الاثنين، 8 أغسطس 2022

قافلة الضياع//ق3 //// وضاح حاسر

القسم الثالث

(( العودة ))

.

.

.

(( أنتظرُ عودةَ الحمامِ عندما يأتي إلى الصحن. سأخلي لهُ المكان. يومَها سأشعرُ بأنَّ حمامةً بخيرٍ في سمائِها التي اختارتْها ))
- واسيني الأعرج          

.

.

.

ــ 19  ــ
.

  وماذا لو وقفَتْ بوجهِك المصاعبُ ؟، وانهالت عليك المصائبُ من كل مكان ؟. ماذا لو غرقتَ في الألم والأسى ؟.
  هل ستفقدُ الأملَ كلياً ؟، وتنغمسُ في اليأس ؟.
  إنَّ التعلقَ بقشةِ أمل ، خيرٌ من الإبحارِ بشراعِ يأس.
  لا أحدَ يستطيعُ العيشَ بدون أمل ، إنَّهُ شيءٌ فطري ، ولِدَ معنا ، وربما من قبل أن نولد. قد يشيخُ ، قد يضعفُ ، قد ينخفضُ ، أجَلْ، لكنه لا يموت .
فالأملُ هو أنْ ترى السماءَ صافيةً ثم لا يُصيبُك أدنى شكٍّ أنها سوفَ تُمطر.
  إنَّ الأملَ امتدادٌ للحياة ، ولا يتوجّبُ على الإنسان أن يفقدَهُ مستسلماً لليأسِ الطارئ ، بل يتوجّبُ عليه ﺃﻥ يظلَّ ملازماً له حاضراً معه نفسياً وذهنياً على الدوام.
  كما أنَّ اليأسَ قاتلٌ خفيٌّ ، يمتلكُ إمكانيةَ التسلُّلِ إلى الأعماقِ ببطءٍ شديد ، يصهرُك على نارٍ هادئةٍ ،  يأخذُك شيئاً فشيئاً ، ثم يهوي بك دفعةً واحدةً إلى مكانٍ سحيقٍ من الإكتئابِ فالموت.

  غالباً من يستسلمون لليأس حدَّ اجتثاثِ بذرةِ الأمل من ذواتِهم ، هم من يفقدون إيمانَهم بها ، ويجدون أنفسَهم فائضين على الحياة ، فيشرعون في تخليصِ ذواتِهم منها ولو على سبيل الإنتحار .

لكن يسري ليس من هذا النوع !
فبرغم المصاعب والمتاعب والنوازل والأحزان لم يفقد الأمل كلياً. تألّمَ ، نعم. حزنَ ، نعم. فقدَ السيطرة على انفعالاتِهِ ، نعم. اختنقَ بدموعه ، نعم. لكنه لم يفقدْ أملَهُ بالحياةِ مطلقاً بفضل إيمانِهِ القوي .
  إنَّ الإيمانَ هو القوةُ الحيويةُ للإنسان ، الطاقةُ الصميميةُ التي تخترقُ الحياةَ بكل أشكالِها وتثبتُ وجودَها بألف طريقةٍ وطريقة.
  لا أحدَ بمقدورِهِ أن يكبحَ أيَّ قوةٍ حقيقيةٍ عن الوجود ، إنها تمارسُ دفْقَها في أي مكانٍ تتواجدُ فيه ، تخلقُ قدرتَها على كل الإحتمالات وتتسرّبُ نحو العالم في أي ظرفٍ كان ، وفي أي شكل.
**** 
.

.

ــ 20  ــ
.

   الآن يمكننا القول أن الحرب توقفت في القريةِ ، والحقيقة أنها لم تتوقفْ. إنما انتقلت إلى مكان آخر. التهمت القريةَ كما التهمت غيرَها ومضت لالتهامِ أخريات ، وتكرار نفس المآسي والنكبات والمعاناة ، ونشر الرعب والفوضى والدمار نفسه في مكان آخر من هذا الوطن. فالحرب إذا بدأت يستحيلُ أن تنتهي بسهولة ، لا تنتهي حتى تنهي على كل شيءٍ جميلٍ ، وحتى تساوي بين كل القرى والأمكنة ، فهي عادلةٌ في هذا الجانب ، عادلةٌ بمساواة الجميع في المساوئ والمآسي والفوضى.

    كما يرى البعض الآن أن العودة أصبحت ممكنة مستنداً في ذلك على كون الحرب تجاوزت القرية ومضت إلى غيرها ، والبعض الآخر يرى أنها غير ممكنة ، وذلك على اعتبار أن القرية لا زالت تحتضنُ الخوفَ والبشاعةَ والأسى ، وأنها لا زالت تعاني من ندوبِ دمارٍ عميقة عصية على الشفاء.
   لا شيء بعد الحرب يبقى على حاله ، ولا شيء يعود كما كان قبلها.
   أجل ، وهل بقي شيء على حاله هنا ؟!، والقرية أصبحت مشوّهةَ الملامح ، خاوية العروش ، وأهلها ما بين قتيلٍ ، أو جريح، أو أسيرٍ ، أو مشردٍ ، أو طريد ، أو مفقود.

   الكلُّ يريدُ العودة بلا شك ، لكنَّ القرية لا تزالُ تفوحُ منها رائحةُ الدمِ والبارودِ ، ورائحةُ الموت أيضاً ، الموت الذي لا يزالُ يتسكعُ في كل تفاصيلِها بإمعان.
  عائلتان كانتا قد عادتا فور استتباب الوضعِ ، إحدى العائلتين كان الحظ حليفها ، إذ تمكنت من الوصول إلى القرية بسلام دون أن تتعثر بأسلاك الموت الشائكة المنتشرة في كل مكان داخل القرية ، لكنها عندما وصلت لم تجد منزلها الذي عادت تهفو شوقاً إليه ، لقد تحوَّل إلى كومة ركام .. لقد أصبح أثراً بعد عين. عندئذٍ تلاشت فرحتهم بالعودة والوصول وتحطمت على صخرة المأساة الكارثة ، فباتوا في العراء لا مأوى لهم.
   وأما الأخرى فقد كان نصيبُها من الموتِ ينتظرُها هناك ، وبدلاً من أن تستظلَّ تحت إحدى الأشجارِ التي زرعَها السلمُ قبلاً ، تعثرت بأحد الألغام التي زرعتْها الحربُ مؤخراً فحوَّلَها أشلاءَ متناثرةً قبل أن يحتضنَها منزلها الصغير الذي أجبرتْها الحرب على مغادرتِه ذات يوم.
   إنها عائلة دنيا ، العائلة المقربة من عائلة يسري والقريبة نسباً وصهراً. فيا لمأساة العائلة ويا لفجيعة دنيا المسكينة التي لم تُشْفَ بعد من فقدان رضيعها حتى تفقد أهلها دفعةً واحدة.
  إنها فاجعة ثقيلة ، بل كارثة لا تغفرها الأيام ، ولا تستطيع محوها السنون. مأساة أخرى تضاف إلى تأريخ العائلة المأساوي. ولكم أن تتخيلوا مشهد تلك العائلة التي كانت تقف كشجرة أصلها ثابت وفروعها المتدلية تنتشر في كل الجهات. من كان يتخيل يوماً أن شجرة كهذه ستتساقط فروعها فرعاً تلو آخر ، بهذه السرعة ، وبكل تلك السهولة ؟؛ لتصبح مثقلة بالمواجع ، تقف بمفردها عاريةً في مهب العاصفة.
  إنها لعبة الأقدار التي لا مستحيل أمامها .
•••
   العائدون لم يكونوا يتوقعون أنهم سيعودون بتلك الفرحة لينكسروا مصدومين ، حين يستقرون ثانية بأرضهم وقد غدت فارغة من كل شيء. لم يكونوا يتوقعون أبداً أن فرحتهم ستصطدم بأهواء غلب عليها السوء والشر ، وأن خطواتهم العائدة سوف تتعثر بتراكمات الفوضى ، وركام الدمار ، وحفر الموت المنتشرة في كل مكان.

  إنه أمر صعب جداً ، إحساسٌ فظيعٌ للغاية .. حين تسير على أرضية القرية فتشعر كأنك تسير في قرية أخرى غير قريتك ، تفتح عينيك لترى آثار الدمار حولك ، فتشعرُ كما لو أنك كنت في معركة كبيرة لا هوادة فيها، وأنك الناجي الوحيد ، يحسدك الجميع لنجاتك من الموت ، بينما أنت تكابد وتعاني مشقة البقاء على قيد الحياة.
****
.

.

ــ 21  ــ
.

  لم يستطع يسري أن يكتم أشواقه العارمة ، أن يوقف سيل مشاعره الهادر ، فهو كغيره يتحرق شوقاً ، يتطلع أملاً للعودة ، إذ لا شيء أحب للقلب ، وأهدأ للبال ، وأروح للنفس ، وأريح للروح من الوطن الذي عاش فيه ، وترعرع فيه ، وشهد لحظاته الأولى. لكنه وحتى لا يقع في ما وقع فيه غيره ، أو يصل إلى ما وصل إليه سواه من العائدين؛ فضل أن يتريث قليلاً على أمل أن تتحسن أحوال القرية وأهلها ، وحتى يتم كبح جماح الموت المترصد في طرقها وأفنيتها وباحاتها ، وكل شبر فيها.
  بقي يسري متأهّباً يترقبُ كالمصلوب على قارعة الإنتظار ، يترصد الأخبار القادمة من القرية ، يتفحصها بدقةٍ واهتمامٍ لعلَّه أن يجد من بينها خبراً جميلاً مطمئناً ؟؛ لإنه - كما يبدو - غير مستعدٍّ للمجازفة الآن ، فلقد ذاق وعائلته قبلاً من صنوف المحن والمواجع ما يكفي ، بدءاً بفقد أبيه  وأخيه الأكبر ، ثم خروجه وعائلته من بيتهم مجبرين ، ثم فقد ابنه الرضيع ، مروراً بمعاناة الغربة ومرارتها ، وآخرها فقدان أصهاره عائلة دنيا بكاملها. ولذا لم يعد بمقدور من بقي من العائلة تحمل فاجعة أو خسارة أخرى. 
  وقف يسري مصوباً بصره ناحية الجنوب ، فهناك خلف تلك الجبال تقع قريته. لم يستطع كتم مشاعرِهِ تجاهها ، فأطلق العنان للسانه ليخرج كل ما في جعبته ، ويعبر عما يعتمل في خاطره من فائض الشوق والحنين قائلاً :
  « اشتقتُ إليك كثيراً يا قريتي الحبيبة ، اشتقتُ لترابِك العطرِ ، لمائِك العذبِ ، لهوائِك النقيِّ ، لأنسامِك العليلةِ ، لنفحاتِك الزكيّةِ ، لأشجارِك ، لأحجارِك ، لكلِّ شيءٍ فيك. اشتقتُ إليك ، وأريدُ أن أعودَ إليك بلا شكٍّ ، لكنني تتقاذفُني الأفكارُ على منضدةِ عقلي مرتبكةً مشوَّشةً .. أفكّرُ كيف سنلتقي ؟، هل ما زلتِ تحترفين الإبتسام الذي عرفناهُ عنك قبلاً ؟؛ هل ستستقبلينَني بابتسامتِك المعهودةِ عندما أجيءُ ، أم ستكتفينَ بالمزيدِ من الوجومِ الداكنِ والصمتِ المتعبِ ؟، هل ستتحدّثينَ إليَّ كما كنتِ سابقاً ؟، أم ستكتفينَ بقراءةِ الدمعِ في عيوني دون أنْ تنبسي ببنْتِ شَفَة ؟.
وماذا سأقولُ لك أنا أيضاً ؟..
   هل سأخبرُك كيف عِشْنا كلَّ هذا البُعدِ عالقينَ في الحزنِ والشرودِ ، في مخيّمِ القهرِ والفقرِ والضياع ؟، كيف عَلَّقْنا شرائطَ الفَقْدِ على جدرانِ  الروح ، وتركْنا للدموعِ شرائطَها الحمراءَ تلوِّنُ الملامحَ بحُريّة ؟.

وعمَّ أحدِّثُك ؟..
   هل أحدِّثُك عن ألمٍ حلَّ بي ، عن فرحٍ غابَ عني ، عن خيباتٍ توالت عليَّ؟، أم عن اكتئابٍ أوقعَني في فخاخِهِ ؟!، أم عن حزنِ فراقِك ، ووجعِ بُعْدي عنك ؟!، أم عن اشتياقٍ عميقٍ يتوغل في حشاي ، لا يزالُ يتغذى على قلبي ؟. عن ماذا ؟!، عن ندمي ؟، عن همّي ؟، عن بكاء روحي ؟، عن خساراتي الكثيرة ؟!. عن ماذا أحدِّثُك ؟؟!.. 
   لا يوجدُ لديَّ متسعٌ للحديث. أقفُ أمامَ الحزنِ حائراً ، كيف أضمِّدُ جرحاً كثير النزف كهذا ؟. كيف أواري سوأةَ الحزنِ العالقِ بالكلمات ؟، وكيف أداري وجعاً سَبَرَ متغلغلاً أغوارَ الروح ؟.
   بُعْدي عنكِ أفقدَني شهوة العيش ، أفقدَني حلاوة الإستمتاع بكل شيءٍ حولي ، أفقدَني شعوري وإحساسي إلا بك. عزفتُ عن كل شيء ، وعفتُ كل شيء ، حتى الشمس من شروقِها إلى الغروبِ لم أعدْ أستمتعُ برونقِها ، ولا أشعرُ بدفئِها بعيداً عنك. كل الأكسجين سوى أكسجينِكِ ملوّث ، كل وجهٍ غير وجهِك مشوَّهٌ ، كل ماءٍ غير مائِك آسنٌ ، كل سماءٍ دون سمائك مظلمة ، كل فضاءٍ دون فضائك ضيِّق ، كل عيشٍ خارجَكِ كدَرٌ ، كل حياةٍ بعيداً عنكِ برزخٌ.» 
وحين آتيك !!..
كيف سأقف أمامك ؟.
هل سأستطيع نسيانك ، أو تناسيك ؟.
هل يمكنني التخلي عن ماضيك ، وماضٍ كان لي فيك ؟!، وأنا الممتلئ بالذكريات حتى النخاع.
  أسير والذكريات حولي سياج دائري يحيط بي من كل الجهات؛ فأمشي نحو الماضي بعينين مغمضتين ، وذاكرة واحدة.
   هنا .. عند هذه النقطة ، أجد الذاكرة تعود بي إلى مشهد شاهدته ذات يوم في محلات إنتاج زيت السمسم بالطريقة التقليدية. مشهد لجمل يدور بعينين مغمضتين طوال الوقت ، يطلق عليه العامة عادة ( جمل المعصرة ) ، حيث يوضع على عينيه رباط من القماش أو نحوه يمنعه من الرؤية؛ ليتوهَّم أنه يسير للأمام في خط مستقيم طوال الوقت ، بينما هو يدور حول نفسه باستمرار ، كلما انتهى من دورة بدأ أخرى دون أن يعرف حتى؛ أنه يدور في نفس الدائرة .
  أجدني أصبحت أشبه ذلك الجمل إلى حدٍّ كبير. أدور حول نفسي دوائر مفرغة. لا أكاد أنتهي من آخر اسطوانة في شريط الذكريات حتى أبدأ إعادة تدوير الشريط من جديد.
  وما محاولات النسيان ، والتشبث بالأوهام ، وإقناع النفس أن لا شيء تغير ، وأن الغد سيكون أجمل ، ما هي كلها إلا غطاء عينين ، يخفي عنا فجيعة الواقع والنتيجة المأساوية الحتمية التي نعجزُ عن الهروب منها .
••••
  وهبي أنني أدخلت الذكريات ( الفريزر ) ، في محاولة أخيرة للخلاص منها ولو مؤقتاً ، هل ستستطيع الصمود في وجه التحرش المستفز ؟، هل ستحافظ على جمودها حين أسير على تلك الطرق التي اغتالت البراءة ، ووأدتها في مهدها ذات يوم ؟. وهل سأستطيع الوقوف أمام الدمار دون أن تتراءى أمامي صور البيوت واقفة شامخة البنيان ، وصورة الإنسان الذي كان يملؤها بهجةً وكفاحاً ؟.
  وكيف للذكريات أن تجمد أو تخمد ؟، ومكان كل عثرة يتراءى صمود قائم ، ومكان كل حفرة أثر لطود شامخ أو صخرة باذخة.

  وهبي أنتِ أيضاً أنك صرختِ في وجه الموت وهو يتجول في الأزقة كالباعة المتجولين :
– أن كفى عبثاً أيها الموت،
  هل سيصغي إليك ؟!.
  هل سيتوقف عن شراء الأرواح ، وبيعها في السوق السوداء ؟.
  هل سيتوقف نزيف النازحين إلى السماء ؟؛ كي ننسى ، أو نتناسى .
  كيف للبشاعة وإن احتلت مكامن الجمال أن تمسح أثَرَهُ أو إرْثَهُ المتجذر في ذاكرة الزمان ؟، وكيف للخراب وإن طمس معالم العمران والإنسان ، أن يجتثهما معاً من ذاكرة المكان ؟.
وحدها الذكريات لا تمَّحي ولا تموت ، وحدها مكتوب لها الخلود.
••••
لكنني آتٍ إليك لا محالة ..
قادمٌ إليك فافتحي بابك ..
  قادمٌ إليك .. إلى ليلك الجبلي البارد فمدي ذراعيك واحضنيني .. ضميني إلى صدرك الدافئ ..
  عائد إليك من بلاد الغربة والضياع ، من مخيم الخوف والخيبة. فلا تدعيني واقفاً على عتبات الجرح. إن الغربة كانت موجعة .. فلا تجعلي العودة موجعة كذلك. »
****

.

.

ــ 22  ــ
.

   لم يكن لدى يسري ما يشغله ، سوى أنه اعتاد اللجوء إلى الأقلام والأوراق؛ للهروب من الفراغ الخانق. لقد نشأت بينه وبينها علاقة حميمة ، يفضي إليها بأسراره الثقيلة ، وبآلامه وآماله ، وبهمومه وأحزانه ، وما يختلج في خاطره من مشاعر. إنها أصبحت الوسيلة المثلى لكسر الرتابة والملل ، وتخفيف وطأة الإنتظار وطوله.
   إنها متنفسه الوحيد الذي اعتاده لقضاء وقته الرتيب في مخيم العناء والغربة والإنتظار ، وملاذه الدائم حتى من قبل أن ينتقل للعمل بالمنظمة ، بل منذ وطأت قدماه تراب المخيم ، وربما منذ غادر قريته.
  إنه يخط ما يجول في باله من خلجات ، يصوِّر بعدسة الحروف أحزانه اليومية ، ويحول المعاناة إبداعات يسكبها على الأوراق بشاعرية ثرية الجمال ، فلا شيء أجمل ولا أصدق تعبيراً مثل أن تعبِّرَ عن شيء تعيشُهُ واقعاً ويعيشُك ، عن شيء لامسَ إحساسك، وأثَّر فيك سلباً أو إيجاباً.
  ولا عجب في أن تجد النصوص على وريقاته تطفح عذوبة وجمالاً وإبداعاً ، فإنما « من رحم المعاناة يتولدُ الإبداع ».

وها هو اليوم في أشد اللحظات وأصعبها ، ها هو يعيش الثالوث الخانق : الإنتظار ، والترقب ، والإشتياق. إنه بأمس الحاجة لما يشغله وينفس عنه في هذا الوضع العصيب. آنَ الأوانُ لممارسة طقوسه في قتل الوقت. آنَ أوان اللجوء للملاذ الآخر المعتاد ، آنَ أوان العودة للقلم والورقة.
  ذهب يفتش بين قصاصات الورق عن وريقة بيضاء يفرغ فيها مشاعره الملونة ، فألهته فوضى الأوراق المملوءة بألوان المشاعر وخلجات الروح على امتداد الغربة. أخذ يقلبها؛ فانهمك بها ، وتلَّهى عن الكتابة ، وبدأ يقرأ ما خط فيها متسائلاً : أحقاً أنا من كتب هذا ؟!، أحقاً قد عشت هذا كله ؟!، وصار يقرأها ورقة تلو أخرى حتى استوقفته إحداها ، بدا يتأملها بذهول ، ثم صار يقرأها ، ويعيد قراءتها تمتمةً ، ثم صار يقرأها بصوت مسموع :

هنا كلُّ المدى خِيَمٌ ..
أفتِّشُ في زواياها عن الإنسانِ ،
أبحثُ في زمانِ الغابِ عن أملٍ .. فلم ألحظْ سوى ألمِ
هنا لا شيءَ يا قلمي
سوى حلمٍ تزلّقَ فوقَ منحدرِ الضياعِ ، 
على بساطِ الريحِ يرتجفُ 
مع التيارِ ينجرفُ
•••
هنا لا شيءَ يا قلمي
سوى أسماكِ قرشٍ تستبدُّ بمائِنا ، ولها بهِ هي وحدَها الشرَفُ 
سوى تلك الطيورِ بجوِّنا ،
هو ملكُها ، ولمن عداها القاعُ ، والجيَفُ
فتأمرُ فيه ، أو تنهى ، وتلهينا ، وتسلبُنا ، وتختطفُ
وتفعلُ كيفما تهوى؛ فتشقينا ، وتنكرُنا ، وتقترفُ
ولا تبقَى لدى حدٍّ ، ولا تقِفُ
•••
هنا لا شيءَ يا قلمي
سوى الأوجاعِ ، والإحباطِ ، والعدَمِ
فدعْني للأسى ، والحزنِ ، والألمِ
ودعْ صمتي يلفَّ فمي
ولا تعذلْ ، ولا تلمِ
فما الآمالُ إلا ( للسوى ) خُلِقَتْ ، فدعْهم يرتقوا الأسبابَ ،
دعْهم في تملُّقِهم ، ودعني مفرداً علماً ، أعضُّ أصابعَ الندمِ .
****

.

.

ــ 23 ــ
.

  في ذات يوم من أيام الإنتظار والترقب ، جلس يسري يتلقّف الأخبار كالعادة ، لكنها كانت قد شحت ، فلم تعد تأتي رياحها بما تشتهي أو لا تشتهي السفن. لأن الناس كانوا قد بدأوا بالعزوف عن تناقلها .. لقد ملوا من تكرار الأخبار نفسها كل يوم .

   كان معظم أهالي القرية قد عادوا إليها حينذاك ، وكانوا قد بدأوا مع مرور الأيام يألفون التغير الطارئ في ملامحها ، ويتكيفون مع وضع ما بعد الحرب. أو بالأحرى عادوا لممارسة حياتهم اليومية بشكل طبيعي دون اكتراث بالماضي ، بعدما أصبحوا متيقنين أن الإعتكاف في قوقعة الماضي لن يعيد شيئاً مما قد مضى .
أحس يسري لحظتها ، أن الوقت قد أصبحَ مناسباً.

   كان لا بد أن تنتهي مرواغة الإنتظار ، وأن تكف عقارب الغربة عن الدوران. وكان لا بد ليسري وعائلته أن يحزموا حقائبهم معلنين عن انتهاء مواسم التشظي والفراق ، وابتداء موسم العودة المنتظر.
وأخيراً سيعودون ..
  كانوا ينتظرون هذه اللحظة التي أوشكت كما لم ينتظروها من قبل.
نعم سيعودون ..
   مع نهايات الخريف .. مع بدايات الشتاء .
سيعودون ..
   مع الحزن الغامض الذي يبطن حقائبهم ، والخوف الذي يغلِّفُها ، والشوق الحامض ، والحنين الجارف اللذينِ يحملانها .

   لن يكونَ الرجوعُ سهلاً بالتأكيد ، ولن تكونَ العودةُ إلى قريةِ الأشباح أقلَّ ألماً من مغادرتِها قبلَ أن تتحولَ إلى هذا المسمّى الطارئ المحدَث بفعل الحرب .. لكنَّ الحنينَ أكبرُ من كل الآلام ، وفوق كل الإعتبارات ..
   فللحنينِ أحياناً سلطانٌ جامحٌ ، لا ينهزمُ أمام مجريات الواقع ، ولا توقفه مطبّاتُ الدروب ، ولا يعبأ بتهديدات المستقبل. إنَّهُ يمارسُ تدفُّقَهُ بانسيابٍ كالنهر في المصبِّ ، لا يبالي بأي شيءٍ يعترضُه ، أو يقفُ أمامَه.
****

.

.

ــ 24 ــ
.

   كانت الأمطار الغزيرة قد جرفت خط سير المركبات المؤدي إلى القرية ، ولم يتم إصلاحه بعد؛ فاضطر يسري وعائلته العودة سيراً على الأقدام. حينئذٍ ذهب يسري للبحث عن طريق آخر للمشاة؛ محاولاً الهروب من عبور نفس الطريق الذي جاء بهم ، لأن ذلك الطريق يكتنز لهم في طياته ذكريات تختزن أطناناً من الألم لا قِبَلَ لأرواحهم المثقلة الواهنة بها ، وخاصة دنيا التي أصبحت كريشةٍ في مهب الأسى .. لكنه لم يجد طرقاً أخرى ، إذ لا طريق للمشاة إلى القرية إلا ذلك الطريق المشؤوم الذي سلبهم أغلى شيء ، فلذة كبدهم ، وفرحة العائلة الوحيدة التي أتت بعد سنين الأسى والفقد. ذلك الطفل الرضيع الذي لا تزال صورته عالقة في أذهانهم.

   تضاعف العبء على العائلة ، وكان النصيب الأوفر على عاتق كل من يسري وشغف حيث كان عليهما تحمل مسؤولية طمأنة دنيا ، وتحفيز روح الصبر والتحمل لديها ، عن طريق إلهائها بسرد بعض القصص والحكايات طوال الطريق ، إضافة إلى حمل الأمتعة عن كاهل الأم زكية الكبيرة السن ، ودنيا الكثيرة الحزن. 

   انطلقت رحلة العودة إذن. ومع أول خطوة دبت غيوم الرهبة ، وغشيهم الوقار ، وكان الجو غائماً بالفعل ، وكان مهيئاً - كحالهم تماماً - لأن يسكب دموعه بأي لحظة.
ها هم من جديد يشقون طريقهم الشاق عائدين.
ها هم يعبرون ثانية نفس الطريق الوعر سفح الجبل ، مارين بنفس المكان الذي جلسوا فيه آنذاك ، ثم المكان الآخر الذي كان - ذات يوم - شاهداً على وقاحة الحرب وجورها لدرجة وأد البراءة في مهدها دون رحمة. عند ذاك بكت العيون ، وأسبلت دموعها رغم كل محاولات حبسها ، وبكت السماء أيضاً؛ ليلتقي ماء العيون بماء السماء ، في موقف تغلبت فيه المشاعر على كل استعدادات الصمود والثبات.

   في رحلة العودة لم تفارق خيال يسري الصورة التي كونتها تراكمات الأحداثِ ، والأخبار التي كانت ترده تباعاً عن القرية ، وأحوالها ، وحجم الكوارث التي حلت بها وبأهلها .. وبالطبع صار يتصور المشهد الذي يمكن أن يجدها عليه ، وكان يتحتم عليه أن يهيئ نفسه ، ويوطِّنها جيداً لمواجهة ذلك المشهد ، الذي سيكون كارثياً بلا شك. هذا بالإضافة إلى المآسي التي يحملها معه ، أو عاد بها من رحلة الضياع.

   لا شك أن كل شيء في القرية يحمل له ذكرى من نوعٍ ما ، والذي كان يخيفه حقيقةً : أن تنبش تلك الذكريات مقابر الألم والأسى التي نصبها للنسيان ، أو اعتقد في لحظةٍ ما أنه قبرها ..
   وكم هو مخيفٌ مواجهة الواقع لا سيما وأنت تعرف سلفاً أنه يحمل فيوضاً من الألم التي ربما ستغرقك ، وخاصة عندما تكون لا تجيد مهارة العوم ..
   فعلى سبيل المثال ، تلك الأمكنة التي كانت تجتمع فيها عائلته وعائلة دنيا عند تبادل الزيارات تغرز في صدره ذكرى رحيل عائلة دنيا المفاجئ بأكملها ، وذلك السرير الصغير الفارغ يوقد في جوفِهِ ذكرى فقد طفله البكر ، وتلك الباحات التي كان يلعب فيها مع أقرانه تشعل في أعماقه حنيناً جارفاً لهم وقد ذهبوا ضحايا حرب جائرة .. بعضهم شهداء ، وبعضهم أسرى ، وآخرون مشردون في فيافي وقفار الضياع .. إلخ .

ها هي القرية أخيراً !!
   بوجهها الشاحب المعفر بالبارود ، بملامحها الباهتة المشوهة ، بجدرانها المهشمة ، بترابها المعجون بدماء الشهداء ، بوجوه أهلها المغلفة بالوجوم.

  ها هي القرية (ج) التي غادروها خمسة ، وعادوا أربعة. غادروها بطفل يبكي ، وعادوا بقلوب باكية.

   لم يكن أحد في استقبالهم عند مدخل القرية ، ومن ترى سيستقبلهم ؟!، والعائلة الوحيدة المقربة التي كانت قد سبقتهم بالعودة ، قد رحلت بلا عودة.
   كانت دنيا تتمنى أن تصل فتجد أباها عبيد ، وأمها زينب ، وأخاها حسان ، وأختها ماريا أمامها بصدور مشرعة ، وألسنة مرحبة ، وابتسامات مشرقة تنسيهم مرارة الغربة ، ووعثاء الرحلة. ولكن لا أحد هناك في هذا اليوم الإستثنائي سوى المزيد من الألم والخيبة ، والمزيد من الجراح التي لا تزال تكبر يوماً بعد آخر.
****

.

.


ــ 25 ــ
.

   عاد يسري وداخلُه مثخنٌ بالجراح ، وخارجُهُ ذابلٌ كنبتةٍ في يومٍ عاصفٍ بأرضٍ قاحلة ، جدران روحِه مهشمةٌ ، وأركانه توشك أن تنهدَّ.
   عاد والحزن يربت على كتفه ، والأسى يطرق باب صدره ليخترق قلبَه ، والحسرة تطارده كظله حيثما ولّى ، وعلى كاهله عبء ثقيل من الهم والخوف ..
   ولا عجب في ورود مفردة الخوف هنا .. فالخوف هو الوحيد الذي رافقه في رحلته خطوة بخطوة ، ولازمه لحظة بلحظة ، وشاركه سهر الليالي والأيام ، وأبى أن يفارقه قيد أنملة ، أو يتخلف عنه طوال رحلته ، من اللحظة الأولى لخروجه من القرية حتى لحظة العودة إليها ، وربما أبعد من ذلك . 

   أما الأم زكية فكانت طيلة الرحلة تتحسس مفتاح البيت الذي ظل معلقاً على صدرها كتميمة ، مربوطاً إلى جيدها كقلادة ، أو كصليب يتدلى على صدر كاهن لا يفارقه جل الوقت. وهي كذلك لم تنزعه عن صدرها منذ أقفلت باب البيت خلفها وغادرت. وكأنها كانت تريد أن لا تقطع صلتها بالبيت كلياً ، بل أن تظل على علاقة تواصل دائمة به من خلال ذلك المفتاح ، لكي لا تفقد إحساسها وأملها بالعودة يوماً. كانت تتهيأ للحظة الوصول ، حين تقف أمام الباب فتمسك بالمفتاح ، ثم تدخله في فتحة قفله ، ثم تديره؛ فينفتح على مصراعيه ، ليضمهم تحت سقفه ، ويغمرهم بدفئه ، ويأخذهم إلى عوالم أخرى من المشاعر التي حرموا منها منذ وقت ، وكانت تأمل أن تجد كل شيء من محتوياته في مكانه على الحال الذي تركته عليه.

   وعندما اقتربت من البيت ، ولم يعد يفصلهم عنه إلا بضعة أمتار ، أخرجت المفتاح ، وأمسكته بيدها استعداداً لفتحه. لكن عندما وقفت أمامه ، لم تجد قفلاً على الباب ، فاندهشت ، واندهش معها الجميع ولاحت عليهم علامات استغراب كثيرة. مدت يدها اليمنى لدفعه؛ فانفتح بسهولة ، ودخلوا جميعاً واجمين دون أن يتلفظ أيُّ أحد منهم بكلمة واحدة ، لقد انعقدت ألسنتهم من دهشة المفاجأة ، وانتشروا تلقائياً خلال الغرف يتحسسون محتوياتها .. وكانت المفاجأة الأكبر .. لقد اختفى كل شيء : الأسرة ، الدواليب ، السجاد ، الأقمشة ، الأثاث ، ماكينة الخياطة ، وكل الأشياء الصغيرة والكبيرة نهبت ، ما عدا سريراً صغيراً يقبع في أحد زوايا غرفة يسري .. بدا كزرٍّ لحقل من ألغام الحزن المنتشرة في دواخلهم ، بمجرد ما لامستْه عيونهم؛ انفجرت تلك الألغام مرة واحدة ، ليتحول البيت الخالي من محتوياته إلى بيت مليء بالحزن والدموع والأنين.

   ومن المعلوم أن فقدان الممتلكات يجلب الحزن والأسى ، وأن العثور على جزء منها يعد انفراجةً أولى ، وعودةً لشيء من الفرح. لكن بقاء ذلك السرير من بين كل تلك الممتلكات الصغيرة والكبيرة لم يكن انفراجةً ، أو مدعاة للفرح ، بل كان حزناً إضافياً على كمِّ الحزن المكدس بعضه فوق بعض. وكيف لا ؟!، وهو سرير الصغير الذي ذهب بمعيتهم ، وعادوا من دونه.

   وبرغم كمِّ الحزن ذلك؛ فقد شعروا أنهم أفضل حالاً من غيرهم ، فهناك عائلات انتهت عن بكرة أبيها ، وهناك أسر دُمرت منازلها فأصبحت بلا مأوى ، وهناك ممتلكات أكثر وأثمن من ممتلكاتهم قد نهبت .. وقد قيل « من رأى مصيبة غيره؛ هانت عليه مصيبته» .
••••

   أما دنيا فبعد صدمتها تلك ، وفجيعتها تلك المتمثلة في فقدان عائلتها بالكامل؛ أصبحت هزيلة ، مغبرة الوجه ، مكفهرة الملامح ، لا تجف لها عين كلما خلت بنفسها ، وكانت في غفلة من عائلتها الثانية ( عائلة زوجها ) الذين كانت تحاول أمامهم أن تكتم حزنها الشديد ، وتبدو طبيعية ما أمكن؛ حتى لا تفجعهم ، وتحملهم أكثر مما احتملوا من المعاناة والآلام المتتالية حتى الآن ..
   لكنها وإن حاولت أن تبدو طبيعية ، وأظهرت قدراً من التماسك والصلابة ورباطة الجأش ، فإنها من الداخل هشة ، محطمة الأركان ، تتفصد ألماً وحسرة.
   إنها تحترق - وحدها - بصمت ، لأنها تدري أنها لو أخرجت النار التي في جوفها لأحرقت الأخضر واليابس ، وصيرت ما حولها جحيماً فظيعاً لا يطاق .
   ولك أن تتخيل الحال التي سيكون عليها من فقد عائلته دفعةً واحدة ، في لحظة واحدة. كيف يمكنه - وإن حاول - التكيف مع هكذا حال ، أو التعايش معه بسلام داخلي ؟. تلك هي حال دنيا التي يصعب تخيلها ، أو وصف ما تمر به من وجع في الواقع.

   في كل ليلة كانت تحلم بكوابيس فظيعة ترى فيها صور عائلتها وهم في أحوال وهيئات عديدة. مؤخراً - بعد العودة - أصبحت تراهم وهم يملؤون بيتهم القديم الذي أصبح خالياً ، خاوياً على عروشه بعد أن ذهبوا جميعاً إلى ربهم ..

   كانت تستيقظ فزعةً بعد كل كابوس ، تجهش بالبكاء ، تتلفت؛ فلا ترى أحداً سوى سرير صغير في الجهة الأخرى من الغرفة ، والذي كان يفترض أن يشغله طفلها الراحل ، فتبكي وتنتحب حتى تبلل فراشها ، ويزداد نحيبها كلما رأت ذلك السرير الصغير يطفو كقارب في الظلام .

   كانت تنظر إلى بيت أهلها الخالي المقفل من بعيد ، كانت تتحاشى أن تذهب إليه؛ خوفاً من أن يستيقظ ذلك المارد المكبوت في جوفها ، ويخرج من قمقمه ، فلا تستطيع إيقافه ، أو كبح جماحه ثانيةً ، فيدمر كل شيء ..
   لكنها بعد ذلك الكابوس الذي رأت فيه عائلتها متجمعين داخل البيت ، تفجر لديها حنين عارم لرؤيته ، فتشجعت ، وقاومت خوفها ، وقررت الذهاب إليه ، وعندما وصلت فتحت الباب ، وبقيت لبرهة واقفة قبالته وهي تنتفض ، قبل أن تتحامل على نفسها ، وتتمكن من الدخول .
   دخلت دنيا البيت ، فكانت المفاجأة التي لم تكن تتوقعها قط ، بعد ما رأت وسمعت مما جرى لمجمل بيوت القرية .. لقد وجدته ما زال محتفظاً بأثاثه وأمتعة أهلها التي خلفوها وراءهم عندما نزحوا ، تفوح روائحهم وتتجلى ذكرياتهم في كل زاوية .. إنه ما زال محتفظاً بأشيائهم : الأسرة كما هي ، الدولاب في مكانه بما فيه ، مرآة أختها هناك ، مكحلة أمها ، قلامة أظافر أبيها ، إلخ ..
  غمرت الأشجان دنيا ، وأصبحت رجلاها غير قادرتين على حملها؛ فجثت على ركبتيها ، وبكت ، ثم بكت ، ثم بكت حتى تعبت ، وتقرحت عيناها ، وحين تعبت بدأت تهدأ شيئاً فشيئاً ، إلى أن توقفت عن البكاء تماماً ، ثم مسحت بطرف كمها بقايا قطرات الدموع العالقة على وجنتيها ، وحاولت النهوض على قدميها مرة أخرى ، متوكئةً على نفسها ، ومشت نحو الباب مستندة إلى الحائط ، تاركة كل شيء على حاله. أقفلت الباب ، وعادت راجعة ، منهكة الخطى ، تجرر حسرتها ، متعبة ، ذابلة.

   هكذا إذن!  يذهب أناس ثم يعودون وقد ذهبت أشياؤهم نهباً ، ويرحل أناس إلى غير رجعة وتبقى أشياؤهم شاهداً على غيابهم الأبدي ، وجرحاً ينكأ كل يوم. كحال دنيا تماماً .. إذ ذهبت عائلتها الأولى وبقيت أشياؤها ، وعادت العائلة الثانية ( عائلة زوجها يسري ) وذهبت أشياؤها. ومن العجيب أيضاً أن جميع محتويات منزل عائلة يسري قد نهبت ما عدا ذلك السرير الصغير. كأن القدر يقول : لن يبقى إلا ما يؤلمك ويوقظ جراحك يا دنيا.
   إنها واحدة من المفارقات العجيبة ، بل واحدة من عجائب القدر .. تذهب أشياء لا يراد لها الذهاب ، وتبقى أشياء لا يراد لها البقاء.

   في تلك الليلة كان بادياً على دنيا أنها تعاني كثيراً ، وتقاسي أوجاعاً ثقيلة في داخلها ، انعكست على شكلها الخارجي ، فكان واضحاً تغيرها الكبير بشكل لافت لا يمكن إخفاؤه .. وفعلاً تنبه يسري لذلك وأدرك مدى تأثرها ، وأحس بحجم معاناتها ..

   تحلقت حولها العائلة لتواسيها ، وتهدأها ، وتطبطب عليها كالعادة .. لكن كان قد فات الأوان .. لقد انفجر البركان ، وقذف حممه ، ولم يعد رشاش المطر قادراً على إيقافه ، أو إخماده ..

   ذهبت إلى غرفتها باكراً ، ثم ارتمت على فراشها كالورقة الساقطة من غصن شجرة في خريف قاحل. ولا يزال ذلك السرير الصغير الفارغ قابعاً في مكانه بالزاوية الأخرى من الغرفة. صارت تنظر إليه بوهنٍ وضعفٍ ، وعينين مغشوَّتين ، تبذل جهداً كبيراً في محاولة رؤيته كلما اتجهت ناحيته وهي في الفراش. نامت سريعاً هذه الليلة لفرط التعب وثقل العناء الجاثي على صدرها. وما إن أرخت جفونها وأغمضت عينيها ، حتى هجمت عليها الكوابيس لكن بوطأة أشد هذه المرة .. فاستيقظت وهي تصرخ بين أغطية فراشها ، حاولت أن تجلس وتلتفت إلى السرير الصغير كما تعودت ، لكنها لم تستطع هذه المرة ، لقد فقدت القدرة على الحركة ، وفقدت إحساسها بأجزاء جسمها كلياً ، لقد شُلَّت بالكامل.
   كانت تلك الصرخات نقطة تحول في حياة العائلة وفي حياتها هي بالذات ، انتهى معها عهد الحركة ، وابتدأ مشوار جديد مع ملازمة الفراش لا يعلم مداه إلا الله.

   كان الخير الوحيد المتأتي من تلك الصرخات في هذه الليلة بالذات هو حضور العائلة إلى جوارها للوقوف على المأساة ، ومشاهدة ذلك التحول الفجائي الذي نزل على يسري كالكابوس المريع الذي يصعب الإستيقاظ منه .
****

.

.

.

   أجل ، القرية كئيبة ، الباحات والطرقات في أماسي شباط/ فبراير تبدو خالية من السمار أو المارة ، الجو بارد في كل الأنحاء إلا داخل البيت الحزين. إذ لهيب الحزن وجحيم المعاناة كفيلان برفع درجة الحرارة ، وتحويل الشتاء البارد خارج البيت إلى صيف حار داخله ..

   إذ أنه .. ما إن تمكن يسري وعائلته من الإستقرار بالبيت ، وظنوا أنهم سيبدأون حياة جديدة تجُبُّ ما قبلها من عناء وأسى وعذاب ، حتى فوجئوا ببداية مرحلة جديدة من المعاناة والألم أشد وأقسى ، معاناة متواصلة ، يرونها ماثلة أمامهم كل يوم بل كل ساعة وكل لحظة. كل المآسي السابقة كوم ، وهذي الأخيرة كوم. لأن المآسي السابقة كانت وقتية ، بمعنى أن كل مأساة كانت متعلقة بحدث ما ، تحدث بحدوثه ، وتنتهي بانتهائه ، وما يبقى منها ويستمر هو أثرها فقط ، أثرها الذي يمكن التحايل عليه ، وتناسيه بين الحين والآخر. أما الحادثة الأخيرة فهي معاناة مستمرة يصعب التحايل عليها ، أو تناسيها.

   إنها نهاية مأساوية لا أحد يعلم نهايتها تحديداً ، ولا أحد يدري إلى أي أمد ستستمر تلك المعاناة ، ولا إلى أي مدى ستصل قافلة الضياع في رحلة الضياع.

.
........يتبع ......

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق