواقع ، وليكن ما يكون.
التقى بأحد مسؤولي المنظمة وجرى بينهما هذا الحوار :
قال يسري :
– هل تسمح لي بسؤال يا سيدي ؟
قال المسؤول :
– تفضل ..
قال يسري :
– مساعدات النازحين هل تصرفونها دائماً بنفس الكمية هذه ؟!
أجاب المسؤول :
– نعم ..
ثم أردف :
– ولمَ تسأل هذا السؤال ؟
قال يسري :
– بصراحة .. أنا أحد النازحين .. طيلة الفترة التي قضيتها في  المخيم لم يصلنا من هذه المساعدات إلا النزر القليل ، وحتى اللحظة التي أحدثُك فيها كما أخبرني سكان المخيم .. أريد فقط - يا سيدي - أن أعرف إلى أين تذهب ؟
قال المسؤول :
– إسمع يا أخي .. نحن لدينا مندوبون لكل مخيم .. نصرف لهم المساعدات ونكلفهم بتسليمها لأصحابها وفقاً لكشوفٍ وسجلات بأسماء النازحين في كل مخيم .. فإذا كان صحيحاً ما تقول ، والأسماء موجودة في السجل ، فإن هناك من يستغلهم ويأخذ حقوقهم !!..
قال يسري :
– والحل ؟
قال المسؤول :
– تأكد أولاً  من السجل .. ثم حاول أن تعرف إلى أين  تذهب بعد صرفها للمندوبين ؟ ثم أخبرنا.
قال يسري :
– إن شاء الله ..


  ( بعد شهر )..

  انتظر يسري بفارغ الصبر ميعاد الصرف الجديد .. وحينما حان ، كلّف يسري أحد النازحين بمراقبة شحنة المساعدات  من وقت خروجها من المخزن إلى وصولها الى المخيم ، ليكتشف أن ثلثي الشحنة تباع في السوق السوداء لصالح كل من « ساري » مندوب المنظمة الخاص بالمخيم و « ظريف » مندوب نازحي المخيم .. والثلث المتبقي هو الذي يتم توزيعه أو بعضه على النازحين. 
  نقل يسري الصورة كاملة بكل تفاصيلها وحيثياتها إلى المسؤول. والمسؤول بدوره طلبَ منه رفع شكوى إلى المنظمة موقعة من جميع سكان المخيم .. والمنظمة بعد ذلك سوف  تتخذ الإجراء اللازم.
قام يسري بتكليف «عارف» وهو أحد سكان المخيم بالمهمة ..
••••









ــ 16  ــ
.

عارف
(( في المخيم ))

   بعد التكليف شرع عارف بجمع توقيعات النازحين مارّاً على خيامهم ، خيمةً .. خيمةً. وعندئذٍ قام جواسيس وأعوان ظريف بإخباره بما يجري من أمر التوقيعات ، فقام باستدعاء عارف على الفور.
   جاء عارفٌ ملبياً لاستدعاء ظريف ، وحين مَثُلَ بين يديه دفع له مبلغاً من المال ، وهو متكئ على أريكته بكرشه الضخم الناتئ ، يمضغ القات ، يجتره كبعير ، خدّاه ناتئان ، وفي يده سيجارة يمتصها ثم يزوي فمه لينفث دخانها الكثيف يتصاعد خيوطاً من غرور ..
  فاستغرب عارف ، ثم قال متسائلاً:
– ما المناسبة ؟!
  تنحنح ظريف ، وقال :
– استعن به على قضاء حوائجك ، وسيتكرر هذا كل شهر .. وهذا وعدٌ مني !! ..
قال عارف وقد صار أكثر استغراباً من ذي قبل :
– نظير ماذا ؟! 
  نفث ظريف آخر نفثة من دخان سيجارته ، ثم اعتدل في جلسته ووضعها في وعاء أعقاب السجائر ( طفاية السجائر ) ، ثم التفت يمنة ويسرة نصف التفاتة؛ ليتأكد أن لا أحد بالجوار ، كمن يريد أن يبوح لأحدهم بسر خطير ، ولا يريد أن يصل إلى سواه؛ كي لا يفشى ، ثم قال بصوت خافت :
– أن تتخلى عما تقوم به ..
قال عارف وقد كست ملامحه الدهشة :
– وسكان المخيم .. ماذا عنهم ؟
قال ظريف وقد عاد للإتكاء على جانبه الأيسر :
– عش حياتك ودعْك منهم !!
فقال عارف وقد بدت على شفتيه ابتسامة صفراء :
– يعني .. أعيش حياتي على حسابهم ؟!
قال ظريف :
– يعني ...!!
   عندئذٍ لم يتمالك عارف نفسه ، فصاح في وجهه بعصبية وانفعال :
– يا هذا إن كان ضميرك قد مات .. فضميري ما زال ينبضُ بالحياة ..
  وهنا شعر عارف أنه قد رفع صوته أكثر مما يجب؛ فتوقف ، ثم أردف وقد خفض من حدة صوته :
– كيف لي أن أملأ بطني بما لذ وطاب ، وأصدقائي وجيراني بطونهم خاوية ؟، وكيف يمكنني أن أرى أطفالي يأكلون ما يشتهون ، ويلبسون أفخم الثياب ، وأطفال المخيم حفاة ، عراة ، جياع ، عطشى ؟.
  لن أبيعهم أبداً ، ولن أتخلى عنهم ..
  ثم حدجه بنظرة اشمئزاز ، ورمى  إليه ماله ، وغادر. بينما ظريف هو الآخر حدجه بنظرة تهديد ، وقال متوعداً إياه وهو يغادر :
– إذن .. ستندم .. أحذرك ..
  كان عارف شخصاً نبيلاً ، شخصاً بحجم المسؤولية ، يستشعر حاجة الناس ومعاناتهم ، يتألم عندما يراهم يتألمون. يحزن عندما يحزنون ، ويفرح عندما يفرحون. يسعد لسعادتهم ، ويتوجع لوجعهم. لم يكنْ ليتخلّى عنهم ، أو يبيعَهم بأي ثمن ، أو تحت أي يافطة. ولذلك لم يستجب لإغراءات المتنفذين ، ولم يذعنْ لترغيبهم ، أو يخفْ من ترهيبهم. وبينما هو في خيمته تصله رسالة من رقم مجهول وفيها :
« من أنت يا حثالة ؟ حتى تتعالى على أسيادك »
وثانية من رقم آخر :
« لا تلعب بالنار .. ستحرقك » ..
وثالثة من رقم ثالث :
« انتبه لفعلك .. ستدفع الثمن غالياً إذا تماديتَ .. » 
  كانت التهديدات تأتيه من كل ناحية ، وفي كل وقتٍ ، وبشتى الوسائل : مكالمات هاتفية ، رسائل نصية sms ، رسائل خطية ، قصاصات ورقية ترمى على حين غفلة أمام خيمته ، مداهمات تخويفية ليلية ، مضايقات مستمرة تهدف لعرقلة تحركاته وإعاقة نشاطه ، محاولات مستميتة لنزع الثقة بينه وبين سكان المخيم ، إضافة إلى كمية الأذى الذي يطالُهُ وأقاربه صباح مساء من ألسنتهم السليطة المتمثل بالشتائم والسباب في أبشع وأقذع صورِه.
  لكنه مضى بعزم وإصرار لاستكمال جمع التوقيعات دون انصياعٍ للتهديدات ، حتى انتهى منها ، ثم قام بعد ذلك برفع الشكوى المعمدة بتوقيعات كل ساكني المخيم من النازحين إلى المنظمة ( منظمة الإغاثة )
•••



ــ 17 ــ
.

   ( بعد أيام  )
  استدعت المنظمة مندوبها " ساري " ، وأخضعته للمساءلة.
  في البداية أنكر ساري كل التهم الموجهة إليه ، إلا أنه في الأخير ، أمام الحقائق التي تكشفت تباعاً ، ما لبث أن أقرَّ معترفاً. لكنها لم تعاقبه كما يبدو ، واكتفت بتوقيفه فقط. ثم قررت إرسال لجنة خاصة إلى المخيم لتقصي الحقائق.
  وصلت اللجنة المخيم ، وتقصته خيمةً خيمة .. تستجوب ، وتسأل عن أحوال النازحين ، وعن كمية ما يصلهم من مساعدات ، فكانت الإجابات جميعها متطابقة مع فحوى الشكوى ، عدا من بعض المنتفعين والمستفيدين الذي تفوح منهم رائحة الفساد وهم قلة كانت أقوالهم عكس ذلك.
  عادت اللجنة بتقريرها الذي يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك ما جاء في الشكوى ، وعلى إثر ذلك قررت المنظمة ثانية إرسال لجنة أخرى تقوم بتسليم المساعدات لكافة النازحين في المخيم يداً بيد .. 

  أما عن سكان المخيم ، فقد اجتمعوا كلهم بعد استلامهم المساعدات كاملة دونما نقصان ، وقرّروا - مجتمعين - من تلقاء أنفسهم تنحية « ظريف » الذي مص دمهم ، وأكل مستحقاتهم من المساعدات ، واستحوذ عليها ردحاً من الوقت ، ثم اختيار  « عارف » الذي وقف معهم وناضل طويلاً لأخذ حقوقهم ، ليكون مسؤولاً عنهم ، وممثلاً لهم ، تقديراً لجهودِهِ ، وما تحمَّلَهُ من أذى وتبعاتٍ جسيمة في ذلك السبيل.
••••

ــ 18  ــ
.
(( في المخيم ليلاً ))

    مسلحون ملثمون لا يرى إلا بريق أعينهم يقدح شرر الحقد والبغضاء والكراهية ، يقتحمون المخيم ،  يجوسون خلاله ببنادقهم المشرعة ، و (جعبهم ) الناتئة بالذخائر ، الملتفة حول خواصرهم. يصولون ، ويجولون في استعراضٍ همجي ، وبجاحةٍ ممجوجة ، كأنما أتوا لتحرير البلاد العربية من المغول ، أو تخليص أوروبا من النازية.
   عندما تراهم وهم يسيرون بتلك البجاحة ، تشعر كما لو أنهم قدموا ليخوضوا معركة كبرى في مواجهة أعتى الجيوش .. ناسين أنهم هاهنا في أحد مخيمات النازحين ، وليسوا في عين جالوت. وهؤلاء ليسوا جيش المغول ، ولا هم جنود هتلر. إنهم نساء ، وأطفال ، ولفيف من كبار السن ( العجزة ). إنهم نازحون ، غرباء ، تقطعت بهم السبل. شردتهم الحروب؛ فلجأوا إلى هذا المكان؛ طلباً للسلامة والأمان. لكنهم لم يسلموا منهم أيضاً ، فلقد قاموا بمص دمهم وهم صامتون ، مغلوبون على أمرهم ، وحين نطقوا؛ قامت قيامة هؤلاء ، فانتفضوا ، وأتوا عليهم بالحديد والنار. أتوا بقلوبٍ مريضة ، وإنسانيةٍ خاملة ، وضمائر ميتة. لم يرحموا صغيراً لصغرِه ، ولا كبيراً لوهنِهِ وعجزِهِ ، ولا امرأةً لقلةِ حيلتِها.
  صالوا بعنجهية ، وجالوا بجبروت الظالم ، وأفزعوا ، وروعوا بسطوة القوي على الضعيف ، وجعلوا صراخ النساء ، وبكاء الأطفال يُسمعُ في كل ناحيةٍ من نواحي المخيم ضجيجاً يملأ الأرض والسماء. ثم قاموا - بعد ذلك - بإضرام النار في خيمة « عارف » الذي لم يكن متواجداً فيها لحسن الحظ.
  أضرموا النار ولاذوا بالفرار مخلفين وراءهم موجة من الهلع والذعر في أوساط السكان ، وخيبة أمل كبيرة في قوم نزعت منهم الإنسانية ، والضمير ، ومن قلوبهم الرحمة والشفقة.
  إنَّ الألمَ الذي يصيبُ الإنسانَ نتيجةَ الخيبةِ ، هو مقياسٌ للأملِ الذي كان يخبّئُهُ في داخلِه !!.
  وأعظمُ ألمٍ يأتي من خيبةِ أملٍ هو من أشخاصٍ منحتَهم كل الثقة ، وسلّمْتَهم أمرَكَ ، وأوليتَهم كل امتثال ، وأمنتَهم على حياتِك وقُوْتِك ، ثم تكتشفُ في الأخير أنهم كانوا مصدرَ الخوفِ والخطرِ الذي يحدقُ بك ، والمعاناةِ التي عشْتَها.
••••

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق